كورونا: كيف أعادت إسرائيل إنتاج ذاتها في وعي فلسطينيي الداخل؟

كورونا: كيف أعادت إسرائيل إنتاج ذاتها في وعي فلسطينيي الداخل؟

جمال مصطفى

بين انتظار الناس لسماع التطورات والتعليمات بشأن فيروس كورونا من خلال خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، وارتباط نجاعة جهاز الصحة بفاعلية أجهزة الأمن والشرطة والجيش، اجتاحت إسرائيل حيز الإنسان الفلسطيني الخاص، من خلال التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، ومن خلال تواجد عناصر الجيش والشرطة بين الناس في البلدات العربية، عبر توزيع مئات آلاف الطرود الغذائية، أو عبر لقاء ضباطها برؤساء سلطاتنا المحلية. لقد عادت إسرائيل إلى ذهن فلسطينيي الداخل ضمن دور الناظم لحياتهم كمواطنين في الدولة، بشكل أقوى من أي وقت مضى في ظل وباء فيروس كورونا.

تنطلق هذه المقالة من واقع الفلسطينيين في الداخل، المرتبط عضويًا بمؤسسات دولة إسرائيل، بحكم مواطنتهم في الدولة. ولأن كانت هذه المواطنة تخضع للتناقض الدائم بين الفلسطيني وإسرائيل، فكان تكثيف تواجد الدولة في الحيز العمومي والخاص يحمل أشكالا بالنسبة للفلسطيني، متجسدًا هذه المرة، في وهم تخفيف التناقض هذا. وهمٌ لا يفهم دون كون الفلسطيني هو الطرف الضعيف في معادلة الصراع مع الصهيونية، ضعف يشكل سواده الأعظم تلاشي دور الحركة الوطنية الفلسطينية في الداخل.

فقد كانت الأحزاب، وقوائم الانتخابات العربية، ملتزمة بحدود العمل السياسي الذي تفرضه إسرائيل، وهو الذي بات يشبه دور الوسيط بينها والمجتمع الفلسطيني، متمثلا هذه المرة بلجان منبثقة عن الكنيست لمواجهة الفيروس، وبِحَثّ المواطن الفلسطيني على الانصياع لتعليمات وزارات الدولة العبرية، دون بذل جهد إضافي لسد الفجوة، التي يخلقها الاحتلال في المجتمع الفلسطيني، بينه وبين أي مجتمع "صحي" منظم يقدر على مواجهة أزمة بحجم أزمة فيروس كورونا، ودون إقامة أطر تعاونية تقوم بمساعدتهم ماديا ونفسيا واجتماعيا، في مواجهة الأزمة. وأكثر من ذلك، فقد كان دور بعض القيادات ينضوي تحت سقف تعميم المعلومات على الناس، أو "زيارة" محطات الفحص المخصصة لتشخيص المرضى.

بينما أقامت لجنة المتابعة "لجنة الطوارئ العربية" التي أدت دورًا هامًا جدًا في مساعدة الناس على مواجهة الأزمة، إلا إنها لم تقم ضمن مشروع كامل يهدف تنظيمهم على أساس قومي، وهذا نقاش آخر لا يسعنا التطرق إليه هنا.

في ظل واقع كهذا، بالإضافة لخوفٍ بات يلازمنا جميعا من الإصابة بالفيروس، وإدراكٍ لمدى هشاشة البنى التحتية في المجتمع الفلسطيني في الداخل، وهذه الهشاشة لا تفهم خارج سياق سياسات إسرائيل لإخضاعنا لها، لم يستطع الناس إلا أن يوجهوا أنظارهم نحو الدولة. فكيف تمظهرت إسرائيل؟

المجتمع الفلسطيني كبنك احتياط

بداية، ضمن إجماع، تعاملنا مع الأطباء والممرضين الفلسطينيين في المستشفيات الإسرائيلية كشرطٍ ضروريٍ تحتاجه إسرائيل في سبيل تجاوزها للأزمة بأقصر وقت ممكن.

وتحدث نتنياهو في لقاء مع الأطباء الفلسطينيين عن أهميتهم في جهازها الطبي، وعن المستقبل المشترك للعرب واليهود في دولة إسرائيل. فيما تحدث رئيس "الموساد" السابق، أفرايم هليفي، عن جهاز الصحة في إسرائيل الذي "يعتمد اليوم على العرب الذين يعملون فيه. ولو أن آلاف الأطباء والصيادلة والممرضات وعمال الصحة العرب الآخرين جلسوا في البيوت لانهار هذا الجهاز بالكامل، ولما كان هناك أي احتمال لإنقاذه". تصريحات مشابهة رافقتها فيديوهات لمسؤولين في الجبهة الداخلية في جيش الاحتلال يتكلمون العربية متناولين إمكانية انضمام المواطنين الفلسطينيين لهم.

ومع بداية انتهاء الأزمة، عاد الفلسطينيون إلى المكان الذي خصصته لهم إسرائيل منذ النكبة حتى يومنا، وهو هامش المجتمع. ذلك المكان الذي يضعهم في تناقض دائم معها.

يتكثف ذلك من خلال الميزانيات التي خصصتها الحكومة الإسرائيلية من أجل تعويض السلطات المحلية في الداخل، بعد الضرر الذي لحق بها إثر تفشي الفيروس، فقد كانت هذه الميزانيات أقل من الحد الأدنى الذي يحتاجه المجتمع من أجل تجاوز الأزمة. بالإضافة لصمت شرطتها عن علو وتيرة حالات القتل والعنف في المجتمع الفلسطيني بشكل ملحوظ في ظل تفشي كورونا.

وبتعبير مختلف، لم تكن قدرات المجتمع الفلسطيني بالنسبة لإسرائيل، إلا بنك احتياط تستخدمه متى تشاء، وتصنع هي مكانتها في المجتمع. قدرات هي خارج صاحبها، لا تكفي وحدها من أجل تحسين شروط الحياة.

صناعة الوهم:

هكذا صنعت إسرائيل الوهم عند فلسطينيي الداخل، وهمٌ بدأ بإقناع الناس بعدم تفرقة الفيروس بين الإسرائيلي والفلسطيني الذي يعيش في مجتمع مشبع بالفقر والجريمة، المرتبطان عضويًا بسياسات إسرائيل تجاهنا، وبهذا المعنى فإن القدرة على مواجهة الفيروس تضعف عند ضعف المجتمع. ولم ينته بالذهاب نحو حتمية مصير الفلسطينيين المشترك مع دولة إسرائيل، وبأن تكون هي منقذهم من أزمة كورونا.

وهمٌ لا يمكن تناوله دون تناول ومعالجة انحسار دور الحركة الوطنية في الداخل، وهي التي تعيش وهم آخر تخلقه "قوة التأثير على الحكومة" أو "إسقاط اليمين".

يكمن الإشكال الأساسي في ما تطرقت إليه، في تصديق هذا الوهم المفتعل، واشتقاق علاقة جديدة بين الفلسطينيين في الداخل وإسرائيل، قوامها هروب الناس من الخوف نحو السلطة، بوصفها الجهاز الوحيد القادر على تخليصها منه.

علاقة تشكل بذورها تقارير في المواقع الإسرائيلية تشير إلى توطيد العلاقة بين أجهزة الدولة والمواطن الفلسطيني في الداخل، فقد تناول بعضها إمكانية ارتفاع نسبة المتجندين العرب في صفوف جيش الاحتلال، بعد انتهاء الأزمة، إثر تكثيف احتكاكه معهم خلال فترة انتشار الفيروس.

ما العمل إزاء هذا؟

لا يتحمل الناس مسؤولية صناعة الوهم، فالإنسان الفلسطيني الذي ترك بحكم مواطنته المفروضة عليه، لسنوات طويلة دون سند اجتماعي وسياسي حقيقي، وفي ظل إقصاء للخطاب الوطني في السنوات الأخيرة، لا يملك سوى أن يتوجه للمؤسسات الإسرائيلية عند وقوع الأزمات.

ولأن كان الخطاب السياسي السائد اليوم في المشهد الفلسطيني في الداخل يتعامل مع سياسات دولة إسرائيل على أنها صادرة عن قرارات حكومية، وليست مشتقة من بنية الدولة العبرية العنصرية والصهيونية، لم يكن مفاجئًا أن تتعامل القيادات العربية مع ممارسات إسرائيل (على سبيل المثال لا الحصر، تأخرت مراكز الفحص في المجتمع الفلسطيني ثلاثة أسابيع عن مراكز الفحص في المجتمع اليهودي) على أنها "تقصير" تجاه "المواطنين العرب".

إن الخروج من الحالة الراهنة التي تحاول فيها إسرائيل إعادة إنتاج ذاتها في وعينا مستفيدة من أزمة كورونا، يستدعي بناء تصور لمشروع سياسي فلسطيني في الداخل، يحمل معجمًا سياسيًا مختلفًا عمّا سبقه، ومفاهيم تشكل أساسًا نظريًا لصياغة معرفة هي نتاج بداية مرحلة جديدة، وصعود جيل جديد يحمل ثقافة سياسية وتطلعات مختلفة عمّا سبقها.