أهداف إسرائيلية في الحرب الأميركية على الإرهاب/ صبحي غندور

تعمل إسرائيل منذ 11 سبتمبر 2001 على استغلال الأعمال الإرهابية التي حدثت في أميركا وأوروبا، من أجل خدمة عدَّة غايات تحاول تحقيقها منذ عقد التسعينات الماضي:

فقد سعت إسرائيل، و"جماعاتها" المتعدّدة في الأوساط الغربية، إلى إقناع الرأي العام الغربي، أن عدوَّه الجديد هو العالم الإسلامي، وبأنَّ هذا "العدو" يحمل مخاطر أمنية وسياسية وثقافية، تماماً كما كان الحال مع العدو السابق، الشيوعية.

وقد كان الغرب يرى في "الشيوعية" طوال سنوات الحرب الباردة، أنَّها أكثر من مجرد عقيدة (أيديولوجية) يختارها أفراد أو مجتمعات، فالشيوعية هي أيضاً مجموعة من النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتناقض مع ما يقوم عليه الغرب من مجموعة نظم معاكسة لمفاهيم الشيوعية، وكان "الوجه البشع" للشيوعية يظهر في الإعلام الغربي من خلال التركيز على التصادم بين أوجه الحياة المختلفة ما بين "الغرب الرأسمالي" و"الشرق الشيوعي".

وقد نجحت إسرائيل في السنوات الماضية في تشويه صورة الإسلام في العديد من وسائل الإعلام الغربية، وفي إعطاء "نماذج" بشعة عن المجتمعات الإسلامية، وفي التركيز على ظواهر سلبية في العالم الإسلامي من أجل بناء ملامح صورة "العدو الجديد" للغرب. وجاءت أحداث 11 سبتمبر 2001 لتجعل من واقع أفغانستان تحت حكم نظام طالبان، وكأنَّه النموذج عن العالم الإسلامي ككل، وعن كيفية فهم الدين الإسلامي وتشريعاته الاجتماعية.

طبعاً، واقع العالم الإسلامي ليس بجنَّات عدن، لكن حتماً تجربة أفغانستان لم تكن تمثّل إلا نفسها، ولم توجد حالة شبيهة لها في دول العالم الإسلامي الأخرى، ورغم ذلك فإنَّ الرأي العام الغربي رأى الإسلام من خلال "عيون أفغانية"، ويرى "العرب الأفغان" هم الأسوأ في هذه التجربة الأفغانية من خلال التركيز على دورهم في مجموعة "القاعدة". بحيث أصبح الإسلام الآن في نظر العديد من الغربيين مزيجاً من "التخلف" و"الإرهاب"!! وأصبحت الهوية الإسلامية والعربية موسومةً بالتخلّف والإرهاب حتى لو كان هذا "المسلم" أو ذاك "العربي" يعيش في الغرب لعقودٍ طويلة أو "مواطناً" في بلدٍ غربي.. وكأنَّ التخلف والإرهاب سمات جينية تنتقل بالوراثة بين المسلمين والعرب!!

ويظهر عمق الجهل الغربي عموماً بالمسلمين والعرب حينما تلمس أن لا فرق وسط هذا الجهل الغربي بين مسلمٍ وعربي، فكلاهما واحد بنظره، على الرغم من أنَّ عشرات الملايين من العرب هم من غير المسلمين، ومئات الملايين من المسلمين هم من غير العرب، وإنْ جمعت بينهم جميعاً سمات تاريخية مشتركة.

أيضاً، منذ انتهاء الحرب الباردة، تحاول إسرائيل تأكيد أهمية دورها الأمني بالنسبة للغرب عموماً، ولأميركا خصوصاً، بعدما تحجَّم هذا الدور حصيلة انهيار الاتحاد السوفييتي واستفراد أميركا بموقع "الدولة الأعظم" في العالم، وبعد استقرار الوجود العسكري الأميركي في أكثر من مكان بالشرق الأوسط، وعقد معاهدات عسكرية وأمنية مع معظم دول المنطقة.

وقد ثبت للولايات المتحدة الأميركية عدم الحاجة إلى الدور العسكري الإسرائيلي في أول حربٍ خاضتها بالمنطقة بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وهي حرب الخليج التي نتجت عن غزو النظام العراقي للكويت. ولم تكن هناك أيضاً حاجة للدور الإسرائيلي في حرب أميركا مع الصرب في يوغوسلافيا، كما حصل أيضاً في أفغانستان ثم في العراق.

فإذا كانت معظم دول منطقة الشرق الأوسط هي في حال معاهدات صداقة وتعاون مع أميركا والغرب، وإذا كانت البوارج الأميركية تحيط بكلِّ شواطئ المنطقة، فما الحاجة الأمنية الغربية لإسرائيل في المنطقة؟

سؤال وجدت إسرائيل الإجابة عنه في إدخال الغرب بحالة حربٍ مع "الإرهاب العربي والإسلامي" بحيث يكون لإسرائيل الدور المهم في هذه الحرب الأميركية المفتوحة زمانياً ومكانياً، والشاملة الآن لدول ومنظمات لا تتصل بجماعات "القاعدة".

لقد أدركت إسرائيل، منذ توقيع معاهداتها مع كلٍّ من مصر والأردن والسلطة الفلسطينية، صعوبةَ أن تتخذ الحكومات العربية بعد هذه المعاهدات، قراراً بالحرب ضدَّها. وهذا ما جاء على لسان الرئيس الراحل أنور السادات عشيّة توقيعه للمعاهدة مع إسرائيل "إنَّ حرب عام 1973 هي آخر الحروب مع إسرائيل"، حيث أصاب الحقيقة بهذا القول لجهة الحكومات العربية لكن ليس لجهة إسرائيل وحروبها المفتوحة في المنطقة، وخاصة في فلسطين ولبنان.

وكان من الطبيعي أن تدفع هذه الحروب الإسرائيلية المفتوحة على لبنان وفلسطين إلى تكوين حركات مقاومة للاحتلال الإسرائيلي ولممارساته الإرهابية الوحشية المستمرَّة. وقد لمست إسرائيل مخاطر هذا "العدو الجديد" لها في المنطقة (أي حركات المقاومة الشعبية) بعد تجربة المقاومة الإسلامية والوطنية في لبنان، ونجاح هذه المقاومة في إجبار إسرائيل على الانسحاب من كلِّ الأراضي التي احتلتها عقب اجتياح لبنان عام 1978 ثمَّ عام 1982.

وقد نجحت تجربة المقاومة اللبنانية أيضاً في اختراق الحملات الإسرائيلية المتكرّرة في الغرب التي ادَّعت أنَّ المقاومة ضدَّ الاحتلال هي حركة إرهابية، حيث حرصت المقاومة اللبنانية على حصر عملياتها في الأراضي اللبنانية المحتلة وضدَّ الجيش الإسرائيلي المحتل وعملائه. وكانت هذه الإستراتيجية الناجحة للمقاومة اللبنانية هي وراء الضغوط الشعبية الإسرائيلية الداخلية المتكرّرة على الحكومات الإسرائيلية لإنهاء احتلال لبنان عام 2000. وكان لانتصار المقاومة اللبنانية صدًى واسع في العالمين العربي والإسلامي، كما كان عامل تشجيع لإعادة إطلاق الانتفاضة الفلسطينية الثانية بعد أن وأدت تداعيات مؤتمر مدريد واتفاقيات أوسلو الانتفاضة الفلسطينية الأولى.

لا شكَّ أنَّ الغايات الإسرائيلية الثلاث: "الإسلام هو العدو الجديد للغرب"، "الدور الأمني الجديد لإسرائيل في المنطقة"، "المقاومة تساوي الإرهاب"، هي غايات مترابطة ومتكاملة ولا تتحقق إحداها دون مساندةٍ من الأخرى.

وقد كان العمل الإرهابي في أميركا يوم 11 سبتمبر 2001، أشبه بحلم إسرائيلي يتحقق، وليشكِّل بذلك أفضل فرصة لتحقيق الغايات الإسرائيلية الثلاث معاً. فالعقبة أمام إسرائيل كانت في تردّد واشنطن بتصنيف بعض الدول والمنظمات العربية بـ"الإرهابية"، لكن هذه العقبة انهارت خطوةً خطوة منذ أن نجح التيَّار المساند لإسرائيل في أميركا بإدراج عددٍ من أسماء الدول والمنظمات العربية على اللوائح الأميركية الخاصة بالجماعات الإرهابية.

وبالمقدار نفسه الذي نجحت به إسرائيل في استغلال الفرص والأزمات كلّها لتحقيق غاياتها، أضاعت الحكومات والمؤسسات العربية من جهتها فرصاً عديدة... أوَلم تكن أحداث سبتمبر 2001 فرصة مهمة للحديث الإيجابي عن الإسلام في الغرب، ولطرح المفاهيم الإسلامية السليمة حول جملة قضايا بدأ المواطنون هناك يتساءلون عنها الآن، بغضِّ النظر عن مواقف حكوماتهم؟

وإضافةً إلى استنكار ما حدث من إرهاب في أميركا في العام 2001، فإن المواقف العربية كانت محدودة من حيث ضرورة التمييز المطلوب بين الإرهاب المدان وبين المقاومة المشروعة ضدَّ الاحتلال الإسرائيلي، وفي رفض استهداف أيّة دولة عربية أو أيَّة مقاومة وطنية للاحتلال الإسرائيلي..

على الجانب العربي عموماً، هناك الآن إمّا حالة انتظار سلبي أو أعمال إحباطية. وكلتا الحالتين مفيدتان للغايات الإسرائيلية، وللحركة الإسرائيلية، وللرؤية الأميركية المطلوبة لمستقبل منطقة الشرق الأوسط. إنّ الواقع العربي العام تحكمه الآن سمات مشتركة وليس مواقف مشتركة. سمات تبرز فيها سيئات "حالة الانتظار" لما سيقرّره "الخارج" ثمَّ التعامل مع هذه "القرارات" بشكلٍ انفرادي عربي عوضاً عن التنسيق المسبَق وإعداد القرار العربي المشترك للتعامل مع نتائج المرحلة واحتمالاتها المستقبلية. وكلّما نجحت إسرائيل في التحريم الدولي لحق المقاومة ضدها، كلّما حصلت على التشريع الدولي لإرهابها المستمر.

وسيتوقَّف حجم ونوع "الرؤى" الأميركية والإسرائيلية للمنطقة على مقدار ما سيتحقَّق عربياً من تخطيطٍ مسبَق (عوضاً عن الانتظار).. ومن تنسيقٍ مشترك (عوضاً عن الانقسام).. ومن أساليب ناجحة في المقاومة (عوضاً عن أعمال الإرهاب واليأس والإحباط).. وعلى ما سيكون في أمَّة العرب من أفكار وممارسات تصون وحدة أوطانها ومجتمعاتها.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019