السلطة والعزل: أين سقطت إنسانيتنا في مواجهة كورونا؟

السلطة والعزل: أين سقطت إنسانيتنا في مواجهة كورونا؟

جمال مصطفى

"إن المهمة الأولى أمام الطبيب سياسية: أي أن الكفاح ضد المرض يجب أن يبدأ بحرب ضد الحكومات السيئة: فالإنسان لن يشفى بالكامل وبشكل نهائي إلا إذا تحرر. من عليه أن يفضح الطغاة أمام الجنس البشري، إن لم يكن الأطباء، الذين يجعلون من الإنسان درسهم الوحيد؟ وإذا عرف الطب كيف يكون مجديًا من الناحية السياسية، فلن يعود ضروريًا من الناحية الطبية". (1)

(ميشيل فوكو، ولادة الطب السريري)


يوقظنا زمن فيروس كورونا من أحلام اليقظة هذه، فجميعنا، بشكل منفرد، نلتزم أكثر من أي وقت مضى بالتعليمات، وننصاع بشكل شديد الغرابة لأوامر أجهزة الدولة؛ تلك الأجهزة التي نعلم جيدًا، من خلال زمن ما قبل الفيروس، مدى قابليتها للقمع. لكننا الآن نقبل الأوامر، دون التفكير بها، وبمصدر الأزمة وسبب انتشارها بهذا الشكل السريع والمخيف.

لا أطرح هنا آلية رفض للتعليمات، ولا أدعو لعدم الانصياع إليها، بقدر ما أطمح إلى القول، ببساطة، إن زمن فيروس كورونا هو امتحان آخر تفشل إنسانيتنا في مواجهته.

في البداية، تفرض الدولة التعليمات، مستهترة بشكل ضمني، بإمكانية التزام الجميع بها، وتقوم بإرفاق عقاب سيلقاه كل من يقوم بالخرق، أو بالخروج عن الصف العقلاني لهذا العالم. وهي، في شموليتها هذه، تُماثِلُ الوباء في عدم اكتراثه بجنس الإنسان وعمره وحياته الاجتماعية أو هويته. وكانت المفارقة، في قدرة الدكتاتوريات على إلزام الناس بالعزل، وضبط حركتهم، بنجاعة أكبر من غيرهم، من أجل القضاء على الفيروس.

إن المسألة لا تبدأ من هنا، فجميع أزمات العالم تُدار بالمنطق نفسه، الذي يقوم على احتكار صُنّاع الأزمة لطرح الحلول، وإلزام الجميع بتعليماتهم هم. وفي المقابل، كان صمتنا وتواطؤنا الجماعي، السبب الرئيس في وصولنا إلى هنا، إلى أن نسجن أنفسنا في بيوتنا، ونبتعد عن الحياة وما نحب، حتى نعيش بشكل مجرّد. تمامًا كما يحاول السجان أن يصنع إنسانًا جديدًا لا يحمل إلا الحد الأدنى من إنسانيته، التي تضمن الإجابة على الأسئلة والتنفس.

إن هذه الأزمات تصبح أكثر وضوحًا كلما اتسع مدى الرؤية، وكبرت البقعة التي نعاين من خلالها معناها. أي أن الأزمات الإنسانية لا تنحصر في ضرر سيلحق بصحّة الانسان، كونها شيئا مشتركا نحتاجه جميعا لكي نعيش - وها نحن اليوم نجاهد في سبيل الحفاظ عليها - بل إنني أقصد الاستعمار بصفته أزمة إنسانية، والمجاعة والبطالة، وضبط تفكير الإنسان وتحديد خياراته. بالمناسبة، جميعنا الآن لاجئون في بيوتنا. لكن هل علينا أن نحمد الله والدولة على نعمة البيت؟ وإن حمدناهم، ماذا سيقول عنا، وعنهم، من يمارس العزل داخل السجن، أو من يمارسه في الشارع؟ أو من عنّفها ذكور عائلتها قبل تعميم تعليمات العزل؟ أو من سيموت جوعا إذا لم يخرج للعمل؟

يعود بنا فوكو في كتابه "ولادة الطب السريري" إلى القرن الثامن عشر (2)، عندما كان هذا الشكل من اقتحام السلطة لحياة الناس قيد المأسسة، أي دور السلطة في محاصرة الوباء، وبالتالي محاصرة المريض؛ فإن دور الطبيب لا يحمل أهمية حقيقة، إلا إذا تلاه "تدخل ثابت وإلزامي" من الإدارة الأمنية "مهمتها مراقبة المناجم والمقابر، والتوصل قدر الإمكان إلى حرق الجثث بدل دفنها، ومراقبة الخبز والنبيذ واللحوم، وتنظيم العمل في المسالخ والمدابغ، وحظر السكن غير الصحي"؛ كما دراسة حياة الناس، وإعطاء تعليمات حول آداب المأكل والملبس. و"ينبغي أن تكون هذه التعليمات في منزلة الصلوات، حيث يقدر الأكثر جهلا والأطفال على حفظها". بينما نحن، في زمن فيروس كورونا، نتلقى رسائل على أجهزتنا الذكية، إثر مراقبة أجهزة المخابرات لنا، لكي تأمرنا بالذهاب إلى الطبيب، بعد تواجدنا في مكان سبقنا إليه شخص ما أصابه فيروس كورونا. يتم هذا في إسرائيل مثلا، بعد إضفاء الشرعية القانونية على مراقبة أجهزة المخابرات لهواتفنا وتحركاتنا.

وهنا قد يعود بنا البعض إلى نقطة البداية، من خلال السؤال البديهي، الذي بات يُطرح بصيغة بريئة يستتر خلفها موقف وخطاب يهدفان نزع شرعية الرفض لهذا الواقع السياسي والاجتماعي، وهو: ما البديل لهذا كله؟ إنه ذات السؤال الذي طرحه النهج المحافظ على الجيل الشاب عندما انتفض في وجه الأنظمة وسلطة الطغاة. وهنا، فإنني غير معنيّ بتقديم الإجابة لهم، بل بتعميم الرفض لهذا الواقع، وليس للتعليمات، والتفكير ببناء مستقبل يضمن الحياة والعيش بكرامة من دون تعارض بينهما.


(1): ميشيل فوكو: ولادة الطب السريري، الفصل الأول، صفحة 61. ترجمة المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسيات (2019).

(2): المصدر نفسه، صفحة 51.