غزة ونتنياهو "الحنون"

غزة ونتنياهو "الحنون"

بلال ضاهر

الفكرة الأساسية التي رسخت في أذهان الإسرائيليين، الأسبوع الماضي، هي أن حربا جديدة ضد قطاع غزة لن تعود بأية فائدة على إسرائيل. فقد أجمع كافة المحللين العسكريين الإسرائيليين على هذه الفكرة، ويبدو أنهم استقوها من إيجاز صحفي تلقوه من الجيش الإسرائيلي. لكن هذا لم يمنع بعض السياسيين الإسرائيليين من توجيه تهديدات إلى الفلسطينيين وقيادة حماس في غزة.

ولحسن الحظ أن سياسيا مثل رئيس حزب "البيت اليهودي" ووزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، الذي يدعو إلى شن حرب على غزة، لا يقرر في قضايا الحرب والسلم، رغم أنه يتطلع إلى تولي حقيبة الأمن في الحكومة المقبلة. وكان زميله في الحكومة، وزير الأمن أفيغدور ليبرمان، قد درج في الماضي على الدعوة إلى اجتياح غزة وإسقاط حكم حماس وقتل إسماعيل هنية، لكنه توقف عن هذه الدعوات، منذ سنتين ونيّف، بعد توليه حقيبة الأمن.

بل أن ليبرمان، بحسب وسائل الإعلام الإسرائيلية، أيد الاتصالات بين إسرائيل وحماس بوساطة مصر والأمم المتحدة حول التهدئة، خلال اجتماع الكابينيت السياسي – الأمني الذي بحث في هذه المسألة. لكن تصريحاته بعد ذلك بأنه ليس ضالعا في موضوع التهدئة تنطوي على كذب ومحاولة التهرب من المسؤولية، كوزير أمن وعضو كابينيت أيد هذه المحادثات. وهو بذلك يتحدث مثل بينيت، الآن، والذي يدعو لحرب رغم علمه بأن الحكومة الإسرائيلية لا تريد حربا كهذه ولم تتخذ قرارا بشأنها.

أما رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، فهو يستمتع بدون شك بالعراك بين هذين الديكين، بينيت وليبرمان، حول السياسة ضد غزة (بينيت: "ليبرمان يقود سياسة يسارية"؛ ليبرمان: "بينيت مسيحاني ويضر بأمن إسرائيل")، ويأمل بأن ينتفا ريش بعضهما، وتخور قوتهما السياسية، عشية الانتخابات العامة القريبة كما يبدو، ويحقق هو مكسبا من ذلك. إذ أن القاعدة في إسرائيل هي أن الناخبين لا ينتقلون من معسكر اليمين إلى معسكر أحزاب الوسط، وإنما ينقلون تصويتهم بين الأحزاب داخل المعسكر نفسه. أي أنه إذا خاب أمل الناخب من ليبرمان وبينيت، فإنه سينتخب على الأرجح حزب الليكود بزعامة نتنياهو.

وفيما يتعلق بغزة، فقد بدا نتنياهو "حنونا" عليها، الأسبوع الماضي، عندما طالب رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس (أبو مازن)، خلال مؤتمر صحفي مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، بأن يتوقف عن "خنق" غزة. ويعتبر نتنياهو أن المحادثات حول التهدئة، ومنع أبو مازن من "خنق" غزة، جزء من علاقته مع الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي. فلمصر مصلحة في تهدئة غزة، لأن من شأنها أن تؤثر على تهدئة سيناء.

و"بحنيّته" هذه، قلب نتنياهو بعض الحقائق، لأن أبو مازن يعاقب الآن سكان القطاع المليونين، بينما إسرائيل تخنق غزة منذ 12 عاما، وأوصلت الوضع فيها إلى حد الكارثة الإنسانية. ونتنياهو يعلم هذه الحقيقة من دون شك، لكنه يحاول التهرب من مسؤوليته المباشرة عن هذه الكارثة، كما أنه يدرك أن حربا أخرى لن تحقق له شيئا.

نتنياهو يعلم كل هذا لأنه يشاهد كل أسبوع أكثر المشاهد إنسانية، والتي تتمثل بمظاهرات الغزيين عند السياج المحيط بالقطاع، المتواصلة دون انقطاع منذ أكثر من ستة أشهر، وتطورها، على الرغم من قمع إسرائيل لها بوحشية بالغة وسقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى. بل أن هؤلاء الغزيين، ورغم حصارهم من كافة الاتجاهات، إسرائيل ومصر والسلطة الفلسطينية، تمكنوا من اختراق الحصار، ولو ببالونات لا تؤذي البشر، ولكنها جعلت حياة الإسرائيليين في "غلاف غزة" أشبه بالحياة في أتون.

المثير في تطور الصراع هو أنه بدأ كصراع عربي – إسرائيلي، ثم تحول إلى صراع إسرائيلي – فلسطيني، وبالإمكان الآن التحدث عن الصراع الإسرائيلي - الغزي. ويعني ذلك أن النوع الأخير هو الصراع الحاصل الآن. فالآخرون يريدون الصلح والتصالح مع إسرائيل وحسب. أي أنه ثمة عقيدتان هنا. الأولى تقول: ليس مهما أن إسرائيل تحتل أرضنا وتسلبها وتبني المستوطنات وتهدم بيوتنا وقرانا، فنحن نريد سلاما معها لنواصل العيش في فقاعتنا؛ أما الثانية، فتقول: لن تنعم إسرائيل بالراحة طالما هي تحاصرني وتمنع عني الماء والغذاء والدواء والكهرباء، والمقاومة ليست هوايتي وإنما هي حاجتي لأستمر في العيش.

أمام هذه المقولة الثانية تقف إسرائيل الآن. ورغم أنه يصعب تقدير ما إذا كانت ستشن حربا أم لا ضد غزة، إلا أنه لم تعد أمامها خيارات كثيرة: إما الحرب أو التهدئة ورفع الحصار. والحروب ضد غزة في السنوات العشر الأخيرة أدت دائما إلى سقوط إسرائيل من عيون العالم دون أن تحقق شيئا، على عكس السلم..