هبة شعب وانتفاضة وطن!

هبة شعب وانتفاضة وطن!

سليمان أبو ارشيد

لم يقتصر مفعول أحداث هبة الأقصى التي اجتاحت الداخل الفلسطيني في أكتوبر 2000 على إعطاء شحنة سياسية ومعنوية هائلة لإطلاق الانتفاضة الثانية، بل هي زلزلت الأرض فعليا من تحت أقدام إسرائيل وهزت كيان قادتها السياسيين والعسكريين، وأعادت بعضهم إلى "كابوس الـ48" وإلى ما وصفوه بـ"الحرب على الوجود".

من هنا جاء رد الفعل الإسرائيلي "الهستيري" وهم يرون مشاهد الانتفاضة بشحمها ولحمها، بمظاهرها الشعبية و"العنيفة" تضرب البلاد بطولها وعرضها وتملأ الميادين والساحات وتسد الشوارع وتحكم إغلاق شرايين المرور الرئيسية في وادي عارة وغيرها وتزحف باتجاه بقية الفلسطينيين الباقية من النكبة، في اللد وحيفا وعكا ويافا وتحاصر حصارها الذي دام نحو نصف قرن.

نقول ذلك ليس من باب التضخيم والتهويل ولا الوقوع في فخ الرواية الصهيونية، التي أردت إيجاد المبررات لقمعها، بل لتصحيح روايتنا التي اختزلت حجم وتأثير الهبة لسحب تلك التبريرات من أيدي المؤسسة في صراعها من أجل محاكمة المسؤولين عن قتل الشهداء.

لقد اختزل الخطاب الحقوقي ذاك، بقصد أو بدون قصد تلك، الهبة العملاقة التي حركت الفلسطينيين أينما تواجدوا في كل زاوية من زوايا الوطن وكل بقعة من بقاعه، اختزل بعدها الوطني وغيب كونها انتفاضة شعب أو هي جزء من انتفاضة شعب يقع تحت واقع كولونيالي ويعاني حالة تجزئة سياسية سببها هذا الواقع.

لقد كشفت هبة الأقصى عن المخزون النضالي الهائل الذي يملكه فلسطينيو الداخل، بحكم الوزن والموقع، وعن طاقاتهم المستقبلية الكامنة، وبغض النظر عما إذا كانوا قد خافوا من قوتهم تلك كما حدث في يوم الأرض 76 أم لم يخافوا (والمقصود بالقيادة)، فإن خوف المؤسسة كان أكبر، وبالنتيجة فإن الطرفين ليسا معنيين بمواجهة غير محسوبة النتائج وبخروج تلك الهبة عن السيطرة وتحولها إلى انتفاضة دائمة أو حالة عصيان مدني.

وإن كنا نحمل المؤسسة المسؤولية كاملة عن نتائج الهبة، بما فيها قتل أبنائنا الشهداء، فإنه من المفيد أيضا إبراز دور شبابنا وفي مقدمتهم الشهداء في ساحات البطولة والشرف التي شهدتها مواجهات هبة الأقصى، وفاء لهم ولذكراهم العطرة ولعهد الكفاح الذي ينتقل من جيل إلى جيل، فهم لم يكونوا متفرجين أو أصابهم رصاص طائش، بل استشهدوا في ساحات المواجهة وميادين العز والكرامة دفاعا عن الأرض والإنسان والمقدسات وعن ما تبقى من تراب يقفون عليه في فلسطين، وبهذا المعنى فهم شهداء وطن وليسوا شهداء مواطنة.

لقد واجهوا بصدورهم العارية رصاص الموت الغادر، في منازلة غير متكافئة بين دولة بكامل أجهزة وعناصر قمعها وقناصيها وبين مواطنين عزل، إلا مما ملكت أيديهم من حجارة، منازلة مع دولة أقامت كيانها على أنقاض وطنهم، وما زالت تواصل احتلال البقية الباقية من بلادهم وانتهاك حرمات مقدساتهم وعلى رأسها الأقصى الشريف، وقتل المتظاهرين العزل حتى لو حملوا مواطنتها لأنهم فلسطينيون.

في الذكرى الـ18 لانتفاضة الأقصى يتوحد الفلسطينيون مجددا في إضراب يشمل الوطن الممتد من البحر إلى النهر، بعد أن مزقت إسرائيل خريطة الدولة التي رسموها على الورق وأسقطت حل الدولتين، ووضعت من خلال "قانون القومية" العنصري الأساس القانوني لنظام الأبرتهايد الذي تسعى إلى إقامته على كامل فلسطين التاريخية.

ومن هذا الباب فإن الإضراب الشامل الذي جرى تنسيق الإعلان عنه بين لجنة المتابعة والفصائل الفلسطينية، في ذكرى الانتفاضة واحتجاجا على "قانون القومية اليهودية"، يفترض أن يكون نقطة بداية على نحو استحداث آليات وأساليب نضالية مشتركة تتلاءم مع الواقع المستجد وعلى طريق بناء استراتيجية نضالية فلسطينية موحدة لمواجهة سياسة الضم الزاحف وإحباط مخطط نظام الفصل العنصري- أبرتهايد.

كما أن التنسيق الفلسطيني- الفلسطيني يجب أن يخرج عن مظلة "الأخ الأكبر" وعن العلاقة المحكومة بمصالح فئات وقيادات ومفاوضات وانتخابات، إلى الاعتماد على التكافؤ والمصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني المتمثلة بتحقيق أهدافه القريبة والبعيدة التي تبدأ بصيانة حقوق تجمعاته المختلفة المدنية والقومية ولا تنتهي بإنجاز حقه في العودة وتقرير المصير وإقامة دولته المستقلة.

علاقة التكافؤ المحكومة بسقف المصلحة العليا للشعب الفلسطيني، تعني الخروج من حالة الاذدناب للسلطة الفلسطينية في رام الله، التي ترى أن دورنا يقتصر على ترجيح كفة ما يسمى بمعسكر السلام الإسرائيلي في الانتخابات كوسيلة لدفع عجلة المفاوضات التي تضعنا خارج معادلة الصراع والحل وتعتبر قضيتنا شأنا إسرائيليا داخليا، نحو علاقة تعتمد رؤية وطنية موحدة ترى بالتجمعات الفلسطينية بمواقعها المختلفة أجزاء لشعب واحد قسمته الغزوة الصهيونية وتجمعه القضية التي يفترض أنها تقوم على ثلاثة أركان هي، اللاجئين والـ48 والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 67، وهي تجمعات يجب أن يأخذ كل منها بعين الاعتبار في أي حل مرحلي أو نهائي.