التحدي أمام الفلسطينيين بعد تحصّن القبيلة الإسرائيلية

التحدي أمام الفلسطينيين بعد تحصّن القبيلة الإسرائيلية

عوض عبد الفتاح

لم يكن للانتخابات الإسرائيلية أن تنتج غير ما أنتجته. إنّ كيانًا استعماريا يمضي بوضوح وبثبات منذ أكثر من عشرين عامًا نحو أبارتهايد واضحٍ، سافرٍ وبلا رتوش، ويبتلع كل فلسطين، لا بد أن يفرز قيادة على صورته. لقد باتت الدولة والمجتمع متماهيين تماما، وأكثر من أي وقت مضى. والتنافسان الانتخابيان الأخير والذي قبله، دارا داخل القبيلة التي أصبحت أكثر عدوانية ضد شعب فلسطين، وضد قيم المساواة وحقوق الإنسان، وقد نبذت هذه القبيلة من صفوفها "اليساريّين" الخونة، الذين يصرون على العودة إلى إسرائيل القديمة المتخيلة، التي كانت تتسامح مع أفرادها المختلفين. 

 أما المواطنون العرب، الناجون من الطرد عام 1948، الذين فرضت عليهم المواطنة الإسرائيلية، فتحولوا إلى هدف رئيسي لحملات رئيس القبيلة، لأنهم، في نظره، يعيقون طريقه لمواصلة الجلوس على عرش القبيلة والانتصار على أبناء جلدته الذين لا يختلفون عنه سوى أنّهم يحاولون أن يكونوا أكثر دهاءً في السيطرة. طبعًا، العداء ضد هذا الجزء من شعبنا متأصّل في النظرة الصهيونية الاقتلاعيه الإحلالية. وهذا يعني أنه حتى لو فاز عليه خصومه ببعض المقاعد، فإنهم سيذهبون إلى حكومة وحدة وطنية وليس إلى كتلة مانعة كما يظن الواهمون العرب. والكتلة المانعة ليست إلا تذكرة للسقوط في هامش القبيلة والتبعية والتحلل الأخلاقي، بالنسبة للفلسطيني. 

فكيف يقبل الفلسطيني إن يكون في كتلة مانعة، ومساندًا لجناح صهيوني قاتل، خاصة بعد أن أسدل قانون القومية الستار، دستوريًا، على الوجود الفلسطيني، كأصحاب الوطن. أما في القدس والضفّة الغربية، فالمشروع الكولونيالي التهويدي أتم عملية الخنق الكامل، وبات الفلسطينيون يعيشون في أقفاص ضخمة.

المصيبة أن كل ذلك تشاهده القيادة الفلسطينية ولكنها لا تدركه، والدليل أنّها لا تعمل شيئا غير الإعلان عن رفضه ليل نهار، ويتحول قادة سلطة رام الله إلى محللين سياسيين بائسين، بدل صنع السياسة. وهم لا يصنعون السياسة لأنهم عجزة ومتخلفون، وفِي الوقت ذاته، لا يسمحون بنشوء قيادة شابة، متجددة، وقادرة؛ وحتّى داخل الخط الأخضر أقحموا أنوفهم، فساهموا في عملية التخريب، لأنهم أرادوا قيادة تكون على صورتهم؛ فمن جهة يواصلون التطبيع مع قوى إسرائيلية ليس لها علاقة بالسلام، ومن ناحية ثانية يوثقون علاقاتهم مع من يشبهونهم في النهج والتفكير، داخل الخط الأخضر ويلتفّون على من يناهضون سياسات التطبيع والتنسيق الأمني. وحين تأتي الانتخابات الإسرائيلية كلّ مرة أكثر يمينية وأشدّ عدوانيّة وأكثر استيطانية، يفاجأ هؤلاء وتجدهم يلطمون على وجوههم، وكل ما يفعلونه هو ترديد المتلازمة البلهاء "إسرائيل أثبتت أنها لا تريد السلام"، ويتبيّن أنهم لم يقلعوا عن الإدمان في نهج الانتظار العاقر والعقيم. 

إن سياسة الانتظار والتعلق بالأوهام، منبعها القراءة الخاطئة للواقع الإسرائيلي، من جهة، ومن غياب الإرادة، أيّ إرادة المواجهة، المواجهة السياسية والشعبية، من جهةٍ أخرى. والحقيقة أن تمسك سلطة رام الله بوضع شروط تعجيزية على حركة حماس لتقبل بالوحدة معها، (التي هي، أيضًا تتحمل قسطا من المسؤولية)، ينبع من غياب الإرادة في المواجهة، ومن رفض العودة إلى حركة التحرر الوطني، التي تجمع الكل الفلسطيني حول هدف واحد وإستراتيجيّة واحدة. لا أحد يطلب منها مواجهة عسكرية مع المستعمر الإسرائيلي بل المطلوب منها أمرٌ واحدٌ فقط، بسيط وطبيعي، هو أن يتصرف رئيسها، محمود عباس، كفلسطيني، ويوقف إجراءاته العقابية ضد أبناء شعبه في قطاع غزة، وأن يخضع لرغبة فقراء هذا الشعب بالتجاوب مع مطلب الوحدة الوطنية. هل يعقل أن يتحول الصراع الفلسطيني – الفلسطيني إلى أشد شراسة من الصراع مع إسرائيل؟

إنّ الظروف الحالية، التي يعيشها الشعب الفلسطيني في كل مكان، غير مسبوقة في خطورتها. إن نظام الأبرتهايد الصهيوني، الذي ينتعش الآن أكثر، بقيادة بنيامين نتانياهو، ليس معزولا. فعلى الصعيد الدولي، يحظى بدعم مطلق، من الإمبريالية الأميركية، ومعها أنظمة يمينية دولية وعربية رجعية، وبصداقة وتنسيق أمني غير مسبوق من روسيا بوتين. 

ليس للحركة الوطنية الفلسطينية اليوم، دول حليفة. فالتغيرات الدولية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وإقدام قيادة منظمة التحرير على التوقيع على اتفاقية أوسلو، أفقدتها معظم الأصدقاء التاريخيين، بل تحول بعض هؤلاء، مثل الهند وروسيا وغيرهما إلى أصدقاء ومساندين لكيان نظام الأبرتهايد، وبات نتانياهو قائدا عالميا يستقبله قادة تلك الدول كقائدٍ عالمي، رغم سجله الإجرامي. هكذا بتنا نعيش في عالم يحكمه نظام غير أخلاقي، يضع الاقتصاد والتجارة فوق كل اعتبار. لم تعد قيم حقوق الإنسان والعدل وكرامة البشر، ذات أهمية بالنسبة لهؤلاء القادة "الأقوياء".

ولماذا على هؤلاء أن يهتموا بقضية فلسطين، و"أصحابها"في الوقت الذي نحن نقتتل على سلطة تحت الاستعمار، سلطة في غزة ورّطت نفسها في سلطة تدافع عنها المقاومة، بدل أن تكون وظيفة هذه المقاومة ممارسة التحرير، وسلطة في رام الله فاقدة للشرعية الانتخابية والثورية، وتعتاش من حراسة الاستعمار والمستوطنات. 

ووسط هذا التردي على مستوى الكيان الإسرائيلي والعالمي والفلسطيني، نجد بقع ضوء وهّاجة على مستوى المجتمعات المدنية في دول العالم، تلهمنا وتنفخ فينا الأمل، وتستنهضنا للعمل والتصدي للمهمة الكبرى، الإنسانية والأخلاقية، المتمثّلة في تحقيق الحرية والعدالة. كما أنّ صمود شعبنا وتشبثه بأرضه وخوضه انتفاضات دورية، محدودة، ومتباعدة، تجعل المستعمر يعيش في قلق دائم على وجوده، وترسل له رسائل، بأنه لن ينعم بالاستقرار والأمن.

لكن كل ذلك يحتاج إلى قيادة، قيادة وطنية مسؤولة وأخلاقية، لا تحمل الضغائن ضد بعضها، قيادة توحد الشعب، وتمنحه الأمل، أثناء خوضه معركته من أجل الحرية والتحرير.

هل يعقل أن تظل الفرقة رغم كل ما يواجهنا، وكل ما يخطط لنا؟ هل نتمنى أن يصل الربيع السوداني والجزائري إلينا؟