المقدسيون بين تأسرل مستحيل وفلسطنة محجورة

المقدسيون بين تأسرل مستحيل وفلسطنة محجورة

د. وليد سالم

أظهرت فترة جائحة الكورونا أزمة المقدسيين بشكل لا نظير له، بما هي أزمة مركبة يجتمع فيها خيار التأسرل المستحيل الحدوث، والفلسطنة المحجورة، أي الممنوعة من أن تأخذ أشكالًا تمثيلية وتعبيرية تظهرها.

التأسرل بالنسبة للمقدسيين كان خيارا موهوما منذ بداية الاحتلال عام 1967. وعلى عكس فلسطينيي 1948 الذين فرضت عليهم الجنسية الإسرائيلية منذ عام 1948، فإن هذه الجنسية لم تفرض على المقدسيين عام 1967، حيث قامت إسرائيل بضم الأرض ولم تضم السكان، بل وتعاملت معهم على أنهم "مواطنون أردنيون مقيمون في أرض إسرائيل ".

افترض بعض فلسطينيي 1948 أن فرض الجنسية الإسرائيلية عليهم وهو المعبر الأساس عن الأسرلة يعني إمكانية التأسرل كخيار، بمعنى الاندماج في الدولة الإسرائيلية سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيا، وبناءً على هذا الافتراض الواهم انضم البعض منهم للأحزاب الصهيونية وصوتوا لها، وراح بعضهم يكافح من أجل المساواة في الحقوق وكأن ذلك ممكنا في إطار بنية استيطانية استعمارية، وقد وصلت هذه المحاولات لتحقيق المساواة إلى نهاية طريق مع صدور "قانون القومية" عام 2018 الذي عرف دولة إسرائيل بدولة "الشعب اليهودي" وبالتالي حصر الحقوق القومية والجماعية على اليهود، وفي المقابل جعل حقوق الفلسطينيين داخل إسرائيل لا تتعدى مرتبة الحقوق الفردية فحسب، كما ألغى مكانة اللغة العربية. وإلى جانب "قانون القومية" صدرت قوانين أخرى في نفس الفترة مثل "قانون منع إحياء النكبة" وغيره، وبهذا وصل دعاة التأسرل في الداخل إلى جدار مسدود.

الحال في القدس الشرقية هو أسوء من ذلك، فلا الأسرلة تمت بما هي تجنيس عام 1967، وذلك خوفًا من العامل الديمغرافي الفلسطيني، ولكن في المقابل ساد وهم عند البعض أن التأسرل ممكن عبر التوجه للحصول على الجنسية الإسرائيلية، وبعد حصول حوالي 13 ألف مقدسي عليها حتى عام 2013، اكتشف هؤلاء أن الجنسية الإسرائيلية لم تجعلهم متساوين في الحقوق مع اليهود، بل جعلتهم أشباها لفلسطينيي 1948 في انعدام الحقوق الجماعية والاقتصار على حقوق فردية لا غير لهم داخل "الدولة اليهودية ".

أما غالبية المقدسيين فقد فرضت عليهم حالة "الإقامة" (مقيم أردني في أرض إسرائيل) كما جرى تعريفهم إسرائيليا، وهو تعريف تعرض للتجريف والنزول عن سقفه في السنوات الأخيرة، حيث بات بعض من يتوجهون إلى وزارة الداخلية لتجديد وثيقة السفر يكتب لهم في خانة الجنسية كلمة "غير مصنف" بدل كلمة أردني التي كانت تكتب مقابل ذات الخانة لهم سابقا.

وفي زمن الكورونا، اتخذ واقع انعدام الجنسية المعترف بها هذا طابعا دراماتيكيا، حيث منع المقدسيون حاملو وثيقة السفر الإسرائيلية التي تعرفهم كمواطنين أردنيين أو كغير مصنفين من العودة إلى القدس عبر مطار اللد، والذي كانوا يسافرون من خلاله قبل فترة جائحة كورونا، وأعيدت أعداد منهم إلى بلدان عدة عادوا منها بمجرد وصولهم إلى مطار اللد بمن في ذلك أناس أعيدوا إلى الولايات المتحدة الأميركية، وقيل لهم أن الأولوية في الدخول هي للإسرائيليين وليست لهم، ولا زالوا عالقين في منافيهم الكورونية بانتظار الفرج. وفي ضوء وضع الجائحة صارت تطلب السلطات الإسرائيلية منهم أيضا إحضار تأشيرة من السفارات الإسرائيلية في الدول التي سافروا إليها كشرط لعودتهم عبر مطار اللد، وهي تأشيرة يصعب الحصول عليها حيث لا يمكن الحصول عليها سوى بعد شراء تذكرة سفر يكون موعدها بعد ثلاث أسابيع إلى شهر من تقديم طلب تأشيرة العودة كما تطلب منهم السفارات، التي تقول لهم إن تأشيرات العودة تستهلك وقتًا للنظر فيها وإقرارها، وإن عليهم الانتظار والبقاء في منافيهم لحين حصول تلك الموافقة. غريب جدا هذا أن تحتاج لطلب تأشيرة للعودة إلى بلدك وأن طلب التأشيرة يحتاج وقتًا للنظر فيه. وللمقدسيين الحق في الظن بأن هذا الإجراء الجديد بذريعة الكورونا قد يمتد إلى ما بعدها كأسلوب جديد من التنكيل بهم حيث لا ضمانة إن خرجوا من مطار اللد أن يعودوا عبره إلا بعد الحصول على تأشيرة أخرى للعودة.

إذن، فإن خيار التأسرل هو خيار مقفل تمامًا أمام المقدسيين، ورغم أن بعض الحاصلين على الجنسية الإسرائيلية قد فعلوا ذلك ضمن اجتهاد حسن النوايا مفاده أن الحصول على الجنسية الإسرائيلية ربما يكون الوسيلة الوحيدة لحفظ وجودهم في المدينة ومنع طردهم وسحب هوياتهم المقدسية. إلا أن الواقع المقابل يقول إن الحصول على الجنسية الإسرائيلية لن يحميهم بدوره من الترحيل إن أرادته إسرائيل، وفي هذا الإطار نجد اليوم أصواتا متصاعدة داخل إسرائيل تدعو لترحيل فلسطينيي الداخل إلى خارج إسرائيل، كما أن "صفقة القرن" قد تضمنت جزءا يتعلق بنقل فلسطينيي منطقة المثلث إلى مناطق السلطة الفلسطينية، وهو ما دعا له أفيغدور ليبرمان في السابق أيضا. هذا، وتتضمن "خطة القرن" تخيير المقدسيين بين الحصول على الجنسية الإسرائيلية أو الانتقال إلى مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، أو البقاء في القدس ضمن حالة مقيم معرضة للتراجع عنها وسحب الهوية المقدسية في أي وقت من قبل إسرائيل.

مقابل التأسرل المستحيل والموهوم فإن فترة الجائحة قد بينت أن الغالبية العظمى من المقدسيين هم فلسطينيو الانتماء قولًا وفعلًا، وذلك رغم كل إهمال السلطة الوطنية الفلسطينية لهم ولقضاياهم، فقد تحمل اتحاد المستشفيات المقدسية المسؤولية وقام بترتيبات ومبادرات لمواجهة الجائحة، وتأسس "التجمع المقدسي لمواجهة الكورونا" وضم بين صفوفه 82 مؤسسة مقدسية، وقام التجمع بنشاطات كبيرة، وقام القطاع الخاص الفلسطيني بتخصيص فندق "السان جورج" لإقامة الحالات التي هي بحاجة إلى حجر صحي، كما أنشأ موقع مدد الإلكتروني لتقديم الوجبات للعائلات المحتاجة، وقامت الأوقاف الإسلامية والمسيحية بإعفاء المستأجرين من الإيجارات لهذا العام، وغيرها من المبادرات التي تعير عن هوية انتماء فلسطينية أصيلة. وإضافة لهذه المبادرات كانت هنالك أخرى واجهها الاحتلال واعتقل ونكل بالقائمين عليها حيث اعتقل شبابا مقدسيين لمجرد قيامهم بتعقيم مدخل باب العامود والبلدة القديمة، واعتقل آخرون لقيامهم بتوزيع نشرات توعية حول مرض الكورونا وهكذا.

في ظل إهمال سلطات الاحتلال لمواجهة الكورونا في القدس الشرقية سواء من حيث قلة الفحوصات التي أجريت وقلة العناية على كل المستويات، انتهجت هذه السلطات طريقتين: فمن جهة سمحت للمقدسيين بالتعويض من مالهم ومن جهودهم عن فشلها في تقديم الخدمات، وذلك رغم أنها ملزمة بذلك وفق القانون الدولي، وحيث أن المقدسيين مجبرين منها على دفع الضرائب، ولكنها تسرق الجزء الأكبر مما يدفعونه وتصرفه في الجزء الغربي من المدينة. ومن جهة أخرى فهي تمنع أي تعبير فلسطيني في المدينة حتى ولو كان لمعالجة قضية الكورونا بما هي قضية حياة أو موت.

المقدسيون إذن هم مواطنون فلسطينيون فخورون بمواطنتهم ويبذلون الغالي والرخيص من أجلها، ولكن هذه المواطنة تحجر تعبيراتها من قبل سلطات الاحتلال. وقد جاءت تجربة جائحة كورونا لتظهر هذا المعدن للمقدسيين مجددا في تلاحمهم وتواصلهم وتراحمهم، تمامًا كما برز ذلك في مناسبات سابقة منها معركة الدفاع عن الأقصى عام 2017. هذه العبرة بات يجب أن يتم فهمها بعمق من كل الفلسطينيين حتى يتم البناء عليها من أجل توحيد كفاح شعبنا كله مع بعضه البعض في بوتقة واحدة.