التوصية والتبرير.. عُذر أقبح من ذنب

التوصية والتبرير.. عُذر أقبح من ذنب

سليمان أبو إرشيد

التبريرات التي وردت على لسان قادة القائمة المشتركة بعد اتفاق الجنرال غانتس على تشكيل حكومة وحدة صهيونية مع نتنياهو، هي عذر أقبح من الذنب الذي اقترفوه بالتوصية على الأول لتشكيل الحكومة، رغم إدراكهم المسبق، ليس بأنه مجرم حرب فقط، بل بنيته استخدام هذه التوصية لتحسين شروط دخوله لحكومة وحدة صهيونية مع نتنياهو.

لا تخفف من وطأة ذلك محاولات قادة المشتركة في إيجاد العزاء لأنفسهم، بأن الجنرال غانتس "خان" أيضا شركائه في "كاحول لافان" وسائر المعسكر الذي تزعمه، عندما هرول وحيدا باتجاه نتنياهو، لأن النتيجة كانت لتكون واحدة فيما لو ذهبت لهذه الحكومة "كاحول لافان" بجميع مركباتها أو ببعضها، ولو تشكلت تلك الحكومة مع نتنياهو أو مع خليفته، مثلما كان يرغب بعض شركاء غانتس، لأن ذلك عبارة عن تفصيلات وخلافات تكتيكية داخل المعسكر الواحد.

لقد جاء اعتراف الجنرال غانتس، في أحاديث مغلقة مؤخرا، بأن الحكومة المقلصة لم تكن إمكانية واردة في حسابات "كاحول لافان"، ليؤكد ما كان معلوما قبل التوصية، أنه إضافة إلى موقف غانتس ولبيد المبدئي الرافض لإقامة حكومة تعتمد على أصوات العرب، فإنهما لا يمتلكان أيضا أغلبية 61 عضو كنيست لدعم حكومة كهذه بعد انسحاب أورلي ليفي – أبيكاسيس وإعلان هندل وهاوزر عن عدم نيتهما دعمها.

إن القيادة السياسية التي تمتلك الجرأة لاتخاذ المواقف الإستراتيجية والتكتيكية في مختلف الظروف السياسية وأكثرها تعقيدا، والتي ستحظى حتما بتصفيق الناس إذا أصابت، يجب أن تمتلك الجرأة أيضا للاعتراف بأخطائها واستخلاص النتائج المترتبة عليها أيضا، لا إجادة تبرير الأخطاء وتسويغها وتحويل الهزيمة إلى "انتصار" كما يحدث مع كل قياداتنا العربية.

كما أن المسؤولية يجب أن تكون مضاعفة على من يفترض أنه السد الأخير في وجه حالة الانهيار، ومن أوكل إليه صيانة وحماية البوصلة الوطنية مثل "التجمع الوطني الديمقراطي"، خاصة بعد أن أثبتت الأحداث صحة موقفه الرافض للتوصية في المرة الأولى، والذي عوضا عن التمسك بالموقف الصحيح عجزت قيادته عن الصمود أمام حالة الانزلاق فـ"لبس قبعة ولحق ربعه" كما يقولون.

غريبا كان إصرار بعض قادة المشتركة بالتوصية على غانتس دون أن يبدي الأخير أي ندم على جرائم الحرب التي ارتكبها ضد شعبنا، بل فاخر بها خلال حملته الانتخابية، وغريبة كانت تلك المقارنات التاريخية غير الواقعية التي أجراها البعض لتبرير ذلك، ولم تكن غريبة النتيجة المختلفة في كلتي الحالتين، حالة دعم جنرال سابق (رابين) اعتمد على أصوات العرب لضمان شرعية حكومته وعقد "معاهدة سلام" (بغض النظر عن انتقاداتنا عليها) مع من كان يعتبره الإسرائيليون، في حينه، رئيس منظمة إرهابية (عرفات)؛ وحالة جنرال سابق استفاد من توصية العرب للدخول في حكومة وحدة صهيونية مع نتنياهو، سيكون هدفها الأول، على ما يبدو، تنفيذ "صفقة القرن" التي تستهدف تصفية القضية الفلسطينية.

الغريب أيضا أن غانتس لم يطلق أية إشارات تفيد بحدوث أدنى تحول في مواقفه السياسية التي جعلته يمارس جرائم الحرب التي ارتكبها ضد شعبنا، بل أكد مرة تلو الأخرى موقفه المعادي لتطلعات شعبنا إلى جانب تعبيره عن رفضه لأي حكومة يدعمها أعضاء الكنيست العرب، كما أن قادة المشتركة كانوا يعلمون أن التوصية لن تقلب المعادلة السياسية وأنها لو نجحت في تغيير نتنياهو في أحسن الأحوال، فإنها ستقود إلى حكومة وحدة صهيونية مع خلفه، بينما ستضع نتنياهو في أسوئها، على رأس حكومة وحدة تجمع اليمين الديني الاستيطاني والجنرالات، كما هو حاصل اليوم، ما يعني أنها ستكون حكومة حرب واستيطان.

وما تمسك غانتس بحقيبة الأمن، التي كانت معدة لأشكنازي، عوضا عن الخارجية وتخلي الأخير عن حقيبة الخارجية، على أهميتها، لصالح حقيبة اجتماعية، مثل الصحة، سوى مؤشر على أن الأمن وليس السياسة هو ما سيحتل أولويات حكومة نتنياهو- غانتس القادمة، التي لن يدرج على أجندتها سوى خطوات سياسية من طرف واحد، مثل ضم الأغوار أو غيرها تنفيذا لبنود "صفقة القرن".

ومن نافل القول إن الذين أوهموا الناس بإمكانية إعادة عجلة التاريخ الإسرائيلي إلى عهد الاتكاء على أعضاء الكنيست العرب، ووظفوا أصواتهم لتعزيز مكاسب مجرم الحرب غانتس في إطار حكومة الوحدة الصهيونية التي يرأسها نتنياهو، يجب أن يستخلصوا النتائج!!

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"