الحركة المُستحيلة.. جدليّة حماس بين الدولة والمقاومة

الحركة المُستحيلة.. جدليّة حماس بين الدولة والمقاومة

مجد أبو عامر

انتشرَ عبر مواقع التواصل الاجتماعي في الآونة الأخيرة فيديو لأحد أبرز قادة حركة حماس، الشيخ محمود الزهّار، يقول فيه: "إنّ مشروع جماعة الإخوان المسلمين ومن ضمنها حركته حماس أكبر من فلسطين، وفلسطين في مشروع الحركة لا تتعدى قيمتها سواك الأسنان". ويبدو أنّ حديث الزهار قد جاء في اجتماع تنظيمي داخلي، حيث يُعرف عن الرجل صراحته ووضوحه، فهناك دارجة فلسطينية فحواها: إذا أردت أن تعرف موقف حماس، استمع إلى الزهار.

يختلفُ الزهّار عن باقي قيادات حركته، في أنّه ليس باطنيًا، ولا يستخدمُ التُقية السياسية، ومردُّ ذلك ثقته الزائدة بنفسه. ومن الواضح أنّه ورغم التربية الحزبية، يكرهُ التلّون وفق الظروف، فالبراغماتية من ميزات الحركة الإسلامية، المُستقاة من حركتها الأم؛ الإخوان المسلمين. ففي ظلِ المُطاردة السياسية والأمنية على المستوى العربي، حَملتْ الحركة الأم خطابين متناقضين، بما يتوافق والمقولة العربية "لكل مقامٍ مقال"، لكن الزهار لا يبحثُ عن التعبيرات المناسبة، بل يلقيها كيفما جاءت، حتّى لو كانت صادمة، بالرغم من شغلهِ منصب وزير خارجية السلطة الفلسطينية في الحكومة الفلسطينية العاشرة.

ربما يفهمُ الحركيون الإسلاميون معنى عبارته الفظّة تلك ويقدّرونها، لكنَ وقعها مُزعج على مسامع الوطنيين الفلسطينيين والعروبيين القوميين، فقد تناولوها في تعليقاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، بازدراءٍ شديد، بأنّ فلسطين أجلّ من هذا الوصف، فهي حتى ضمن الرؤية الإسلامية الشاملة، تُعتبر الأرض المقدسة في الوصف القرآني. هذا الوصف الّذي قدمه الشيخ الزهار، يجعل من الأيديولوجيا الإخوانية مُقدمةً على الوطن، وهو ما يجعلُ هناك فارقًا بين حركة حماس ومنطلقاتها، وبين باقي مكوّنات حركة التحرر الوطني الفلسطينية، أو ما بقي منها كهياكل تحملُ مسميات قديمة، فقد انبثقتْ جلُّ عناصر حركة فتح في خمسينيات وستينيات القرن الماضي من رحم حركة الإخوان المسلمين، واختلف الرعيل الأول للحركة، ومنهم خليل الوزير وسليم الزعنون وياسر عرفات وغيرهم، مع قيادة الإخوان، بعد تجربة النضال المسلح ضد العدوان الثلاثي على مصر عام 1965، والذي شملَ قطاع غزة، حيث خاض الإسلاميون والقوميون والوطنيون الفلسطينيون نضالًا مُسلحًا ضد قوات الاحتلال الصهيوني.

في تلك التجربة أيقنَ المدافعون عن قطاع غزة من الفدائيين؛ بعثيين وإخوان وشيوعيين، أنّ الوطن وتحريره له الأولوية على الأيديولوجيا، ومن هذه القناعة خرجتْ فتح بفكرة "فلسطين أولًا" و"حملة البنادق". وقد بدتْ الفكرة هشّة، خالية من أي نظرية ثورية، إلّا أنّها جمعتْ تحت مظلتها الآلاف من المناضلين الفلسطينيين والعرب، بل والمسلمين والأمميين؛ مسيحيين ويهود.

أمّا حركة حماس، فنشأتْ في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، ضمن ارتقاء فكري نبذَ القديم وتبنّى الجديد، ومنذ البدء شكّكتْ حماس بحركة التحرر الوطني الفلسطينية ومبادئها ونضالاتها، وجعلتْ نفسها نقيضًا وبديلًا لمنظمة التحرير الفلسطينية، الّتي صُنفْت من قبل الحركة الإسلامية بالعلمانية. ورغم الشكوك الّتي تُثار حول بدايات الحركة من خلال مؤسسة المجمّع الإسلامي في مدينة غزة، حيث حصلتْ على ترخيص من قبل سلطات الاحتلال عام 1978، إلّا أنّ الحركة تُصنف اليوم إسرائيليًا، على أنّها أحد ألد أعداء إسرائيل، وتوضع عادةً إلى جانب إيران وحزب الله.

ما صرّحَ به الزهّار ليس جديدًا على الخبراء في الحركات الإسلامية، فالإخوان المسلمون حركة عالمية هدفها إقامة دولة الخلافة الإسلامية تحقيقًا لفكرة "أستاذية العالم"، ضمن نظرية مُستمدّة من التاريخ الإسلامي وكتب الحديث، يختلفُ ويتفق معها الملايين. وفلسطين في هذه الإستراتيجية هي قضية ثانوية، فبالنسبة للإخوان، أندونيسيا وأفغانستان هي كفلسطين، كون الوطن وثنا، ووطنُ الإسلاميُ حركته ومعتقداته، لا قطعة أرض، مهما حملتْ من معاني القداسة والتبريك الإلهي. في هذا الشأن، ومن خلال هذه النظرة للوطن، تخشى الحركات والأحزاب الفلسطينية من ذهاب حماس تجاه الموافقة على إقامة إمارة في غزة، بل ذهبَ الرئيس الفلسطيني لاتّهام الحركة بأنها وافقتْ على إقامة دولة ذات حدود مؤقتة، وهو ما يتناقض مع موقف منظمة التحرير، الّتي ترفضُ الفكرة لأنها تحايل على الحقِّ الفلسطيني، فالمؤقت لدى الصهاينة دائمٌ، والدليل اتفاق أوسلو الذي مرَّ عليه 25 عامًا، وما زال مؤقتًا/ مرحليًا.

وعلى النقيض، جاء تصريحٌ آخر يتعلّقُ بالأيديولوجيا الإخوانية في النظرة إلى الدولة، للقائد الحمساوي أحمد يوسف، والذي كان مستشارًا سياسيًا لإسماعيل هنية، ووكيلًا لوزارة خارجية غزة. فقد أثارَ قضيتين جدليتين، وأفشى سرًا لطالما تناوله سياسيون فلسطينيون ولمّحوا إليه، بأنّ حماس تعاطتْ مع أطروحات سياسية انفصالية، مرفوضة من الإجماع الوطني الفلسطيني. فقد أكّد القيادي في حماس في حوار لـ"دنيا الوطن" يوم 17 حزيران/ يونيو 2019، أنّه يؤيّد أن يحكُم دستور مدني دولة فلسطين، لتُصبح دولة مدنية كالدول الغربية، مْعتبرًا إدخال الدين في تفاصيل السياسة، خللًا في فهم الدين.

وهذا الخطاب يتناقضُ شكلًا وجوهرًا مع مُعتقدات الإخوان الأيديولوجية والسياسية. كما صرّحَ يوسف أنّه في عام 2009، قدّمتْ جهات أوروبية لحكومة إسماعيل هنية مقترح دولة في غزّة، وهو مشروع إسرائيلي، من سيناء حتّى الأردن، وذلك لتوسيع غزّة وربطها بالأردن، عبر مشروع "غيورا آيلاند". وقد رفعتْ حماس هذا الملف من خلال وزير الخارجية الزهّار إلى مصر، وناقشته مع عدّة أطراف عربية.

أثار حفيظة السيد الزهّار كَشفُ هذا السر، الّذي كان معلومًا، لكن حماس ظلّتْ تُنكره دائمًا، ممّا جعله يُصدر بيانًا يوم 19 آذار/ مارس 2019، يُنكر ذلك جملةً وتفصيلًا، وينفي أنّ حماس تعاطَت مع هكذا مشاريع، لكن يوسف قامَ بالردِ عليه، وأكّد مع ذِكر الطرف الأوروبي مُقدم الطرح، وهي إيطاليا.

انطلقتْ حماس لتغيّر نهجًا اعتمدتهُ فتح، فطرحت نفسها بديلًا مقاومًا لنهج فتح المساوم. انطلقت حماس لتطرح فلسطين من النهر إلى البحر، أرض وقف إسلامي لا يمكن التنازل عنها، ثمّ طرحتْ الهدنة لربع قرن، مقابل دولة في الضفة وغزة، دون الاعتراف بإسرائيل، لكن بعد حكم غزة نتيجة الانقلاب/ الحسم، طرحتْ وثيقة سياسية قَبلتْ فيها بدولة على حدود عام 1967. ووفق أحمد يوسف، حماس قَبلتْ التعاطي ومناقشة ومشاورة المصريين بمشروع "غيورا آيلاند"؛ أي القبول بدولة في غزة مع أجزاء من شمالي سيناء.

كيف حدثَ هذا التحوّل في موقف حماس؟ النقطة المركزية هنا، هي محاولة حماس جمع المستحيل؛ السلطة والمقاومة في ظل الاحتلال، وهذا في فلسطين وغزة المحاصرة يعني حصارًا أبديًا، دون تقدّم في هدف التحرير. فحكم شعب يعني تأمين احتياجاته، معادلة جمع السلطة بالمقاومة هي آفة الآفات، الّتي أوصلتْ حماس للمساومة؛ "المال مقابل التهدئة"، وبهذه المعادلة  تُصبح حماس حبيسة عدوّها في مواقفها سِلمًا وحربًا، فهو المُتحكم بدخول المال، والمتحكم بالتصعيد والتبريد، ونحن هنا نجد تماثلًا/ محاكاة، لقصّة توفيق الحكيم "الناسك وإبليس" أي الصراع بين العقيدة والمصلحة، فالعقيدة قوة والمصلحة ضعف، حماس تعيشُ اليوم وفق هذه المعادلة، لذلك حماس الانطلاقة غير حماس السلطة، حسابات السياسة جعلتْ حماس في عز قوة الإخوان إبّان الربيع العربي، تحتفلُ بفوز محمد مرسي برئاسة مصر وتوزّع الحلوى، لكن عند وفاته لم تفتح حتّى بيوت عزاء خوفًا من غضب مصر، بل رفعتْ صورة السيسي عدو الإخوان في ساحة السرايا وسط قطاع غزّة. حملُ السلطة والمقاومة معًا في ظلِ وضع غزة، كمن يحملُ ماءً ونارًا بيدٍ واحدة، إحداهما سيفنى حتمًا، أيهما يستمرُ في يدِ حماس وأيهما يسقط؟ هو ما ستُجيب عليه الأيام.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"