نحن واليسار الصهيوني المتداعي وتمويل ما وراء البحار!

نحن واليسار الصهيوني المتداعي وتمويل ما وراء البحار!

خيرًا فعل رئيس لجنة المتابعة، محمد بركة، عندما انتصر لكرامة "الجماهير الفلسطينية" وموقفها السياسي ورفض المشاركة وإلقاء كلمة في مظاهرة تل أبيب، التي جرت لمرور 53 عاما على عدوان حزيران 1967 واحتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وأراض عربية أخرى.

وإن كانت مقاطعة بركة لمظاهرة بادر إليها الحزب الشيوعي والجبهة تبدو نوعًا من المفارقة، فإن المفارقة الأكبر تكمن في تهميش وتغييب قضية "الاحتلال" عن مظاهرة تجري في ذكرى الاحتلال، حتى لو تم ذلك تحت دعوى تسليط الضوء على القضية الطارئة المتمثلة في الضم، لأن الضم والاستيطان والقمع صنعها الاحتلال وانتهاءها تكون بانتهائه.

ويبدو أنّ تغييب "الاحتلال" الذي يصب في خدمة أجندات سياسية غريبة عن المظاهرة، يتشاركه أكثر من طرف، أجاد بركة تحديدهم في منشوره المقتضب، بالتالي "التنظيمات والأشخاص المحسوبين على اليسار الصهيوني المتداعي"، والمقصود "ميرتس" وبقايا حزب العمل، و"بعض المساهمين في التمويل من وراء البحار"، والمقصود اللوبيهات اليهودية الأميركية ووكلاؤها من عرّابي التوصية على غانتس، و"الطامحين إلى الالتحاق بأطراف الإجماع القومي الإسرائيلي".

اجتماع الأطراف الثلاثة على منصة المظاهرة حوّل النبوءة إلى واقع، خاصة وأنّ الكلمة المسجلة للمرشح الديمقراطي المنسحب، بيرني ساندرز، ملأت المقعد اليهودي الأميركي الشاغر، إلى جانب مقعد بقايا اليسار الصهيوني ممثلا بميراف ميخائيلي وتمار زاندبرغ ومقعد "العربي الإسرائيلي" ممثلا بأيمن عودة، الذي خاطب الجمهور عن بعد بسبب الحجر الصحي الذي يخضع له.

والسؤال هو لماذا يجدر بنا جلب آلاف العرب الفلسطينيين إلى التظاهر تحت علم الاحتلال في تل أبيب لتبييض صفحة المجتمع الإسرائيلي السوداء؟ ولماذا يجب التشارك مع من يعتبرون رفع العلم الفلسطيني استفزازا لمشاعرهم يسمح برفعه، في أحسن الأحوال، إلى جانب علم الاحتلال، في حين أنّ رفع علم دولة الاحتلال هو أمر مفروغ منه؟

ولماذا علينا مواصلة الرضوخ لشروط "اليسار الصهيوني" والسماح له بفرض الرقابة على خطابنا وسلوكنا، بشكل مهين كما حدث مع رئيس لجنة المتابعة، حتى بعد أن تآكل وتداعى، وأصبحت قوتنا البرلمانية تفوقه بثلاثة أضعاف، هل لأنه يمثل المستعمر الأبيض؟ أم لأنه يتحكم بالتمويل من وراء البحار؟

وماذا يريد هؤلاء بعد سقوط رهانهم على حزب الجنرالات بزعامة غانتس، الذي يستغل "توصيتنا" عليه لإعداد الجيش الإسرائيلي لتنفيذ قرار الضم بصفته وزيرا للأمن في حكومة نتنياهو، بينما يقوم زميله الجنرال غابي أشكنازي بتبييض هذا الفعل دوليا بصفته وزيرا للخارجية في هذه الحكومة؟

أما "الأمور الأخرى التي لا تقل خطورة"، التي آثر بركة عدم الكشف عنها الآن، فقد كشفها بيان المكتب السياسي للحزب الشيوعي الذي صدر لاحقا، والذي يقول إنّ هناك من يريد تجيير المظاهرة إلى مشاريع واصطفافات سياسية انتخابية.

وهي أحلام قديمة جديدة تداعب أحلام أيمن عودة، الذي لا ندري ما هو سر إصراره على نسج تحالفات مع من باتوا يتخوفون حتى من ذكر اسم الاحتلال ولا يشكلون قوة تذكر في الشارع الإسرائيلي، وهل سيكون ذلك مقابل التضحية بوحدة الأحزاب العربية أم بجرّ هذه الأحزاب مجتمعة وحرفها عن أجندتها الوطنية، كما حدث في قضية التوصية على غانتس، وما علاقة ذلك بعقدة نقص "المستعمر الأبيض" أم بالتمويل اليهودي الأميركي؟

أما الأمر الأكثر غرابة فهو صمت الأطراف الأخرى المشكلة للقائمة المشتركة، الذي يجعل النقاش ينحصر داخل الجبهة والحزب الشيوعي ليبدو "نقاشا داخليا"، وهل هذا الموقف هو تعبير عن رضا من هذا النهج الذي يدفع إلى المزيد من تمييع المواقف والقضايا الوطنية ويودي بنا إلى أحضان الاندماج والأسرلة، أم هو نابع من الحرص الشديد على الحفاظ على مستقبل وحدة المشتركة بأي ثمن؟

وعن أي تشكيل أو قطب ديمقراطي يتحدث هؤلاء في مجتمع يتوحد قاطبة حول الاحتلال والاستيطان والضم ويبارك قتل العرب الفلسطينيين ويحول قاتليهم إلى أبطال؟