لتكن الذكرى العشرين لهبة القدس والأقصى مغايرة

لتكن الذكرى العشرين لهبة القدس والأقصى مغايرة

باسل غطاس

تحل غدًا، الثلاثاء، الذكرى التاسعة عشر لهبة القدس والأقصى، التي ارتقى فيها ثلاثة عشر شهيدًا برصاص قوات الأمن الإسرائيلية.

نقترب من مرور عقدين كاملين من الزمن نشأ خلالهما جيل كامل لم يشهد أحداث أكتوبر، ولم يعِ تلك الهبة. وبطبيعة الحال، كان هذا الجيل من سمات المرحلة ولكنه تأثر بها من عدة نواح، بدون أن يعي تأثره.

كتب كثيرون عن الهبة، وساهمت بمقال تحليلي واسع نشر في "عرب 48" في ذكرى الهبة عام 2012، لكن ما يعنيني اليوم محاولة قراءة أوضاع المجتمع العربي في الداخل في ضوء هبة القدس والأقصى ونتائجها وما تمخض عنها.

في تحليلي المذكور كنت قد أشرت إلى أن هذه الهبة تشير إلى أمرين جوهريين يعتبران تحولا هاما في الفكر والممارسة السياسية للعرب الفلسطينيين تحت المواطنة الإسرائيلية؛ الأمر الأول هو تعزز الهوية الفلسطينية الجامعة والانتماء وازدياد الخطاب القومي الديموقراطي نفوذا في تلك الحقبة (وكان هذا واضحا في إلقاء لجنة "أور" المسؤولية الشخصية عن الأحداث على عزمي بشارة، وهو أحد ثلاثةٍ حمّلتهم اللجنة مسؤولية التحريض)؛ أما الأمر الثاني، فهو ازدياد إيمان الناس، خاصّةً الأجيال الشابة، بالمواطنة بكونها رافعة لتحصيل الحقوق المدنية بالأساس، وأن رد الفعل الشعبي العارم ضد القتل بدم بارد واستخدام القناصة نبع أساسا من أخذ الناس خاصة الأجيال الشابة لمواطنتها بجدية ورفضها استمرار تعامل الشرطة معها كأعداء.

لكن أجهزة الأمن وخاصّة المخابرات ومعاهد الأبحاث ورسم السياسات لم تقرأ هذا الجانب وإنما فقط جانب تعزز نفوذ الخطاب القومي الجامع، وكذلك تعزز الخطاب الإسلامي.

قامت المؤسسة الإسرائيلية الأمنية والبيروقراطية والأكاديمية بعشرات الأبحاث والأيام الدراسية والندوات والورشات وفِي الكثير منها شارك قادة ومسؤولون عرب بهدف إعادة رسم سياسات المؤسسة الصهيونية تجاه العرب. وقد رُسِمَت ونُفِّذَت خلال هذين العقدين برامج وسياسات جدية لتحقيق أهدافٍ قديمة، تتمثّل في احتواء سياسي وأمني لعرب الداخل من خلال إستراتيجية تهميش وترييف ومحو للهوية الوطنية والقومية من ناحية، مع تحسين في مستوى حياتهم الاقتصادي.

هل يمكنا اليوم النظر في أحوال وأوضاع العرب المواطنين في إسرائيل، خاصّة في ضوء الانتخابات وتقييم تأثير انتفاضة القدس والأقصى واستشهاد ثلاثة عشر شابا برصاص الشرطة، مقابل تأثير السياسات والبرامج الحكومية عليهم؟

لنبدأ بالأرقام، فحسب معطيات "ركاز" - بنك المعلومات التابع لجمعية الجليل، فإن 37.4%؜ من العرب هم في عمر 18 عاما أو أقل، أي ولدوا بعد الهبة، ولم يتشكّل وعيهم بتأثير حاسم منها. نحن نتحدث هنا عن كل الطلاب العرب من جيل الحضانة وحتى الثاني عشر. ومع غياب أو ضعف المؤسسات العربية ذات الأجندة والقدرة على بناء الوعي والذاكرة الجمعية، وكذلك وسائل الإعلام العربية المستقلة وبرامج التعليم غير المنهجي الهادفة، مع استمرار هيمنة المناهج الرسمية المُهَجَّنة، يضع استمرار تأثير الانتفاضة الثانية الإيجابي بترسيخ الهوية الوطنية والانتماء القومي موضع الشك. واقتصار إحياء ذكرى الهبة على مراسيم إحياء ذكرى الشهداء وزيارة القبور ووقفات جماهيرية أو مظاهرة واحدة هو دليل على تلاشٍ واضمحلال تدريجي لمرحلة ما بعد انتفاضة القدس والأقصى وبدء مرحلة جديدة، لربّما عنوانها هو البحث عن الاندماج والتأثير والمشاركة في اللعبة السياسية وهذا يعني بالضرورة تجاوز (تناسي أو تجاهل) دروس ومغازي الانتفاضة، وأكثر ما يعبر عن هذه المرحلة الجديدة هو ما جرى ويجري من اندفاع نحو الأسرلة في خطاب وتصرف نخب وأحزاب وقطاعات مركزية من مجتمعنا.

هذا الواقع الجديد يضع تحديات كبيرة ومعقدة أمام الحركة الوطنية للوقوف سدا منيعا أمام موجة الأسرلة الداهمة والمعقدة وهي بطبيعتها أصعب من موجة التسعينيات التي أعقبت اتفاقيّات أوسلو، حيث أن هذه الموجة محركة وموجهة ذاتيا وهي نتيجة عمل المؤسسة في كي وعي الناس وترويضه بعد انتفاضة القدس والأقصى. ولهذا، فالوقوف في وجهها يتطلب من الحركة الوطنية استخدام وسائل وجهود غير تقليدية وعمل منظم ومنهجي لاسترداد المبادرة في صياغة الوعي وترسيخ الهوية.

أدعو لجنة المتابعة العليا للعمل على التحضير منذ الآن للذكرى العشرين للانتفاضة، وبناء برنامج غني وعصري متعدد المستويات ومجموعات الهدف هذا حق شعبنا علينا وكذلك أقل ما نقوم به نحو شهدائنا الأبرار.