السلطة والجريمة مصلحة متبادلة...

السلطة والجريمة مصلحة متبادلة...

سهيل كيوان

عند وقوع جريمة إطلاق نار حتى القتل، يتساءل الناس أين الشرطة والسلطة؟ ولِمَ هذا الانتشار الواسع للسلاح غير المرخص؟ وما هو عدد الجرائم التي كشفتها الشرطة في وسط جماهيرنا العربية؟

يقول المنطق، بأن السلطة، أي سلطة، تكون معنية بالهدوء والأمن لمواطنيها، وذلك كي تكون في مأمن منهم، ولكي تفرض هيبتها، هذا صحيح جدًا في الدول التي تنظر إلى كل مواطنيها بمساواة واحترام، ولكن هذه المعايير لا تنطبق على نظام يمارس التمييز العنصري، فهو يعمل لصالح فئة عرقية على حساب فئة أخرى، ولهذا يبقى متغافلا عن أمور كثيرة تحدث في وسط هذه الأقلية، تعينه على إحكام قبضته عليها.

نعترف بأن السلطة المركزية لا تعاملنا كمواطنين ترغب في وجودهم، هذا ما أثبتته التجربة الطويلة عمومًا، وأتى "قانون القومية" ليؤكّده، وهذا يعني أن الشعور بالأمن لدى العرب ورخاءهم الاقتصادي والثقافي الذي يعني تطورهم الطبيعي يتناقض مع أهداف الدستور الأساسي، ورغم هذا، فهناك قوانين من المفروض أن تمنع انتشار السلاح غير المرخص، وعلى السلطة ضرب بيد من حديد من يتاجرون به ومن يستخدمونه.

مصلحة سلطة التمييز العنصري أو الديني، مثلها مثل مصلحة الدكتاتور الذي يسعى لتشديد قبضته على الرعية وإثارة الرعب وشكوك الناس ببعضهم البعض، كي لا يجدوا مفرًّا لهم سوى الاحتماء بالسّلطة القامعة نفسها، التي تعاملهم كأفراد وليس كمجموعة إثنية مختلفة لها حقها في الأمن والطمأنينة والتطور الطبيعي، فوضى العنف والسلاح تزيد من حاجة الفرد لحماية السلطة، بحيث يصبح أكثر استعدادًا لخدمتها والتسليم لها بما تريده.

قد تكون هذه الخدمة من خلال الانضمام إلى أجهزة الأمن مقابل مكافآت مالية وتسهيل المعاملات الإدارية وضمان الأمن الشخصي، ليتحوّل البعض إلى مستفيد من جهة، وقامع لأبناء شعبه من جهة أخرى، وعادة ما يكون أشدّ شراسة على أبناء جلدته من السلطة نفسها، سواء كان في الجيش، أو الشرطة أو الأجهزة الأمنية الأخرى، وذلك لإثبات ولائه للسلطة القامعة وتجنّب أذاها، ومن ثم اضطراره لتأثيم أبناء شعبه المضطهدين وإلقاء اللائمة والمسؤولية عليهم، لما يحدث لهم من قمع، فتراه يصفهم بأنهم فوضويون قذرون أينما حلّوا، وبأنهم حيوانات ولا يستحقون سوى القمع، إلخ.

تتلكأ السلطة في البحث عن المجرمين، حتى في حالات يكون المجرم واضحا حتى للناس العاديين، طالما أن هذا الإجرام محصور في الشريحة التي تريد تخريبها وقمعها، فإذا ما امتد هذا العنف إلى المدن اليهودية، أو إلى أشخاص تعتبرهم ضمن حمايتها، حينئذ سنلاحظ قدرتها الكبيرة على كشف الجناة.

تشجع السلطة هذه الفوضى تتغاضى عن تجارة المجرمين بالسلاح والسّموم، وتتيح لهم الربح بهدف بث الفوضى والخوف بين الناس المقموعين، وزعزعة ثقتهم بأنفسهم وبقيادتهم التي ستبدو عاجزة، وهكذا يتحوّل المجرمون إلى قوة اقتصادية ومسلّحة وشرسة تصعب مقاومتها في مجتمع أعزل، وذلك تحت سمع وبصر السلطات وصمتها. وعادة ما تتألّف الأذرع الضاربة لهذه العصابات، من شرائح المجتمع المسحوقة شبه الأمية والمدمنة على السموم والناقمة اجتماعيًا، والتي تجد في ممارستها للفوضى والجريمة والعربدة تعويضًا وطريقا سهلا لتحقيق ذاتها اقتصاديا وهيبة اجتماعية، حيث يتحول مجتمعها إلى رهينة لسطوتها.

هكذا تبث السلطة الرعب والتفكك والعجز في المجتمع المستهدف، حتى يخشى كل فرد فيه على مصيره وبيته وأسرته، ويصبح هدفًا سهلا للتحكم فيه وبنشاطه وتصرّفه وتوجهه السياسي والاجتماعي وحتى في أفكاره.

هذه السلطة نفسها التي تظهر عاجزة أمام المجرمين، تُبرز قدراتها الهائلة، عندما يوجّه هذا العنف إلى الشارع اليهودي أو إلى شخصٍ ما قرّرت السلطة حمايته لسبب أو لآخر.

قبل أيام قليلة، قام مجهولون في إحدى قرانا بإطلاق النار على سيارة صاحب عمارة أجّرها للشرطة، وهنا كان من الضروري للشرطة إظهار قدراتها، لمن هم في حمايتها وللمجرمين، فجمعت كل الكاميرات في الحي والشوارع الفرعية في المنطقة التي وقع فيها إطلاق النار، وبعد ساعتين فقط، اعتقلت مشبوهين بإطلاق النار، وفي الصباح كانت كل قيادة الشرطة في الشمال موجودة في المبنى، لتبشّر صاحب البناية المعتدى عليه بإلقاء القبض على الجناة.

واضح أن للسلطة قدرات هائلة عندما تريد ذلك، وواضح أنها قادرة على وضع حد للجريمة وللسلاح غير المرخص، ولكن مصلحتها كسلطة قمعية عنصرية تلتقي مع مصلحة مجموعات الإجرام وأذرعها، فتترك لهم الحبل على الغارب حتى تقرر العكس.

واجبنا كمجتمع يتعرض للعنف وبتواطؤ من السلطة المركزية، أن نستيقظ وأن نعمل على حماية أنفسنا ومجتمعنا من الدمار الذي تأخذنا إليه هذه الأيدي المجرمة.

يبقى السؤال، هل نستطيع أن نفعل ذلك؟ هل نستطيع فرض النظام في قرانا ومدننا لوقف التدهور الحاصل؟ وما هي الآلية التي من الممكن لمجتمعنا أن ينشئها ويمارسها لحماية نفسه في ظل سلطة متواطئة ولها مصلحة مشتركة مع الجريمة والفوضى؟ هل نستطيع التخطيط لمؤتمر موسّع لبحث ظاهرة العنف وطرق مواجهتها من خلال علاقتنا المعقدة مع السلطة نفسها!

أعتقد أنه آن الأوان لنفكر جدّيا بمؤتمر واسع للجماهير العربية لبحث الإمكانيات والوسائل المتاحة لمكافحة هذه الظاهرة المدمّرة.

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018