التطورات في الشمال تعيد طرح الأسئلة المهمة

التطورات في الشمال تعيد طرح الأسئلة المهمة

عوض عبد الفتاح

من الصعب التنبؤ بما ستسفر عنه التطورات على الحدود اللبنانية الفلسطينية، بعد أسابيع أو أشهر، بعد أن شرعت إسرائيل، وبحذر شديد وتوجس كبير من احتمال رد فعل من حزب الله، في هدم الأنفاق التي حفرها الحزب.

لا تزال التحليلات والتوقعات المنصبة على هذا الحدث متواصلة، وهناك شبه إجماع على أن أيا من الطرفين ليس معنيا بحرب شاملة في هذه اللحظة، مع أن لا أحد يعرف كيف سيكون الرد من الجانب اللبناني إذا قررت إسرائيل الانتقال إلى هدم الأنفاق من داخل الأرض اللبنانية.

ليست إسرائيل راغبة في رؤية الصواريخ تنزل إلى قلبها أكثر مما نزل عليها أثناء العدوان الوحشي الذي شنته على المقاومة اللبنانية قبل 12 عاماً؛ ولا لبنان قادر على تحمل عدوانٍ إسرائيلي أشد وحشية وأكثر فظاعة، الذي قد يطال كل البنية التحتية كما يصرح حكام إسرائيل.  وأسوأ كابوس بالنسبة للبنانيي وللعرب والفلسطينيين في هذه الظروف، هو أن يحل الدمار في بلد عربي عزيز آخر هو لبنان، بعدما حل في القطر السوري المجاور، حتى لو تم زعزعة الجبهة الداخلية الإسرائيلية بصواريخ حزب الله في مواجهة قادمة. ولبنان كما هو معروف يعيش أسوأ أزماته الداخلية، على كل المستويات. وهذا آخر ما يحتاجه هذا البلد العربي.

تأتي هذه التطورات بعد أسابيع قليلة على جولة عدوان إسرائيل محدودة فاشلة ضد قطاع غزة والمقاومة الفلسطينية، وفي ظل أزمة حكومية شديدة داخل نظام الأبرتهايد الاستعماري، يخضع رئيسه بنيامين نتانياهو لشبهات بالفساد وخيانة الأمانة، وفي مواجهة مع أقطاب تحالفه الحاكم على خلفية الفشل في إخضاع الشعب الفلسطيني، وحركة مقاومته.

من المفترض أن يستحضر تصدر الصراع مع إسرائيل، وخصوصًا حذرها الشديد في تعاملها مع حركات المقاومة الفلسطينية واللبنانية واستخفافها بالنظام السوري، المشهد السياسي في الأيام الأخيرة شروط ومقولات ومفاهيم أساسية تتعلق في كيفية مواجهة الأعداء الخارجيين والانتصار عليهم، وليس فقط الصمود بوجههم، الذي يتم عادة بأثمان تفوق الخيال، من حيث الخسائر البشرية والمادية وحجم الدمار الذي يسببه العدوان. وليس قول الأمين العام لـ"حزب الله"، حسن نصر الله، بعد انتهاء حرب العام 2006، بأنه لو كان يعرف النتيجة لما أقدم على عملية أسر الجنود الإسرائيليين التي كان ذريعة العدوان الصهيوني، سوى تأكيداً على ذلك، مع أن أداء المقاومة اللبنانية في مواجهة العدوان كان مُبهرًا وشحن الأمة العربية من محيطها إلى خليجها ( باستثناء قبيلة آل سعود وبعض أتباعها) بنفس ثوري لم تعرفه الأمة سوى في الفترة الأولى من حكم جمال عبد لناصر، في الخمسينات وأوائل الستينات ، وبعد العبور الأسطوري للجيش المصري لقناة السويس في العام 1973. كل ذلك يؤكد على أهمية إجراء الحسابات الدقيقة لكل خطوة يقدم عليه المتمسكون بدفة القيادة.

لكن عند تقييم حسابات القوة والضعف، لا بد من الانتباه، إلى أنه رغم انهيار النظام العربي الرسمي وهزيمته الماحقة، وانحطاطه الأخلاقي والوطني، وانتصار الثورات المضادة، فإن نظام الأبرتهايد الاستعماري، لا يزال يعمل حساباً لقوى المقاومة، رغم كل ما عليها من ملاحظات وعيوب، صغيرة وكبيرة. وتصبح الصورة أكثر وضوحاً إذا ما أجرينا مقارنة لذلك مع الخفة والاستخفاف التي تتعامل فيه إسرائيل تجاه النظام السوري "الممانع"، الذي لم يجرؤ مرةً واحدة في الردّ على الاعتداءات المستمرة، منذ عام 2007، وتكثفت خلال الحرب الأهلية الأخيرة.

مع ذلك، لا يجوز أخلاقيا ولا إستراتيجيًا مواصلة التجاهل والتعمية على ما فرضته الغضبة العربية الشاملة من مطالب وحقوق، وما كشفته من ظلم فاحش وتوحش بهيمي من قبل الأنظمة بحق الناس، ولم يكن ولن يكون مقبولا أن تتورط حركة مقاومة ضد ثورة شعب عربي عرف بوطنيته وعدائه الأصيل ضد التوسع الاستعماري الصهيوني. 

من المفترض أنه بعد كل ما جرى أن تصبح أهداف المواجهة مع إسرائيل هو تحقيق استقلال الشعب وحرية الفرد وسعادته وأمنه، وليس المواجهة من أجل المواجهة. لم يعد منطقيا أن تكون الأنظمة أو حركات المقاومة ضعيفة الإحساس بكرامة الإنسان وحريته ورغبته في العيش في دولة حرة ومتحررة، ليس فقط من الاستعمار بل أساسًا من الاستبداد. 

ألم نسأل أنفسنا، لماذا تواصل التأخر الحضاري والقمع والفقر وسحق المعارضة في الأقطار العربية التي رحل عنها الاستعمار، منذ أكثر من سبعين عامًا؟ ولماذا عجز العرب عن وقف زحف المشروع الاستيطاني التوسعي الصهيوني في فلسطين والجولان السوري؟ ولماذا يتصاعد التوسع التطبيعي بصورة سافرة وعارية تماماً، مع أنظمة خليجية وغيرها؟

إن انتصار وعودة الاستبداد بنسخة أكثر وحشية وهمجية في الأقطار العربية التي ثارت شعوبها، ليست نهاية المطاف، ولا يجوز أن يحتفي أي عاقل أو صاحب ضمير أو أي قومي عربي حقيقي بهذه العودة، أو بإعادة التأهيل للطغاة.  كما احتضان القوى الدولية للطغاة العرب والمستعمرين الصهاينة لن يمنع تجدد الثورات، بعد أن تكون قد التقطت أنفاسها وتخلصت من قيادة انتهازية، وأعادت بناء هياكلها القيادية على أسس جديدة. 

إن كل الأسباب التي فجرت الغضب العربي ما زالت قائمة، وهي اختصارًا: الفقر، القمع، الاستبداد والفساد من جهة؛ ومن جهة ثانية، الفشل في هزيمة المشروع الصهيوني وتمددّه. لم يعد يقبل المواطن العربي أن تكون معارضته لنظامه احتجاجًا على هذه الإخفاقات وبالاً عليه، أو ان تُصنف في خانة الخيانة؛ هو أصلاً لم يعد يكترث لهذه الخزعبلات والتضليل والتشويه. هو يخطو خطوة إلى الوراء، وربما أكثر، ليس استقالة من الدور، بل لإعادة ترتيب أوراقه واستئناف دوره، متسلحاً برؤية التغيير على المدى التاريخي.

وإذا ما تركزنا في سورية، لأهميتها الإستراتيجية في معادلة الصراع مع إسرائيل، ولحجم الكارثة الداخلية، فإنه لا مخرج من هذه الكارثة إلا عبر وقف الحرب نهائيا وتحقيق مصالحة شاملة، من خلال عملية الانتقال السياسي الديمقراطي على أنقاض الاستبداد والفساد، وإعادة توحيد البلاد والشعب.

لقد باتت معادلة التغيير والانتصار الحقيقي، هو تلازم عملية البناء الداخلي، بناء الحكم والمجتمع والفرد على أسس الديمقراطية والحريّة والعدالة في خدمة الإنسان العربي؛ بموازاة التحضير وتوفير مقومات المواجهة مع الأعداء الخارجيين. الانتصار للإنسان بكونه إنسانا هو مفتاح الانتصار. الانتصار من أجل الحياة.

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019