تآكل التعويل الإسرائيلي على بن سلمان

تآكل التعويل الإسرائيلي على بن سلمان

أنطوان شلحت

بدأت تعليقات إسرائيلية تعرب عن خيبة أملها من أداء ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، على خلفية قضية اختفاء الصحافي جمال خاشقجي، إنما ليس من منطلق استفظاع سياسة القمع الدموية التي ينتهجها حيال معارضيه، بل من جرّاء تسبّب هذه السياسة بتآكل إمكان التعويل عليه لرسم خريطة جديدة للشرق الأوسط، أو للدفع بـ"خطة ترامب" إزاء القضية الفلسطينية، بما يخدم مصالح سياسة دولة الاحتلال. 

والأمر المهم أنه في حواشي تلك التعليقات جرى تحرير مزيد من الأمنيات الإسرائيلية الخفيّة التي عُلقت على بن سلمان، كما يمكن الاستدلال مثلًا من التعليق الذي ظهر في صحيفة يديعوت أحرونوت يوم 16 أكتوبر/ تشرين الأول الحالي. 

تشير كاتبة التعليق، وهي من الإعلاميات الإسرائيليات الرسميات المتخصصات في شؤون العالم العربي، إلى أن الاستراتيجية الإقليمية التي تتبنّاها إدارة دونالد ترامب، وحكومة إسرائيل، حيال المنطقة العربية واقفة على قدمين: التحالف الوثيق مع مصر السيسي، والمحور المناهض لإيران في الخليج العربيّ بقيادة السعودية. وبرأيها كان يُفترض بالمحور الإسرائيلي- السعودي أن يغيّر الواقع القائم في هذه المنطقة رأسًا على عقب، سواء فيما يتعلق بالجبهة المعادية لنظام الملالي، أو بالتطبيع الشامل والمُعلن مع دولة الاحتلال.

وفي الوقت عينه، تشدّد على أن إسرائيليين ويهودًا كُثرًا التقوا بن سلمان، وأثار لديهم انطباعًا قويًّا بأنه "الزعيم العربيّ" القادر على أن يجلب مثل هذا التغيير أخيرًا. وتلفت إلى أنه بخلاف زعماء عرب كثيرين يتفقون مع الإسرائيليين في كل شيء داخل الغرف المغلقة، ويهاجمونهم في العلن، فإن لهجة بن سلمان حيال إسرائيل في وسائل الإعلام السعودية ومواقع التواصل الاجتماعي كانت إيجابية على نحو شديد الوضوح. 

عند هذا الحدّ، علينا الإشارة إلى أن مراكز أبحاث إسرائيلية سبق أن حذّرت من التعلّق بأهداب الافتراض بأن الدول العربية المعتدلة، بموجب القاموس الإسرائيليّ الرسميّ، ستُجبر الفلسطينيين على قبول "خطة ترامب". بل إن أحدها، وهو مركز هرتسليا، وصف هذا الافتراض بأنه "وهم خطر". 

ولا يعود سبب ذلك إلى وجود قناعة إسرائيلية بأن تلك الدول العربية حريصة على قضية فلسطين، وإنما إلى درجة الاستعداد الدُنيا الموجودة لدى الزعماء العرب، للخروج ضد المواقف السائدة في أوساط الرأي العام في العالم العربي حيال تلك القضية، سيما في أعقاب ثورات الربيع العربي، كما تنوّه بذلك النصوص الإسرائيلية نفسها.

يعيد هذا الكلام الإسرائيلي الراهن عن بن سلمان إلى الأذهان كلام مؤسس الحركة الصهيونية، ثيودور هيرتزل، عن العربي في روايته الخيالية "ألطنويلاند" (أرض قديمة - جديدة)، وهو رشيد بك، المثقف الذي تلقى تعليمه في ألمانيا، ووافق بسرور على مجيء الصهاينة إلى فلسطين لكونهم سيجلبون لها البركة والحضارة، وينقذونها من التخلّف. ووصف هيرتزل رشيد بك بأنه: "من الذين أدركوا فورًا الفائدة المتوقعة من الهجرة اليهودية، وشارك في ازدهارنا الاقتصادي وأصبح ثرّيًا، وصار عضوًا في مجتمعنا الجديد". كما وضع على لسانه عبارات خنوع من قبيل: "مداخيلنا زادت بدرجة كبيرة، كما أن صادراتنا من البرتقال تضاعفت عشرات المرات. أجل كل شيء اكتسب قيمة أكبر بفضل هجرتكم"؛ "تسبب اليهود بثرائنا، فلماذا نبغضهم أو نغضب عليهم إذًا؟ إنهم يعيشون معنا كإخوة، فما الداعي لأن نمقتهم والحال هذه!".

صحيح أن هيرتزل لم يتطرّق في روايته هذه إلى المسألة العربية، واختار بصورة عامدة أن يتجاهلها تمامًا، بجانب تجاهل سكانها الأصليين العرب، لكنه مع ذلك أظهر الجانب اليهوديّ في صورة السيّد والوصيّ والمتحضّر، الذي سيحمل معه الحضارة والثقافة، وأظهر الجانب العربيّ في صورة الخانع والذليل الذي يسوّق المنافع التي سيحصل عليها العرب نتيجة الهجرة اليهودية. 

ليس مبالغة القول إن النظرة الصهيونية العامة إلى العرب لا تزال أسيرة هذه الرؤية، ويبقى السؤال فيما إذا كان بعض العرب استبطنوها إزاء أنفسهم؟

(العربي الجديد)