المثليّة الجنسيّة... بين السياسي والاجتماعي

المثليّة الجنسيّة... بين السياسي والاجتماعي

سهيل كيوان

المثلية الجنسية ليست قضية هامشية في حياة الأمم والشعوب، فهي قديمة قِدَم الإنسان ولها نصيبها في الكتب القديمة المقدسة وغير المقدسة، ولها مؤيّدوها ومعارضوها وكذلك عدم المبالين تجاهها.

هي شريحة واسعة في العالم، ويقدر عدد المثليين في الولايات المتحدة بتسعة ملايين نسمة أيّ نسبته 3.5% من السكان بحسب معهد وليامز للدراسات، ويقول 19 مليون أميركي، أي 8.2% من الجنسين، إنّهم مروا بتجربة جنسية مثلية، ويقول 25 مليون أميركي وأميركيّة إنهم يشعرون بانجذاب جنسي لأبناء جنسهم.

وعُرفت المثلية الجنسية في الأدب العربي كما في الآداب العالمية الأخرى، وأشهرهم عند العرب أبو نواس الحسن بن هانئ وأشعاره التي يصف فيها ممارساته المثلية.

تختلف المكانة القانونية للمثليين من دولة إلى أخرى، فهم قد يُحكمون بالإعدام أو بالسجن في بعض الدول، فيما يستطيعون الزواج من بعضهم وتبني الأطفال ولهم حقوق كاملة في دول أخرى، مثل السويد وهولندا وبعض الولايات الأميركيّة.

جرى استغلال المثلية سياسيا مثل أي قضية اجتماعية أخرى، حيث أنها لم تبق على الحياد، فهناك مرشحون وأحزاب حاولت جذب المثليين إليها من خلال دعم قوانين تمنحهم حقوقا، فيما عارضت أحزاب أخرى وحرّضت ضدهم مثل الجمهوريين في أميركا. وكان الحزب النازي في ألمانيا قد وضعهم في معسكرات العمل، ووضع عليهم شارة مثلث مقلوبٍ باللون الوردي في معسكرات الاعتقال، كذلك حكمت الستالينية بالسجن الطويل على مثليي الجنس في الاتحاد السوفييتي في فترة الحكم الستاليني، ويُحكم حتى اليوم بالإعدام أو السجن على مثليي الجنس في معظم الدول الإسلامية.

في إسرائيل تعتبر حركة ميرتس (حقوق المواطن) الحزب الذي يمثل المثليين، ومعروف أن رئيسه، نيتسان هيروفيتش، من مثليي الجنس.

السلطات الإسرائيلية من جانبها استغلت وتستغل كل تناقض اجتماعي في المجتمع العربي وتحاول الاستفادة منه، وما يهمها، في الأساس، من أيّة قضية هو إشغال المضطهدين بأنفسهم لتسهيل مواصلة ضربهم، وهذا يأتي في سياق إستراتيجية عمل اعتمدتها الحركة الصهيونية منذ نشأتها، وهي تغذية التناقضات داخل المجتمعات العربية خدمة لهدفها الكبير.

من القضايا التي جرى ويجري استغلالها، التناقض بين المتدينين والعلمانيين العرب، ومحاولة ترسيخ العداء بين الشريحتين، كذلك الخلافات الحمائلية، والطائفية التي يعرفها الجميع.

أما إقليميًا، فيجري اللعب على التباين المذهبي بين الشيعي والسني، وخصوصًا في العقد الأخير، وما يسمى الحلف السني بقيادة السعودية في مواجهة خطر التمدد الشيعي بقيادة إيران، وتسهم بذلك أيضًا عدة أنظمة عربية فاسدة.

كذلك لعبت السلطات على الخلافات الأسرية بين الرجل والمرأة، وكأنّما هناك حربًا بين النساء والرجال، وأظهرت السلطات نفسها كنصيرة للمرأة العربية في مواجهة الرجل العربي "المتوحش"، بينما في الواقع عندما يُقتل زوج المرأة أو ابنها أو هي نفسها بالرصاص تذوب الشرطة وكأنها ليست موجودة.

مؤخّرًا، طفت قضية المثلية الجنسية على السطح، ودخل مجتمعنا في نقاش حولها، خصوصًا بعد جريمة طعن فتى عربي من قبل شقيقه على خلفية ميوله الجنسية.

ما زال بين أكثرية أبناء مجتمعنا وبين المثلية الجنسية حاجز كبير، رغم وجود هذه الحالات بنسبة قد تكون عالية لو أتيح لها أن تعبّر بحرية عن نفسها، إلا أن هناك بَوْنا شاسعا بين الحرّية الفردية وبين التجيير السياسي لخلاف اجتماعي حول قضية حساسة كهذه.

من المتوقّع أن تواجه المثلية بالرفض في مجتمعنا العربي على خلفيات دينية وثقافية واجتماعية مركّبة. هذه الإشكالية لن تحل ببساطة ولا بـ"مظاهرة استفزازية" أو "مسيرة فخر" في هذه البلدة العربية أو تلك، مثل الدعوة لتنظيم مسيرة للمثليين في مدينة طمرة في الجليل، وحلها يأتي من خلال التغييرات الاجتماعية الاقتصادية، فهي من مميزات المجتمعات الصناعية الكبيرة، وقد تبقى نقطة خلافية ربما إلى مئات السنين.

المثلية منتشرة أكثر في المجتمعات المنفتحة في أوروبا وأميركا، وهي أقل انتشارًا في المجتمعات المحافظة، الأمر الذي أثار تساؤلات فيها، هل هي ظاهرة نتيجة تركيبة جينية ونفسية لمثلي الجنس ولا فرار به منها، أم أنها ممارسات ممكن اعتيادها أو النأي عنها بحسب الحرية التي يتيحها المجتمع؟ وهي إلى حد ما "حساسة" مثل قضية حرية المرأة في مجتمعنا ( مثل قضية ماراثون النساء في الطيرة وغيرها)، ولكنها أكثر حدّة لأنها تعتبر في نظر غالبية مجتمعنا "شذوذًا".

التوازن في هذه الحالة هو المطلوب، بين الحرية الشخصية وحساسية المجتمع تجاه القضية، والمطلوب هو عدم تضخيمها حتى الصدام بين هذه الشريحة وبين الآخرين من أبناء مجتمعها، لأن الضرر سيلحق بالطرفين. ممنوع فرض مفاهيم المجتمع الأوروبي المتقدم على مجتمع ما زال يناضل لمجرد الحصول على تراخيص بناء وصيانة مقدساته والحصول على حقوقه كشعب أمام وحش العنصرية، الذي لا يأبه لأية ميول جنسية ما دام صاحبها عربيا.

من ناحية أخرى، فإن إيذاء المثليين، جسديًا أو نفسيًا، مرفوض مثل رفض إيذاء أي إنسان آخر، لا شرعية لأي أذى، ويجب التعامل معهم كبشر لهم ميولهم الخاصة، كذلك فإن الركوب على الموجة المثلية واستغلالها سياسيًا مرفوض من أي جهة كانت، سواء كانت معها أو ضدها.

كذلك، على شريحة المثليين العرب - الذين لا نعرف أعدادهم -  أن يرفضوا بأن يكونوا مطية أو حربة بيد نظام عنصري ضد أبناء شعبهم، وعلى أبناء شعبهم أيضًا أن لا يحشروهم في الزاوية، وأن لا يرغموهم على اللجوء إلى السلطة العنصرية الغاشمة للاحتماء بها.