الفلسطينيون شحّاذون والخليجيون بقر واليهود سفّاحون...

الفلسطينيون شحّاذون والخليجيون بقر واليهود سفّاحون...

سهيل كيوان

أعتذر أولا على العنوان المستفزّ، إلا أن مثل هذه العناوين  باتت شبه يومية، ولا بد أنها تستفز الكثيرين عندما تنشر على صفحات الفيس بوك وغيرها من مواقع التواصل الاجتماعي، خصوصا تلك التي تلقى رواجًا كبيرًا لأنها أكثر حدة من غيرها.

كلما تقدمت وسائل الإعلام والتواصل، صغر العالم أكثر وأكثر، وازدادت قدرة الأفراد على الوصول إلى عدد أكبر من الناس وفي لغات شتى، ومع صور وأفلام بعضها أصلي، وبعضها بعد عمليات إعادة مونتاج، وبعضها حدث في أمكنة غير تلك التي يدّعونها. وعمومًا لا توجد غربلة لما يُنشر، إلا في حالات استثنائية، إلا أن الشتائم والأوصاف المهينة لا تمحى، تبقى وتبقي وراءها ندوبًا قد يطول شفاؤها.

قد يكون ما ينشر معبّرا بالفعل عن موقف الكاتب من قضية ما، وقد يكون مدروسًا من قبل جهة كبيرة لها وزنها تقصد توسيع رقعة الخلاف بين مجموعات معينة، فما يسمى الحرب الإلكترونية (حرب السايبر) لا تقتصر على التخريب العسكري والاقتصادي فقط، بل تشمل بناء رأي عام لدى فئات مستهدفة، ومن ثم دفعها إلى مواقف سياسية أو اجتماعية  تؤجج الصراعات الدينية والطائفية أو الإقليمية والقومية وحتى القبائلية وغيرها.

عندما يغضب بعض العرب من الفلسطينيين بسبب خلافات مع قياداتهم على موقف ما، تظهر كتابات تصف الفلسطينيين بأنهم باعوا أراضيهم، وبأنهم شحاذون وناكرون للمعروف، وبأنهم يتعايشون مع اليهود بينما يريدون من الآخرين أن يجوعوا وأن يُقتلوا لأجلهم. ويرد عليهم فلسطينيون يصفون شعوبًا شقيقة بالبقر والبهائم والتخلف ورعاة الإبل الذين تطاولوا في البنيان، وعبيد أمريكا والجنس والخمرة وغيرها من أوصاف معيبة غير منصفة، فلا يوجد شعب عربي واحد يكن كراهية وحقدًا للفلسطينيين، أو لم يتعاطف مع قضيتهم، إلا أنه ومن خلال المسيرة السياسية للمنطقة والعالم وتناقضاتها قد يهبط التعاطف أو يزيد، أو يتحول إلى غضب وكراهية لدى بعض الفئات، مثلا إبان احتلال العراق للكويت وموقف الراحل ياسر عرفات الخاطئ الذي أدى إلى تصدّع في العلاقات الفلسطينية الكويتية، وشملت قطاعات واسعة من الكويتيين، كذلك الأمر بالنسبة لحكومات أخرى مثل اللبنانية، فهي لا تعكس موقف جميع اللبنانيين، وإن كانت هناك فئات  تعادي الفلسطينيين على خلفية التوازنات الطائفية في هذا البلد.

التعميم الخاطئ ينطبق عندما نتحدث أيضًا عن اليهود، فمن الخطأ التعميم ووصفهم كشعب بأشنع الصفات، كالقتلة  والمجرمين والنازيين، هنالك مواقف متفاوتة بين اليهود أنفسهم من العرب وقضاياهم  ولغتهم العربية ومن المواطنة وحقوقها وواجباتها، وكلنا نعرف كفلسطينيين من خلال الممارسة بأن هناك شرائح في المجتمع اليهودي نتمنى لو كان الجميع مثلها، كذلك هنالك شرائح عنصرية خجولة، وهناك من هم أشد عنصرية ويعلنونها في كل مناسبة وبتطرف، وهناك من يمارسها على أرض الواقع بعنف. صحيح أن الأجواء الغالبة هي العنصرية، ولكن يبقى التعميم خطأ وحتى ظلمًا، فقولك عن كل اليهود بأنهم قتلة ومجرمون وشذاذ آفاق، يشبه القول بأن جميع العرب لصوص لأن هناك بعض العرب الذين يسرقون السيارات.

إذا كنا نريد الكتابة في الشأن السياسي، فعلينا تحديد السُلطة التي نهاجمها، وأن نتلافى التعميم على الشعوب التي قد تكون مقموعة ومظلومة ومهدّدة أكثر منا.

عندما تصف أهل الخليج والسعوديين بالغباء والجهل  وبالحفاة العراة والأعراب الذين تطاولوا في البنيان، وبأن شقراء واحدة تستطيع تركيعهم كلهم، لا تتفاجأ حينئذ إذا أتاك الرد بتعميم  يصف شعبك ببائع الأرض والخائن وبسؤال شخصي لك، ماذا قدمت حضرتك لفلسطين؟

لكل واحد الحق بأن يحلّل وأن يناقش ويهاجم مواقف سياسية، ولكن ليس بشتائم وبذاءات موجهة للشعوب، لأن الكراهية حتما سترتد علينا بكراهية، ولن يربح من هذا سوى أولئك الذين يريدوننا شعوبا وطوائف وقبائل تمزّق بعضها.     

قد تكون هناك أقلام مدسوسة من أجهزة مخابرات عربية أو إسرائيلية هدفها توسيع الشقة بين هذه الشعوب على مستوى الرأي العام الشعبي وليس على مستوى الأنظمة فقط.  

الشعوب العربية ليست تافهة وخائنة، ولا يمثل شعبنا الفلسطيني ذلك الإقطاعي الذي باع أرضه للحركة الصهيونية  ثم ذهب ليقامر بثمنها في باريس.