هل لبّت المشتركة طموح جمهورها؟

هل لبّت المشتركة طموح جمهورها؟

سهيل كيوان

لا شك أن غالبية الجمهور الذي وصل إلى الصندوق ومنح صوته للمشتركة كان يدرك تمامًا ما الذي يريده منها، ويعرف بالضبط محدودية وسقف تأثيرها، ورغم ذلك، فهو أراد هذا القليل.

شعر الجمهور بأن بيبي نتنياهو جعل العرب في الداخل مهدوفًا ليس فقط لرفع رصيده الانتخابي، بل أنه ترجم هذا إلى واقع أيديولوجي من خلال "قانون القومية" ومكانة اللغة العربية وأخيرًا توجّهه باقتراح التبادل السكاني ضمن "صفقة القرن"، الذي يعني ترانسفير لمئات آلاف المواطنين العرب بصورة غير مباشرة.

موقف المشتركة الموصي على غانتس، منع بيبي نتنياهو من تشكيل حكومة ضيّقة برئاسته، ووضعه في موقف أضعف. هذا من الأهداف الرئيسة التي طمح الناخبون العرب إلى تحقيقها. ويبدو أن هناك نجاحًا حتى اللحظة.

الجمهور العربي عرف ويعرف أن معسكر غانتس وليبرمان ولبيد ويعالون وأشكنازي وهندل وغيرهم، ليسوا مستعدين للمراهنة على مصيرهم السياسي بإقامة حكومة ضيقة معتمدة على العرب، وأكثر من هذا، فالجمهور العربي يدرك كما تدرك المشتركة أن غانتس يستغلها في مفاوضاته مع الليكود كي يكون أقوى، ورغم ذلك فجمهور المصوتين العرب يتفهّم ويريد التوصية على غانتس، لأن البديل ليس سوى نتنياهو.

سؤال: ماذا لو أن المشتركة لم توص على غانتس؟ ما هو رد فعل الجمهور العربي؟

سوف يتساءل المصوتون العرب، لماذا دعوتم الجمهور بهذه الحماسة للذهاب إلى الصناديق، ما دمتم تريدون مسبقا أن تكونوا خارج لعبة الكنيست؟ هل كنتم تتوقعون حكومة برئاسة المشتركة؟ طبعا لا؟ وما فائدة وجود خمسة عشر نائبًا لا رأي لهم في قضية حاسمة؟ وإذا كان الهدف توصيل رسالة فقط، فممكن أن نوصلها بنائب واحد لا غير.

الجمهور توجّه إلى الصناديق بهذا الزخم، بعد أكثر من عقدين من الهبوط في نسبة التصويت، مدركا بالضبط وليس مُضلَّلا، ما هو السقف الذي ممكن وصوله من خلال الكنيست، ويدرك تمامًا أن المشتركة عاجزة أمام تيارات التطرف والضم عن إحداث تغيير جذري وعميق في خطوط السياسة الإسرائيلية العريضة، ولهذا فما يريده من المشتركة إنجازات متواضعة وعينية، ملحّة وقريبة المدى وتمسُّ حياته اليومية.

من المفارقات، أن تكون المشتركة هي العامل الحاسم الذي يدفع طرفي الصراع على السلطة إلى إقامة حكومة وحدة وطنية، بينما ستكون هي نفسها في المعارضة، إلا أن غانتس وجناحه سيكون مدينًا للمشتركة بوضعهم في موقف أقوى، وهذه الحاجة سوف تستمر حتى بعد قيام حكومة الوحدة الوطنية، ومن هنا تتوخى المشتركة تحسين المقابل الذي ينتظره جمهورها، وفي لغة اليسار الثوري "تحسين شروط الاضطهاد"، بالضبط، هكذا، ولا ينتظر من المشتركة أن تنجح في اقتلاع جذور الاضطهاد والتمييز والعنصرية التي ترتبط عضويًا بأساس وجود الدولة، ولكنه يطمح للتخفيف من غلواء العداء للعرب، وهذا يكون من خلال اقتراحات قوانين، ومن خلال عمل لجان الكنيست وبتنسيق بعض المواقف مع معسكر غانتس الموجود في حكومة الوحدة الوطنية أو مع أجزاء منه، وخصوصًا في شأن البيوت المهددة بالهدم وتخطيط البناء وحل قضية القرى غير المعترف بها في النقب، ومكافحة العنف والفقر وزيادة الميزانيات للمجالس البلدية وغيرها.

جميع من في المشتركة، يدركون أن غانتس وشركاءه لا يستطيعون إقامة حكومة أقلية معتمدة على العرب، لأن هذا يعني فقدانهم لشرعيتهم في الوسط اليهودي المحرَّض واليميني في أكثريته الساحقة، ولكن في الوقت ذاته، فإن إعلان غانتس ويعالون ورئيس الدولة بأن الصوت العربي لا يقل في وزنه عن الصوت اليهودي، وتلويح غانتس بحكومة أقلية مع العرب هو اختراق لحاجز وجدار التهميش المزمن، وينقل الصوت العربي إلى مرحلة التأثير، وهذه سابقة لها صداها داخل الكنيست وخارجها.

هذا لا يعني أن مطالب المشتركة ستقابل بموافقة تلقائية من معسكر غانتس، ولكن بلا شك أن هناك ما جرى الاتفاق عليه وممكن تطبيقه، والجمهور يعرف الصعوبات، ويعرف عمق العنصرية المتغلغلة في جميع الأحزاب الصهيونية، ولكن ما دام أن للعرب الحق في التصويت، فمن الواضح أن الجمهور العربي يطمح لاستثمار هذا الميدان، والدليل هو ارتفاع نسبة إقباله على التصويت.

أما بالنسبة بموقف التجمع الوطني الديمقراطي، فالجمهور في غالبيته قدّر التزامه بموقف الأكثرية في المشتركة، ولو أن التجمع لم يلتزم بقرار الأكثرية، لأدى هذا إلى اتهامه بإفشال وإحباط جهود المشتركة، وإلى أنه منح نتنياهو طوق نجاة، بل وتآمر معه، وسيتحمّل التجمع بعدها مسؤولية كل عملية هدم أو كل قانون عنصري قادم في الطريق، ليس فقط من الجمهور العربي العام، بل ومن حلفائه في المشتركة الذين سيتهمونه في إحباط مساعيهم لخدمة المجتمع العربي.

الجمهور العربي مسيّسٌ جيّدا، ويعرف أن معسكريّ غانتس ونتنياهو متفقان في القضايا السياسية الأساسية المتعلقة في الشأن الفلسطيني والعربي العام، ويعرف أن الفروق ليست جوهرية بين جميعهم، ولا ينتظر حلا للقضية القومية الفلسطينية عن طريق الكنيست، ولكنه يتوقع من المشتركة وبحق حل قضايا حياتية يومية تحسن وضعه المعيشي وتدعم صموده وبقائه في وطنه.

في المقابل، النضال الشعبي الذي يُفترض أن يكمّل العمل البرلماني حتى يتحول إلى بديل عنه، أو يوازيه في الزخم على الأقل، يعاني تراجعًا كبيرًا لأسباب موضوعية كثيرة، وعلى رأسها القيادة المحلية التي جعلت من الكنيست والبلديات مركز الثقل في نضال الجماهير العربية، إضافة إلى ما يجري في العالم العربي من عدم استقرار وتفكك وتهجير قسري ومآسٍ وقمع للمطالبين بالحرية وسرقة للثورات وخلافات حول مصداقيتها، والهرولة نحو التطبيع، وواقع الانقسام الفلسطيني المحبِط، وميل المزاج العالمي كله إلى اليمين الشعبوي، كل هذه العوامل جعلت من المشتركة عنوانا لدى أكثرية الجماهير العربية لتلبية بعض طموحاتها. فهل نجحت المشتركة في ذلك؟ ننتظر ونرى.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"