الأخلاقيات البيولوجية لمكافحة الجائحة

الأخلاقيات البيولوجية لمكافحة الجائحة

جوديت ساندور

منذ انتشار فيروس كورونا المُستجد "سارس كوف 2" من الصين إلى معظم دول العالم في شهري شباط/فبراير وآذار/مارس الماضيين، أصبحنا جميعًا مشاركين تدريجيًا في كتاب المُعضلات الأخلاقية. بداية، طرحت جائحة كوفيد 19 سؤالاً حاسمًا على أنظمة الرعاية الصحية المثقلة، وهي كيف يمكننا الاستمرار في رعاية المرضى بطريقة آمنة وعادلة وفعالة. والأمر المثير للقلق أن الأزمة لم تسلط الضوء على عدم استعداد السياسيين وأنظمة الرعاية الصحية فحسب، ولكن، أيضًا، على فشلنا في تطوير المعايير الأخلاقية المُناسبة.

أثناء انتشار الوباء، طبّقت العديد من الحكومات بشكل سريع بروتوكولات طبية واجتماعية عكست الإجراءات الصارمة للسلطات الصينية. حتى بداية هذا العام، سعت البلدان الغنية للوصول إلى أدوات الرعاية الصحية الجديدة مثل الروبوتات والذكاء الاصطناعي، أو كيف يمكن للدولة أن تمول تقنيات التلقيح الاصطناعي المُساعدة على الإنجاب. ولكن في غمضة عين، تبنّت أنظمة الرعاية الصحية الخاصة بها أخلاقيات النفعية بشكل مفاجئ ودون تردد - ليس فقط من خلال إجراء فرز شديد في وحدات العناية المركزة (ICUs)، ولكن أيضًا من خلال رفض تقديم مجموعة من الخدمات الطبية الأخرى التي تشتد الحاجة إليها.

تحتوي الكتب الأخلاقية على العديد من المعضلات الفلسفية، ما يجعل الناس يتساءلون عن أخلاق تطبيق الحسابات النفعية دائمًا على حياة الإنسان. واحدة من أكثرها شهرة صيغت من قبل الفيلسوفة البريطانية فيليبا فوت، التي افترضت أن ثمة ترامًّا خارج السيطرة يندفع نحو خمسة أشخاص مربوطين بقضبان. من خلال استخدام آلة التحويلات، يمكنك تحويل الترام إلى مسار آخر وإنقاذ حياة هؤلاء الأشخاص الخمسة، ولكن الترام حتما سيقتل شخصًا واحدًا على هذا المسار. ماذا يجب أن تفعل؟

استنادًا فقط إلى النتيجة الحسابية للخيار، ربما يعتقد الكثيرون أن الشيء الصحيح الذي يجب القيام به هو التدخل والتضحية بحياة إنسان واحد من أجل إنقاذ خمسة آخرين. ومع ذلك، في هذه المعضلة وفي الحياة الواقعية، ألا ينبغي لنا أيضًا أخذ القيم الأخرى بعين الاعتبار؟

في النهاية، تضع جائحة كوفيد 19 المهنيين الصحيين في مواقف مأساوية لم يسبق لهم مواجهتها. وإذا لم يكن هناك ما يكفي من العاملين الصحيين أو أجهزة التنفس الصناعي أو أسرّة في المستشفيات، فغالبًا ما تكون هناك حاجة إلى تصنيف المرضى وترتيب أولوياتهم لتحديد من يتلقى (أو لا يتلقى) الرعاية وفي أي مكان.

في منتصف شهر آذار/مارس، أصدرت الكلية الإيطالية للتخدير والتسكين والإنعاش والعناية المركزة (SIAARTI) توصيات لتخصيص علاج العناية المركزة لمرضى كوفيد 19، والتي تشمل، في أسوأ الأحوال، الالتزام بمبدأ الرعاية على أساس "من يأتي أولًا تُسدى له الخدمة أولًا" عندما لا تتوفر المزيد من موارد وحدات العناية المركزة. وفي شهر نيسان/أبريل، أصدرت الغرفة الطبية المَجَرية سلسلة من إرشادات الفرز النفعية في الغالب والتي تركز على إنقاذ المزيد من الأرواح وإعطاء الأولوية للمرضى الذين لديهم فرصة أكبر للتعافي بعد توفير العلاج المكثّف.

تُعد القضايا المتعلقة بعلاج المرضى غير المصابين بفيروس كورونا المُستجد أكثر تعقيدًا. لا توفّر المعايير الأخلاقية الحيوية الحالية سوى مساعدات قليلة أو منعدمة، وغالبًا ما يتم نسيان هذه المجموعة من المرضى. في 7 نيسان/أبريل، على سبيل المثال، أمرت الحكومة المجرية مستشفيات البلاد بإخلاء ما يصل إلى 60٪ من أسِرتها لاستقبال مرضى كوفيد 19. ولكن مع استمرار انتشار الوباء، قد ينتقل المواطنون الآخرون الذين لم تشكل أمراضهم في البداية تهديدًا إلى فئة المُعرضين لخطر الإصابة.

لم يتم تدريب أطرنا الأخلاقية الحالية لمواجهة الأوبئة - وهذا واضح للغاية. على مدى العقود القليلة الماضية، ركّزت الأخلاقيات البيولوجية على التقنيات الجديدة، مثل التدخل الجيني والبنوك الحيوية وتحرير الجينات والإنجاب الاصطناعي. في الواقع، تُشير المجموعة الأكثر شمولًا والملزمة قانونًا للمعايير الأخلاقية البيولوجية الأوروبية (اتفاقية أوفييدو التي اعتمدها مجلس أوروبا في عام 1997) إلى أن "مصالح ورفاهية الإنسان يجب أن تسود على المصلحة الوحيدة للمجتمع أو العلم". ولكن في ذلك الوقت، كان واضعو الاتفاقية أكثر اهتمامًا بالاستنساخ والعلاج الجيني من انشغالهم بتفشي الأمراض.

ولعلّ المادة 3 من الاتفاقية هي الأكثر قابلية للتطبيق اليوم: "يتعيّن على جميع الأطراف... اتخاذ التدابير المناسبة بهدف توفير الوصول العادل إلى الرعاية الصحية ذات الجودة المناسبة في إطار نظامهم القضائي"، لكن على الرغم من أهميته، لا يجيب هذا المبدأ على السؤال الصعب الذي يتعلق بما يجب فعله عندما يكون هناك نقص مفاجئ في الموارد الطبية، كما هو الحال الآن.

وفي هذا الصّدد، أصدر كل من معهد هاستينغز الأميركي ومجلس نوفيلد لأخلاقيات البيولوجيا في منتصف شهر آذار/مارس مبادئ توجيهية أخلاقية للاستجابة لجائحة كوفيد 19. وفقًا لتقرير مجلس نوفيلد، يجب أن تكون تدابير الصحة العامة متناسبة وقائمة على الأدلة، كما ينبغي أن تُقلل من الإكراه والتدخل في حياة الناس، وتُعامل الناس على أنهم متساوون أخلاقيًا. بالإضافة إلى ذلك، يجب إطلاع الشعب على هدف التدخلات والمعرفة العلمية والقيم والأحكام التي تستند إليها.

وفي 14 نيسان/أبريل، أعلنت لجنة أخلاقيات البيولوجيا التابعة لمجلس أوروبا أنه حتى في سياق الموارد المحدودة، يجب أن يكون الحصول على الرعاية الطبية عادلًا. علاوة على ذلك، يجب إتباع المعايير الطبية لمنع التمييز ضد الفئات الضعيفة، مثل الأشخاص ذوي الإعاقة وكبار السن واللاجئين والمُهاجرين.

سوف تنشأ واحدة من أهم التغييرات الأخلاقية أثناء الوباء من الحاجة إلى استكمال الأنظمة الطبية التي كانت تركز في السابق على المريض من خلال ما يسمى بالرعاية العامة. بدلاً من الحديث عن "صحتي"، يتعين علينا التحدث عن "صحتنا جميعًا".

من المؤكد أن العلاقة بين الطبيب والمريض ستستجيب باستمرار للمعايير الأخلاقية الأساسية مثل إطلاع المريض على المعلومات التي يحتاجها وحمايته من الأذى والحفاظ على الولاء والسرية. لكن بالإضافة إلى ذلك، يجب أن يكون هناك تركيز أكبر على وجهات النظر المجتمعية المشتركة في ما يتعلق بتوزيع الموارد الطبية المحدودة مقارنة بما حدث حتى الآن.

لا يمكننا تجاهل المبادئ الأخلاقية البيولوجية الأساسية بسبب حالة الذعر الناتجة عن تفشي فيروس كوفيد 19. فقط من خلال الحفاظ على العلاقة بين الطبيب والمريض والتزاماتنا تجاه المجتمع ككل، يمكننا ضمان عدم إضاعة الجهود البطولية التي يبذلها العاملون في مجال الصحة، فضلا عن الحفاظ على السلامة الأخلاقية للمشاركين. بعد كل شيء، بمجرد انتهاء الجائحة، سوف نواجه بعضنا البعض بشكل مباشر، وليس فقط من خلال الشاشات.


الكاتبة هي أستاذة ومديرة مركز الأخلاق والقانون في الطب الحيوي بجامعة أوروبا الوسطى، وتنشر بالتعاون مع موقع "بروجيكت سنديكيت".

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص