التوصية البائسة والموقف الصواب

التوصية البائسة والموقف الصواب

سليمان أبو إرشيد

اعتراف عضو الكنيست أيمن عودة بأن رسالة التوضيح التي بعثتها القائمة المشتركة لريفلين بخصوص استثناء نواب التجمع من التوصية، كشفت عن بؤس الموقف المتهافت الذي دفع به الثنائي المتنفذ في المشتركة، أحمد طيبي وأيمن عودة، والمتمثل بالانزلاق في دعم غانتس "شاء أم أبى".

فتوصية القائمة المشتركة بتكليف غانتس بتشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، شكلت كسرا للموقف التاريخي للأحزاب العربية في المستوى المبدئي، وتنازلا مجانيا متزلفا في المستوى التكتيكي، قوبل بعنجهية مستكبرة من قبل الموصى عليه/م، الذين تنكروا للموصين بهم وأنكروا أي تفاهمات أو طلبات أو اتصالات معهم، بل وصل بهم الأمر إلى حد الادعاء أن تلك التوصية تضر بهم (كاحول لافان) أكثر مما تفيدهم، وهو ما دفعهم، على ما يبدو، إلى الطلب من القائمة المشتركة إيضاح مسألة استثناء نواب التجمع من التوصية.

إزاء ذلك، هيهأت لمن يعتقد أنه يتمثل توفيق زياد وهو يقتبس إميل حبيبي من مصادره التوراتية الأولى، أن يطاول أيًا من الرجلين، لأن الأول لم يذهب للكتلة المانعة في عهد حكومة رابين، بغض النظر عن تحفظاتنا عليها، قبل أن يلمس تحولا إستراتيجيا في رؤية رابين وحكومته التي اعتمدت كليا على أعضاء الكنيست العرب، تجاه التعاطي مع الشعب الفلسطيني وقضيته وقيادته المتمثلة بمنظمة التحرير الفلسطينية، فيما كان التعامل بإيجابية مع قضايانا المدنية واليومية تحصيل حاصل هذا التحول، وهو ما ترجمته تلك الحكومة لاحقا في المستويين.

أما حبيبي، الذي لدينا عليه تحفظات من هنا حتى إشعار آخر، كما يقولون بالعبرية الفصيحة، فإنه وإن كان يناكف القوميين في موضوع "حجر الزاوية" والموقف من قرار التقسيم، فإنه كان يقصد بالاستعارة أولا، التشبه بالمسيح وليس التمسح بالتوراة، وكان مدفوعا، ثانيا، بغرور القائد المنتصر لنهج ظلم تاريخيا، أو هكذا اعتقد، وليس فردا في ثنائي مندفع دون هوادة نحو الأسرلة ومفتقر لأي رؤية تاريخية.

والحال كذلك، وبغض النظر عن هذا النقاش السياسي الذي اعترض النسخة الجديدة للمشتركة في بداية طريقها، فإن الدرس المستفاد هو ترسيخ مفهوم كون القائمة المشتركة هي قائمة انتخابية أولا، بمعنى أنها تشكلت لأغراض انتخابية على رأسها عبور حاجز نسبة الحسم، التي أراد من خلالها ليبرمان إسقاط بعض الأحزاب العربية وتقليص التمثيل العربي في الكنيست، عبر زيادة هذا التمثيل وتعزيزه وإحسان استغلاله.

ترسيخ هذا المفهوم دون الغرق مرة أخرى في وهم الشعارات الوطنية الكبيرة مثل "التحالف الإستراتيجي" و"الوحدة الوطنية" و"إرادة الشعب" وغيرها، والتي وإن كانت مفيدة في إيقاظ المشاعر الوطنية ودفع الناس للتصويت، فإن ضررها الكبير يبرز عند أول خلاف "مقاعدي"، كما رأينا في النزاع على تقاسم المقاعد في القائمة الانتخابية، أو سياسي كما نرى اليوم في الاختلاف حول التوصية على غانتس لتشكيل الحكومة.

هناك من لا يستوعب أن مسألة الخلاف والاختلاف والنقاش والصراع داخل قائمة انتخابية تحالفية هو أمر طبيعي وصحي وضروري في بعض الأحيان، بحكم تعدد الآراء والمواقف داخل هكذا إطار، ورفض هيمنة أحد المواقف أو الأطراف، والتزاما بحق كل طرف صغر أم كبر بالتعبير عن رأيه بالطرق الديمقراطية، ودون أن يمس ذلك بوحدة هذا التحالف.

ومن الجيد أن تستفيد النسخة الثانية للقائمة المشتركة من التجربة الأولى، حينما جرى قمع الخلافات والاختلافات بشكل لا إرادي، خوفا على وحدة المشتركة وحرصا على استمرارها، وما سببه ذلك من خمول وركود على الساحة السياسية، أفضت إلى حالة من الشلل في الحراك السياسي العام.

وما نشهده اليوم من اتهامات للتجمع بشق عصا الطاعة والخروج عن "أبوية" المشتركة، وما نسمعه من أصوات تصل حد المطالبة بـ"معاقبته" و"طرده" منها، لأنه أبدى موقفا مخالفا لموقف غالبية مركباتها في موضوع التوصية على غانتس، والتي كانت لتصل إلى مواصيل أخرى، لولا لطف الله وغانتس، والطلب الذي كشف عنه أيمن عودة مؤخرا.

عقلية الهيمنة والمخترة السياسية هي العدو الأول للقائمة المشتركة، وتزداد خطورة عندما تقترن بـسياسة "الأسرلة المجانية" التي يقودها الثنائي المتنفذ، وواجب التصدي لها يقع على عاتق نواب وكوادر كل الأحزاب دون استثناء لأنها تمس الجميع.