شعبنا بحاجة لومضة أمل وتفاؤل..

شعبنا بحاجة لومضة أمل وتفاؤل..

سهيل كيوان

لا تقاس قيمة القائمة المشتركة بعدد المقاعد التي حققتها سابقًا أو تلك التي قد تحققها في هذه الجولة، ولا بالشعارات التي يرفعها البعض، مثل "مطلب الساعة إسقاط اليمين المتطرف".

المشتركة كانت بشرى لشعبنا عندما تأسّست قبل بضع سنوات، لأنها منحت الناس بصيصًا من الأمل في واقع تعيس وظلام يحاصرنا من كل الجهات، وما زال يشتد يومًا بعد يوم، منحتنا فرصة لأن نتوقف عن البحث والتنقيب في قصورات ومثالب وأخطاء بعضنا البعض التي وصلت إلى شخصنة الخلافات خلال المنافسات الانتخابية، وصل بعضها إلى التفاهة والسفاهة والكذب والانحطاط حد الادعاء بأن ممثلي التجمع يحملون حقائب دولارات ويوزعونها على الناخبين في ساحات المدارس والبيوت.

المشتركة قالت إننا قادرون على الارتقاء بأنفسنا فوق خلافاتنا، والعضّ على جراحنا وكظم الألم.

المشتركة قالت إنّ لدينا القدرة على أن نرتقي ونوحّد صفّنا وأن نرى الهدف العريض والأهم الذي يجمعنا رغم الخلافات الكثيرة في التفاصيل، ومنها ما هو هامٌ وفارقٌ جداً. 

المشتركة تشعرنا بأن مصيرنا معًا كما هو حاضرنا.

واضح أن هناك حسابات ضيقة لدى البعض ممن حاولوا ويحاولون تهميش موقع التجمع الوطني الديمقراطي وحتى محوه من الخارطة الحزبية، وأن هناك نفوسًا مريضة لا يقلقها اليمين المتطرف الذي يريدون كما يقولون إسقاطه، بقدر ما يقلقهم استمرار وجود التجمع الوطني، وواضح أن هناك من أرادوا ويريدون إقصاء فكر التجمع والشماتة به بالضبط مثل غلاة المتطرفين من اليمين (يريدون تدفيعه الثمن)، لأن الفكر الذي يطرحه التجمع يحمل نقدًا عميقًا لتاريخ أرادوا تزييف بعض حلقاته الهامّة وخصوصًا إبان النكبة وخلالها وبعدها، كذلك تميّزه وتجديده في طرحه لفكرة دولة المواطنة ومنطقها الذي أربك السلطة وجعلها ترى بطرح التجمع غير تقليدي وراحت تحرض ضده، إلى جانب إصرار التجمع على ضرورة نقل قضايانا المدنية إلى الساحة الدولية باعتبارنا أقلية قومية وليس كمواطنين عاديين يجري التمييز ضدهم بالخطأ أو بسوء إدارة بل كنهج سياسي على أسس قومية عنصرية، ثم مطالبته بحكم ذاتي ثقافي للأقلية الفلسطينية داخل إسرائيل، وهذا أيضا رأى فيه بعض العرب تطرّفا قد يؤذينا، علمًا أنه متبع في الكثير من دول أوروبا والعالم.

هذه الاختلافات تبنى الآخرون معظمها وصاروا يتباهون بها، بل ويتباهون في الظهور في وسائل الإعلام العالمية وبالتوجه إلى الاتحاد الأوروبي بعدما كانوا ينكرون على التجمع هذا التوجه ويرونه تطرفًا.

ما نحتاجه الآن هو ما يجمعنا وليس ما يفرقنا وهو كثير، كلنا تحت مطرقة العنصرية الثقيلة التي تزداد ثقلا وإساءة لنا ولشعبنا يومًا بعد يومًا، وعلينا أن نرصّ الصفوف وأن نتعالى على الجراح التي سببناها لبعضنا البعض، سواء بالفعل أو بردود الفعل.

جماهيرنا العربية قلقة، والشعور السائد هو الفوضى،  بسبب العنصرية المنهجية في معالجة العنف والمصير الغامض لعشرات آلاف البيوت غير المرخصة، والتسيب في الأمن الشخصي، وفقدان السيطرة على أبسط الأمور، فنحن لا نحتاج إلى مزيد من التشرذم والإحباطات والطاقات السلبية، بل نحتاج إلى جرعة من التفاؤل، نحتاج إلى أن نرى ما هو جميل لدى كل واحد منا كأفراد ومجموعات حزبية.

هناك أكثر من سبب عام وتنظيمي لدى التجمع الوطني الديمقراطي لأن يطلّق المشتركة نهائيًا، وأن يختار مقاطعة الانتخابات، ويتفرغ لمشروعه وتنظيمه.

وهناك أكثر من سبب أيضًا لكي ينضم إلى المشتركة، رغم الظلم الذي تعرض له من قبل ما يسمى لجنة الوفاق.

هناك فئات واسعة من داخله ومن خارجه سوف تؤيده  إذا ما رفض دخول المشتركة بالشروط المطروحة.

وهناك كثيرون سوف يشعرون بالانفراج من داخله ومن خارجه إذا ما أعلن انضمامه للمشتركة.

هنالك كثيرون من الحاقدين الذين يزايدون ويتحدّونه بأن يجرّب خوض الانتخابات وحيدًا، علما أنهم يدركون بأنه لا يوجد حزب قادر على خوضها لوحده بما في ذلك الجبهة، وإثبات ذلك هو الانتخابات الأخيرة حيث حصلت الجبهة مع الطيبي على 182 ألف صوت، علما أن استبيانات الطيبي كانت تزعم بأنه سيحصل عليها لوحده، فإذا قسمناها على اثنين بالتساوي عرفنا النتيجة  91 ألفا لكل منهما، وحتى إذا منحنا الجبهة ثلثيّ هذه الأصوات فهي 120 ألفًا، لا بل لو منحناها 75 بالمئة من الأصوات فهي 136 ألف صوت ولا تجتاز نسبة الحسم.   

لهذا فإن خوض أي حزب للانتخابات لوحده يعتبر مجازفة وحرقا لعشرات آلاف الأصوات وسوف تفقده مصداقيته، فإما أن يخوض مع المشتركة أو أن يقاطع.  

من المؤسف أن الأمر وصل إلى هذه المرحلة من التعقيد، إلا أن الجمهور لا تهمّه التفاصيل، ما يهم الناس في النهاية هو الأمل الذي يبحثون عنه أو يحيون به إلى أن تتغير موازين على الأرض في بلادنا وإقليمنا، وهذا يحتاج إلى صبر كبير.

إن عدم ظهور التجمّع مع بقية مركبات القائمة يوم السبت بمشاركة لجنة الوفاق هو موقف سليم فهو احتجاج على موقف لجنة الوفاق التي سحب اعترافه بها ورأى بأنها منحازة، ورغبة منه بعدم الوقوف تحت جناحها، وإعلان عن فشلها في توحيد الأحزاب الأربعة، إضافة للخلافات التي ما زالت عالقة بالنسبة لترتيبه في القائمة.

اللجنة المركزية للتجمع في وضع لا تحسد عليه، فقرارها يحمل مسؤولية كبيرة ومفصلية بالنسبة للتجمع الوطني الديمقراطي كحزب له مكانته على الساحة السياسية، وكذلك لمشروعه الوطني طويل الأمد. 
الناس ملت الخلافات، وهذا أضر كثيرًا في مستوى العمل السياسي وأهدافه.

التجمع كان حجز الزاوية في بناء المشتركة وصاحب الفكرة أساسا، ولهذا فموقعه مع المشتركة، ويد الله مع الجماعة، وكما قال سلفنا الصالح "كدر الجماعة خيرٌ من صفو الفرقة"، هذا ما قاله التجمع دائمًا وهذا ما نتمسك به، رغم كل الجراح والترسّبات، وذلك طمعًا بخلق مناخ أفضل في وضع محلي وإقليمي ودولي غير مريح أبدًا لأي حزب ولا لأي فريق أو جزء من أبناء وبنات شعبنا، لا في داخل الوطن ولا في خارجه، فلنحمل شعلة التفاؤل ولنحافظ عليها في أي ظرف كان.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"