إلى القيادة الفلسطينية: كفى تعويلا وهيمانا

إلى القيادة الفلسطينية: كفى تعويلا وهيمانا

 نضال العزة

بانتظار خطاب الرئيس الفلسطيني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 27 أيلول/ سبتمبر الجاري، تخرج علينا القيادات الفلسطينية تبشرنا – كالعادة – بالنصر القادم، والذي سيكون على شكل حسم غير مسبوق. وكالعادة، يجري تداول الأمر بالعناوين العريضة، وكأن المطلوب ألا نعرف، ونكتفي بالانتظار والصمت. علينا أن نصمت؛ لأنّ الهجمة كبيرة وخطيرة وغير مسبوقة، ولأنّ الوقت ليس مناسبا لنشر غسيلنا الوسخ، فبالانتظار والصمت نسدّ الثغرات ولا نعطي الأعداء فرصة للانقضاض علينا! ترى أما آن لنا ان نسمع مرة من القيادة كيف ستحقق حقوقنا، والتي نعرف أكثر من غيرنا انّها عادلة، ضمن نظام الشرعية الدولية الذي لا يقيم وزنا للضعفاء؟

وحرصا من القيادة على ترتيب أمور امتصاص الخيبة - خيبتنا، يجري مرة شحننا بالأمل، ومرة يجري تعليق النتيجة على المجهول، وطبعا يجري ذلك دون نسيان نثر تبريرات الفشل المرجح مقدما. تارة يتم التشديد على دور المحكمة الجنائية الدولية، وتارة يتم الإشارة إلى إمكانية اللجوء إلى محكمة العدل الدولية، وما علينا إلا أن نثق ونتفاءل، ونبارك درب المحاكم الدولية التي تقدم لنا كخطوة مهولة على طريق تحقيق حق تقرير المصير، والعودة، والدولة؛ وتارة أخرى يتم استعراض محاور الخطاب المرتقب للرئيس التي ستتناول "العلاقة مع الولايات المتحدة، والعلاقة مع الاحتلال، وأيضا العلاقة مع حماس". ناهيك عمّا يمكن أن يقال بالمعنى الوطني والأخلاقي عن مجرد الإشارة إلى العلاقة مع حماس كمحور من محاور الخطاب أمام الامم المتحدة، يتم كالعادة تعليق الأمر، أو القرار، أو النتيجة (أي مصيرنا) على إرادة الآخرين. والآخرون كثر، هم إما دول نافذة، أو الأمم المتحدة، أو للتخفف أكثر من المسؤولية، يتم تسميتهم بالمجتمع الدولي – هذا الاصطلاح الهلامي المبتكر خصيصا لتجنب تحديد المسؤول والمسؤوليات. هذا التعويل أصبح هيمانا، والهيمان قد يكون شغفا يلامس الجنون، أو سيرا على غير هدى يماثل الضياع. مهما كان نوع الهيمان في هذه اللحظة التاريخية، ستظل جملة أريئيل شارون "إننا أقوياء... ومن السخافة الاعتقاد بأن هناك قوة على الأرض تستطيع أن تحاكم جنودا أو دولة الشعب اليهودي" سيدة الموقف، ما دام التعويل على الغير سيد المواقف الفلسطينية.

قد تكون السنين الثلاث التي أسرفتها المحكمة الجنائية والخبراء الدوليون في بحث صلاحية دولة فلسطين - العضو المراقب للانضمام إلى المحكمة مدة معقولة بالنسبة للمحكمة، ولكنها بالنسبة لشعب يدفع الثمن يوميا من أرواح أبنائه، وأرضه، وممتلكاته، وكرامته، تحسب بالجدوى، خصوصا وأن التحقيق الابتدائي المنتظر – بعد أكثر من سنتين من الانضمام للمحكمة - لم يبدأ بعد. الأنكى من كلّ ذلك، أن التهديد بالتوجه إلى المحكمة الجنائية، ورفع التقارير لها، وطلب المباشرة بالتحقيق، وبمعاودة الكرة ما بين الخيبة والخيبة، يظهر وكأن المحكمة الجنائية هي الطريق إلى تحقيق حقّ تقرير المصير والدولة، والعودة. للأسف لا زالت سمفونية المحكمة تعلو كلما ألقي بحق من حقوقنا في سلة مهملات المتنفذين بما يسمى بالشرعية الدولية. وحتى اليوم، لم يخرج علينا قائد ليقول إن المحكمة الجنائية لا تحاكم دولا، إنما هي محكمة أفراد، أي أنه في أحسن الأحوال سنحصل على إدانات فردية لضباط أو قادة إسرائيليين وليس لإسرائيل - دولة الابرتهايد والاستعمار الاحلالي نفسها. ويوم إدانة أحد المجرمين، علينا أن نكون جاهزين لنهنئ أنفسنا بالانتصار، ولنضيف الإدانة إلى قائمة الإنجازات الرمزية التي ستعيد التأكيد على عدالة قضيتنا. حتى اليوم، لم يخرج علينا قائد ليقول إن المحكمة أعجز من أن تنفذ أمر إحضار لجندي إسرائيلي دون توافر إرادة سياسية للدول النافذة التي تستهدف حقوقنا الوطنية، لا بل وجودنا!

الخشية أن يتكرر الأمر ذاته مع محكمة العدل الدولية! الخشية أن يذكى أمل وهمي آخر لسنوات أخرى. الخشية ألا نجد قائدا يقول لشعبنا إن إسرائيل ليست عضوا في محكمة العدل الدولية، وأن ولاية المحكمة لمحاكمة الدول وقف على قبول الدول نفسها التقاضي أمام المحكمة. الخشية أن ننتهي بالسعي للحصول على قرار استشاري من المحكمة على غرار القرار المتعلق بالجدار، والذي لم تفلح القيادة ولا المجتمع الدولي المتضامن جدا معنا في البناء عليه لتطوير إجراء عملي واحد، فأصبح مجرد مصدر للخطابة أو إسناد عمل بحثي هنا أو هناك. الخشية أن يساق شعبنا إلى مقصلة انتظار المعجزة بانقلاب المعادلة بقرار من محكمة ما نعلم مسبقا أن إنفاذ قراراتها يعتمد على إذعان الطرف المدان طوعا، أو على مجلس الأمن الذي عليه أن يتصرف حينها بموجب الفصل السابع، الأمر الذي لن يكون في حالة إسرائيل والفيتو الأميركي.

سنوات طويلة والخطاب والقرار والمصير الفلسطيني معلّق على "إذا". سنلغي أوسلو (إذا) واصلت إسرائيل عدم الالتزام باتفاقيات أوسلو. سنسحب اعترافنا بإسرائيل (إذا) واصلت الاستيطان... سنسلم إدارة الأرض المحتلة للأمم المتحدة (إذا) لم يتم تمكيننا من إقامة الدول في العام القادم... وتمرّ أعوام وأعوام ويتكرر خطاب المراهنة والمناشدة والتهديد الاستجدائي؛ فيما تواصل إسرائيل عدم التزامها فعلا وتصريحا وليس تلميحا فقط. وما علينا إلا أن نقبل دبلوماسية السيدة (إذا) ونتسلح بالصبر، والإيمان، ومهارة عدّ الشهداء والاسرى وأوامر الهدم الدونمات المصادرة، وفضيلة الصمت لتفويت الفرصة على الأعداء كي لا ينالوا من شرعية بيتنا الفلسطيني.

أيها السادة، ليس الخلل في التوجه إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، إنما الخلل في الاعتقاد بأن النوايا الحسنة لدى بعض الدول، أو التضامن، أو بالاستناد إلى قدرتنا الخطابية ستقلب المعادلة، وستجلب لنا الدولة العتيدة والعودة الكريمة.

الخلل في الاعتقاد بأن الشرعية الدولية، والتي مناطها موازين القوى في لحظة محددة، هي نفسها الشرعية القانونية. إن الشرعية الدولية ليست القانون الدولي، ولا العدالة، ولا القيم الإنسانية أو الاخلاقية؛ الشرعية الدولية هي تجسيد القانون والعدالة برؤية الطرف الأثقل/ الأقوى في الميزان. والثقل في الميزان ليس عدديا (بعدد الدول المساندة او المتضامنة او المتعاطفة)، إنما انعكاس لثقل الفعل في الميدان.

الشرعية الدولية (موازين القوى الدولية) هي التي انتجت وعد بلفور (غير القانوني) في شكل انتداب بريطاني (احتلال مقنن باسم الشرعية الدولية) عام 1922. الشرعية الدولية هي التي قسّمت فلسطين في العام 1947 (والتقسيم بموجب القانون الدولي غير قانوني ولكنّه شُرعن بالشرعية الدولية)، فخلقت إسرائيل في العام 1948. والشرعية الدولية التي أعلنت الصهيونية حركة عنصرية في العام 1974 (في أوج مد حركات التحرر واستقلال الدول)، هي ذاتها التي ألغت قراراها في العام 1991 كثمن قبضته إسرائيل مقدما للموافقة على مجرد الجلوس في مؤتمر مدريد. والشرعية الدولية هي نفسها التي تصف اليوم مسيرات العودة السلمية (في أحسن الأحوال) بأنها شكل من أشكال التحريض على العنف الذي يقابله عنف قد يكون غير مبرر. في المقابل، ثقلنا في الميدان، جعل الشرعية الدولية في العام 1974 تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلا للشعب الفلسطيني، ومنحها صفة عضو مراقب، وبحقّ الشعب الفلسطيني في الكفاح بكل الوسائل المشروعة بما فيها الكفاح المسلح لنيل حقه في تقرير المصير والعودة إلى دياره التي هُجّر منها.

إلى السؤال: أيها القادة، ماذا أعددتم في الميدان كي نثق اليوم أن الشرعية الدولية ستكون تطبيقا للقانون والعدالة؟ كلّ القنابل الخطابية، وليس المعلّقة على السيدة (إذا) وحسب، لا يمكنها أن تحمي سقيفة زراعية من الزينكو أقيمت بلا رخصة في قرية فلسطينية صُنّفت بموجب أوسلو الذي وقعتموه في منطقة "ج/C". كلّ القنابل من على منبر الجمعية العامة أو الكنيست لا تعدو كونها قنابل صوتية. فقط بالاستناد إلى قوة العامل الذاتي استطاعت حركات التحرر والثورات أن تغير المعادلات الدولية وتنتصر، وما عدا ذلك، ليس أكثر من تحصين لامتيازات فئة "في آي بي".

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية