لجنة المتابعة: بين الدعوة لحظرها والمهمة الملحة

لجنة المتابعة: بين الدعوة لحظرها والمهمة الملحة

عوض عبد الفتاح 

مرت مطالبة أصوات إسرائيلية، أوائل الشهر الجاري، بحظر لجنة المتابعة العليا للجماهير الفلسطينية داخل الخط الأخضر، من دون أدنى اهتمام شعبي أو نخبوي، أو حتى إعلامي. تُرى، كيف نُفسر هذا الغياب للاكتراث العام، إزاء تهديد يصدر ضد أعلى هيئة تمثيلية فلسطينية داخل الخط الأخضر؟ هل هو استخفاف بالجهة الإسرائيلية التي طرحت هذه المطالبة، كونها لا تمثل جهة رسمية، أم أن إجراءات قمع الحركات والجمعيات وملاحقة القيادات، أضحت أمرًا مألوفًا؟ أم نتاج شعور بنضوب الحيلة إزاء كيانٍ متجبرٍ ومتغطرس، حتى على دولٍ كبرى؟ أم أن هذه الهيئة الفلسطينية العليا ما عادت تعني الكثير بالنسبة للمواطن العربي الفلسطيني، نظراً لضعفها، وتآكل هيبتها وقلة تأثيرها بين الناس، وبالتالي يستطيع المواطن العربي تدبّر أموره من دون هيئة تمثله قومياً؟

 أيا كان السبب أو هذه الأسباب مجتمعة، فإننا نحتاج إلى التوقف عندها كلها وتفكيكها، والتفكير مجدداً في ما يجب عمله. ليس لدينا كمجتمع سياسي فلسطيني نقص بالتحليل والتشخيص للحالة الإسرائيلية، بل لقد أتخمتنا كثرة الانشغال بالتحاليل، ومن كثرة المؤسسات البحثية، العربية والفلسطينية، التي تنشغل بإسرائيل، بتنا نتمنى أن يكون لانشغال بالمجتمع العربي، والتعرف أكثر على ما يعتمل فيه، وبكيفية النهوض به، وبأحزابه ومؤسساته التمثيلية، بالقدر ذاته.

لقد وُلدت إسرائيل جديدة بعد الانتفاضة الثانية، وأطلقت إستراتيجيات ومخططات وسياسات، تكرس بوحشية أكثر سياساتها القديمة ضد الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وضد كل الشعب الفلسطيني، وباتت صورة إسرائيل وجوهرها معروفة للعارف المختص، وللإنسان العادي. وهذه الصورة، وهذا الواقع الإسرائيلي هو نتاج دينامية تطور المشروع الاستعماري، ونتاج المقاومة المستمرة من قبل أصحاب الوطن الأصليين.

وفِي المقابل، ولد فلسطيني جديد داخل الخط الأخضر من قلب الهبة الشعبية العارمة، التي اجتاحت مدن وقرى الجليل والمثلث والساحل والنقب، إثر اشتعال شرارة الانتفاضة الثانية عام 2000، وبات ابن الداخل أكثر إدراكا ووعيا بكونه جزءًا من شعبٍ يحكمه مستعمر، يتفنن بآليات السيطرة وإنتاج الخصوصيات لكل تجمع فلسطيني، فلسطينيو 48، فلسطينيو القدس، فلسطينيو الضفة الغربية وفلسطينيو اللجوء.

وبعيد هذا الحدث الوطني الكبير، ومنذ أن لاحت في الأفق محاولات المؤسسة الصهيونية وتأهبها، لإعادتنا إلى الوراء بأساليبها المعهودة، الناعمة الخبيثة، والقمعية المباشرة، انبرت القوى الوطنية داخل الخط الأخضر في التصدي للدفاع عن منجزات الهبة الشعبية. ومضت سنوات من العمل والبناء، لترسيخ هذه المنجزات وأهمها الاعتزاز بالانتماء الوطني والمثابرة على مجابهة الجوهر اليهودي الصهيوني للكيان الاسرائيلي. ووقف في صلب عملية التصدي، الإسراع في إعادة بناء لجنة المتابعة وتقويتها وتحصينها، وجعلها منتخبة تعكس إرادة الشعب مباشرة، وتفتح الطريق نحو إقامة الإدارة الذاتية الثقافية، الاقتصادية والسياسية.

غير أن تسارع النزعة الصهيونية العدوانية ضد القوى الوطنية، وملاحقتها والتضييق عليها، وحظر بعضها ومحاولات إخراج بعضها الآخر عن القانون، صعّبت عليها مهمتها وحدّت من تأثيرها الوطني الفعلي، مما وفّر أجواءً مريحة لاستعادة نفَس الأسرلة عبر قوى ظهرت ولفترةٍ قصيرة وكأنها متكيفة مع الصعود الوطني، ولكنها في الحقيقة لم تغادر نهجها او أيديولوجيتها، فعادت "تجاهد" لإثبات ذاتها بأنها "معتدلة". وللتغطية على هذا النهج "الاعتدالي"، تلجأ الى اللغة النارية والنبرة العالية في المنابر العربية، المحلية والخارجية.

إن لجنة المتابعة هي من إنجازات مسيرة تطور نضال الفلسطينيين، خصوصًا بعد مرحلة انتفاضة يوم الأرض الخالد. هي مسيرة تنظيم مؤسسات فلسطينيي الداخل، ومسيرة الفكاك من التبعية للأحزاب الصهيونية والمقولات الاندماجية المشوهة.

ليست الأصوات الداعية لإخراج لجنة المتابعة عن القانون، مدفوعة بالنزعة الفاشية الآخذة في التشكل في الكيان الإسرائيلي نظاما ومجتمعا فحسب، بل أيضاً نابعة من كون الخطوات القمعية والمخططات العنصرية ضدنا، تُطبَّق من دون مقاومة شعبية أو فعل سياسي مؤثر، لغة وتخطيطا. وغياب المقاومة الشعبية ينطوي على خطورة كبيرة لأنه يشكل إغراءً لنظام الأبرتهايد لمواصلة عدوانيته. شهدنا ذلك مع حظر الحركة الإسلامية (الشمالية)، ومواصلة التنكيل برئيسها الشيخ رائد صلاح، وبإغلاق عشرات الجمعيات والمؤسسات التابعة لها، شهدنا ذلك في حالة الشاعرة دارين طاطور، ومؤخرا مع القيادي في حركة "أبناء البلد"، رجا إغبارية، ومع تمرير "قانون القومية" الذي كان يطبخ على مرأى ومسمع قيادات القائمة المشتركة منذ سبع سنوات. أما بخصوص هدم البيوت وتدمير قرية أم الحيران، فحدث ولا حرج.

لا يوجد أي مؤشر أن نظام الأبرتهايد الرسمي يرى في لجنة المتابعة، بوضعها الحالي، خطرًا داهمًا، إذ أن هذه اللجنة تعجز عن قيادات حراكات شعبية حقيقية ضد القمع والهدم. ولكن هذا النظام وضمن محاولته إعادة رسم السياسة العربية في الداخل، واستمرار نزوعه نحو تفكيك مظاهر التنظُم والتمأسُس التمثيلي السياسي لدى فلسطينيي الداخل، فقد يستغل مرة أخرى لحظة الضعف والعجز، لارتكاب حماقة جديدة.

وإذا أردنا صيانة إنجازاتنا، السياسية والثقافية والتنظيمية، والنجاح في التصدي لمخططات التفتيت والنهب وإعاقة التطور، لا بدّ من إحداث ثورة تنظيمية في مؤسسة لجنة المتابعة، وهي محاولة تم إجهاضها على مدار عشرين عاما؛ ألم يحن الوقت لإطلاق المخيلة نحو هذا الهدف الوطني ذي الأولوية الملحة؟

#يهودية إسرائيلية: بورتريه ثورة ثقافية