عن التراكمية في التنظير للتمثيل البديل أو الموازي

 عن التراكمية في التنظير للتمثيل البديل أو الموازي

عوض عبد الفتاح

علّمنا التاريخ أن الأفكار الجديدة لا تجد صدىً عمليًا فوريًا، خاصّة إنْ كانت تتحدث عن تغيير نوعي في بنية المجتمع وفي اتجاهاته؛ وبعضها يستغرق سنوات طويلة، وربّما عقودًا، حتى تتفاعل على نطاق النخب أولًا، ومن ثم على نطاق الأوساط الشعبية. وفي نهاية المطاف، وإن ثبتت واقعيتها، ومطابقتها لمتطلبات انتقال المجتمع من حالة إلى أخرى، تجد من يحملها إلى الميدان، وتبدأ عملية التطبيق الشاقة. 

أتحدّث هنا عن النقاش الذي تصاعد عشية انتخابات الكنيست الأخيرة، حول ضرورة توليد تمثيل بديل أو موازٍ للتمثيل في الكنيست (برلمان نظام الأبرتهايد)، الذي يحمل عنوان إعادة بناء لجنة المتابعة العليا، والذي ازداد إثر نتائجها المخيبة في المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، وفي الدولة والمجتمع الإسرائيليين.

وإعادة بناء لجنة المتابعة، يعني ببساطة، تقوية وتمكين مجتمعنا، من خلال تنظيم طاقاته البشرية والمادية، وما حققه منذ النكبة، بطريقة مهنية وعصرية، وانتخاب مرجعية وطنية تمثيلية منتخبة.

يشكّل اتساع دائرة النقاش بخصوص الحاجة الملحّة لتنظيم مجتمعنا تطورًا هامًا، ويدلل على أن الفكرة، التي بدت وكأنها تحوّلت، في السنوات الأخيرة، إلى فكرة مكرّرة بلا جدوى، قد استوطنت في شريحة مثقفة واسعة نسبيًا من الأجيال المختلفة. إن فكرة بناء مرجعية وطنية موحدة، منتخبة، وذات أنياب قوية وفاعلة، هي الشرط الأساس لتمكين هذا الجزء من شعبنا الفلسطيني وتعزيز علاقاته الداخلية في مواجهة حاجاته الداخلية، وفي مواجهة التغول والعدوانية الإسرائيلية، وهي، أيضًا، بمثابة جسرٍ يربطنا وطنيًا وسياسيًا مع المشروع الوطني التحرري الفلسطيني، الذي يشهد مؤخرًا نقاشًا عميقًا ومسؤولًا، وتشارك فيه فئات مهمة من أبناء وبنات فلسطين في كل مكان، من أجل إعادة الاعتبار له.

ويمكن لمن لا يزال يتساءل عن أهمية تنظيم الجماعات الأصلية في مواجهة دولة الأغلبية الاستعمارية أن يراجع تجارب جماعات أصلانية، في بلاد أخرى، ليتعرّف كيف نهضت تلك الجماعات من خلال تنظيم ذاتها جماعيًا، وبناء مؤسساتها التمثيلية والمهنية والمستقلة عن الأغلبية الحاكمة، أو عن الأغلبية التي غزت البلاد وأقامت كيانًا استعماريًا عنصريًا.

نأخذ على العديد ممن اقتنعوا، أو بدأوا حديثًا، بالمطالبة بالعمل على تطبيق فكرة التنظيم الداخلي دون أن يقدموا تصورا عمليا عينيا، أنهم لا يبذلون جهدا في تقصّي مصدر هذه الفكرة، ومن بدأ بالتنظير لها، ومن بذل جهدًا عمليا، وخاض نقاشا حادًا داخل هيئة المتابعة العليا، على مدار أكثر من عقدين من الزمن. لا نقول ذلك من أجل المطالبة بالاعتراف بفضل المبادرين، بل من أجل ألّا يبدأ المنادون الجدد الفكرة من الصفر، وألّا يواصلوا طرح الفكرة بصورة عامة. بكلمات أخرى، حتى ينتقلوا إلى الجانب التفصيلي، والعملي. فقد آن أوان الفعل. 

ويؤخذ علينا كمجتمع، وكنخب، أنّنا غالبًا ما نتجاهل المصادر، أو نجهلها، أو لا نرغب بالمراجعة لتجاربنا السابقة، أو نتعلم منها، ونميل إلى نسب كل فكرة لأنفسنا. ولهذا، نُضيّع زمنًا ثمينًا، كنّا نحتاجه للبناء وتحقيق الانتصارات، إذ أنّ الإنجازات الفعليّة والقفزات النوعية، لا تتحقق إلّا من خلال تراكم المعرفة والممارسة. إنّ الجهود، وخاصة الفكرية المتصلة بإعادة تنظيم مجتمعنا على أساس قومي، هي جزء من التجربة السياسية لهذا الجزء من شعبنا، في مواجهة واقعها بعد النكبة. 

 في النصف الثاني من التسعينيّات، بادر التجمع الوطني الديمقراطي، فورَ انطلاقه، وبموازاة مشاركته في الكنيست، إلى التقدم بورقة مكتوبة عن كيفية بناء لجنة المتابعة، وعنون الورقة ببناء قيادة وطنية موحدة لـ"الأقليّة القوميّة الفلسطينيّة"، داخل الخط الأخضر. كان ذلك تطويرًا لمطالب سابقة عامّة غير واضحة لتطوير لجنة المتابعة، لكن دون أن تقدّم أيّة أحزاب أخرى برنامجًا عينيًا. لقد أدلت الأحزاب والحركات السياسية كلها، وإن بصورة متفاوتة، أو بمقاربات مختلفة، في عملية تنظيم المجتمع. ولكن الحزب الذي قدم التصور المكتوب، الذي يوضح الفكرة / المشروع هو التجمع الوطني الديمقراطي. ومن بين الأشخاص الذين برزوا في هذا الأمر، د. محمود محارب (أصدر كتيبًا عن ذلك عام ١٩٩٨)، وكذلك المفكر، وقائد الحزب السابق، د. عزمي بشارة، الذي قدم أهم الإسهامات الفكرية والنظرية والعملية في هذا المجال، أمّا كاتب هذه السطور فقد أنشأ عشرات المقالات عن الموضوع، ناهيك عن تمثيله للحزب، وجهوده في تمرير الفكرة والمحاولة لترجمتها عمليا.

 ويدلل ذلك على مقاربة التجمع لفكرة المشاركة في الكنيست، التي لم ير فيه للحظة أنه بديل عن تنظيم المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر، بل رافعة من روافع التواصل مع الناس وتأليبها على البنية اليهودية، العنصرية الكولونيالية، للدولة التي تشكل مصدر الاضطهاد، والتمييز الأبدي ضدنا. ولم يقرّر التجمع المشاركة في انتخابات الكنيست، إلا بعد تردد طويل، ونقاش معمق، ثم قرر أن تكون هذه المشاركة بتوجهات مختلفة جذريا عما سبقها من الأحزاب، وفِي صلبها: تحدّي يهودية الدولة والدعوة إلى إلغائها، تحت شعار دولة المواطنين، وبموازاة ذلك، العمل على تنظيم المواطنين العرب باعتبارهم جماعة قومية أصلانية، وجزءًا من شعب محتل ومشرد.

والآن، وكما كتبت مؤخرًا، باتت استمرارية المشاركة في الكنيست، عبئا على العمل الوطني المحلي، وكذلك الفلسطيني بشكل عام، نظرًا لاختزاله في السنوات الأخيرة في أروقة برلمان الأبرتهايد، على حساب العمل الشعبي وتنظيم المجتمع، وأيضًا، لأن التمثيل العربي بات يشكل غطاءً لنظام أبرتهايد كولونيالي، لم يبقِ أيَّ هامش للتحرك في أروقته.

انطلاق النقاش رسميا عام ١٩٩٨

 في عام ١٩٩٨، وبعد نقاشٍ وبحث، تشكّلت لجنة صياغة وأفرزت الأحزاب مندوبين عنها، وكنت أنا مندوب التجمع. وتواصل النقاش لسنوات. كان ينقطع أشهرًا طويلة بسبب أحداث كبيرة، أو قصور ذاتي، ولكن، في نهاية المطاف، وبسبب أن العرف المتبع في عملية اتخاذ القرار داخل لجنة المتابعة، هو استناده إلى الإجماع، لم يكن بالإمكان التغلب على معارضة الجبهة والعربية للتغيير. (حجّتهما أنّ إعادة بناء لجنة المتابعة ومأسستها وإقامة صندوق قومي وإجراء انتخاب مباشر، يعني الانفصال عن الدولة، وعن نهج الاندماج). 

 لم يفرز النقاش (المتقطع) الممتد على عقدين من الزمن، سوى عن ثلاثة أمور أساسية، الأوّل؛ فصل رئاسة اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية عن رئاسة لجنة المتابعة، الثاني؛ انتخاب رئيس لجنة المتابعة داخل المجلس المركزي المكون من ٥٣ عضوًا، والذي تم، لأوّل مرّة، عام ٢٠١٥، والثالث؛ إنهاء العمل بمبدأ الإجماع. 

 والغريب أن التصورات، التي عرفت بوثائق التصور المستقبلي، التي صاغتها مجموعة كبيرة من الأكاديميين، وبطلب من رئيس لجنة المتابعة الأسبق، شوقي خطيب، وعرضت على اللجنة عام ٢٠٠٥، لم يجر اعتمادها، ولا حتى اعتماد روح توجهها، مع أن خطيب عضو قيادي في الجبهة. لقد رأى حزب التجمع في هذه التصورات، التي شارك فيها أكاديميون من التجمع، رغم تحفظاته على بعض ما جاء بها، أنها وثائق هامة يمكن أن تؤسس لبنية جديدة للجنة المتابعة، وتنقلها من طابعها التنسيقي إلى مؤسسة قيادية. تبيّن، في ما بعد، أن خطيب لم يكن يتوقع أن تخرج التصورات بهذا المضمون الإستراتيجي، والذي يتحدى يهودية الدولة، ويفتح الطريق أمام انتخاب لجنة المتابعة مباشرة من الناس. ولهذا السبب، وبسبب معارضة الجبهة المبدئي، يفسر بعض المشاركين في الصياغة، عدم جديّته في متابعة تطبيق التوصيات.

وللموضوعية، كانت للحركات والأحزاب الأخرى (الحركة الإسلامية وحركة أبناء البلد) تحفظات على بعض مما جاء فيها، لكنها لم تكن جوهرية. 

 التقاط اللحظة، والمباشرة في العمل 

الوعي المتزايد بضرورة تنظيم مجتمعنا الفلسطيني داخل الخط الأخضر، والمطالبة المتسعة بضرورة صياغة رد إستراتيجي على كل ما يواجهنا، من عدوان، وعدوانية، يَعِدُ بولادة مبادرات جديدة، وبانخراط قوى جديدة تحمل أفكارًا وتوجهات عصرية، وإرادة أقوى للتّغيير. وتأتي هذه المبادرات والمطالبات، في غالبها، من خارج البنى التمثيلية والحزبية والحركية القائمة. وقبل أن يتّسع الفراغ السياسي، والقيمي، والقيادي، فأمام كل تلك القوى تحدٍ كبير، يتمثل في الخروج إلى الميدان، وعقد اللقاءات وصياغة المبادرات وتنظيم الندوات. ومن أجل المضي قدما، لا بد أوّلا من تعظيم الجهد الفكري والتثقيفي حول أهمية تنظيم المجتمع الفلسطيني في الداخل ومؤسساته التمثيلية والمهنية، لأنه فقط من خلال ذلك يمكن تنظيم نضاله الشعبي، وخوض معركته السياسية الميدانية لوقف مخطط تدمير كياننا الجماعي. إن توليد الوعي الشعبي بالفكرة شرط أوّلي لإطلاقها، بنجاح.

 لن يجدِ انتظار الأحزاب والحركات لإجراء إصلاح في داخلها، وإن كانت عملية الإصلاح هذه باتت حاجة وجودية، ولا بد من خوضها. لأنها ستكون، وإن بدأت، طويلة ومعقدة، وقد تتعثر ويتبدد المزيد من الزمن في الوقت الذي تتآكل فيه الهوية الوطنية، وتنتشر الفوضى السياسية والخواء القيمي. 

لنبنِ على ما تبقى لدينا من خير ومن إنجازات، وهي كبيرة، قبل أن يكون متأخرا.