الأحزاب والصحافة والمرحلة المقبلة

الأحزاب والصحافة والمرحلة المقبلة

يحتاج أي مشروع سياسي أو وطني إلى فضاء سياسي عام مشترك يتحرك فيه، هذا أمر بديهي وشرط أساسي. وإذا تقلص هذا الفضاء أو تجزأ يُلغى المشروع ويتبخر أو يصبح أرشيفًا أو يبقى الشكل ويختفي الجوهر - المشروع. والفضاء العام ليس أمرًا متخيلا بل هو حاجة أساسية لأي مجتمع وشعب، والشعب الذي لديه هذا الفضاء ينتج مشاريع سياسية تعددية لكنها تقف على الأرضية ذاتها - المصلحة العامّة. لقد خلقت إسرائيل فضاء سياسيا مشتركا في فلسطين، إذ يمارس النظام الإسرائيلي الممارسات ذاتها تجاه الفلسطينيين وإن بدرجات متفاوتة، وفي فضاء واحد ووحدة جغرافية سياسية واحدة، لكن الفلسطينييّن فشلوا في خلق فضاء موحد يقابل ذاك الفضاء، وكذلك فشلوا في إنشاء وحدة جغرافية سياسية واحدة تواجه هذا النظام.

لا تنشأ الأحزاب والمشاريع السياسية في الأطراف وإنما في المركز. والأطراف لا يقصد بها الريف مثلا، وإنما أيضًا طرف المركز والتطرف، أي اتخاذ أكثر المواقع تطرفًا وبعدًا عن المركز. هنا مقتل السياسة لأنها تبتعد عن الناس. ولأن المشاريع السياسية الناجحة تسعى لجمع الأطراف وتشكيل مركز يلتف حوله المجتمع والشعب، لكنها أيضًا تسقط الأطراف لأنها تكتشف أن هذه الأطراف قائمة لذاتها وليس بذاتها. وفي حال اختفى المركز، تختفي هذه الأطراف وتسود الفوضى لا الثورة.

والمقصود بالفضاء السياسي المشترك هو ما سماه عزمي بشارة "الكيانية السياسية" في الحالة الفلسطينية، كما سماه جميل هلال "الحقل السياسي"، وذلك في تفسيرهما العلمي لأسباب غياب مشروع وطني فلسطيني جامع، إذ لا يمكن تطوير مشروع وطني مشترك دون "كيانية سياسية" (وقد أنجزت ذلك منظمة التحرير بجدارة وبالسلاح) و"حقل سياسي" مشترك للشعب (وقد شظته اتفاقيات أوسلو).

بعد اتفاقيات أوسلو تفتّت الحقل السياسي الفلسطيني وكذلك "الكيانية السياسية"، وتحوّلت الأحزاب والفصائل الفلسطينية في كل مكان إلى مشاريع محلية لها جمهور محدد بعد أن هُمش دور منظمة التحرير الفلسطينية، التي كانت ناسجة الفضاء السياسي المشترك للفلسطينيين إلى حد كبير. لا داعي لتقديم أمثلة، فهي ماثلة أمامنا في الضفّة وغزة والداخل.

ليس المطلوب وحدة الأدوات وإنما وحدة الجوهر، لكن مأساتنا الحالية بأن لا وحدة في الأدوات ولا في الجوهر، هي مثل Monade لايبنتز، ذرات تتحرك دون علاقة للواحدة بالأخرى ودون أي اتصال بينها، لكن مع فارق بسيط بأنها تصطدم كثيرا في ما بينها ولا تحمل شحنة معلوماتية - معرفية. هي تسبح في فضاء واحد ولكنه غير مشترك.

إذًا الفضاء المشترك أو الكيانية السياسية أو الحقل السياسي المشترك هي حاجة أساسية وضرورية للتأسيس لمشروع وطني فلسطيني. وهذا يستدعي السؤال العملي: من يخلق هذا الفضاء – الكيانية – الحقل؟ هذه مهمة المؤسسات الوطنية، وأولها الأحزاب والحركات السياسية، وكذلك المؤسسات والحراكات الاجتماعية. لكن كيف بمقدور هذه الحركات والأحزاب خلق فضاء وكيانية وحقل مشترك طالما هي منغمسة في قضايا وهموم محلية كل في موقعه الجغرافي. يذهب كثر إلى أن هذا دور النخب السياسية والثقافية في خلق هذا الشرط الإلزامي للتأسيس لمشروع وطني فلسطيني، وهذا صحيح.

ولا أدلّ على انعدام الفضاء المشترك أكثر من الإعلام والصحافة الفلسطينية. لكل فصيل منابره الإعلامية، قناة فضائية ومواقع إلكترونية وصحف ومتحدثّون، لكن مشكلتها أنها منشغلة في الصراعات البينية أو الفصائلية أو الحزبية، فيما بات الناس أبعد ما يكونون عن نخب الأحزاب ومنابرها لأنها لم تعد تلبي الحاجة الأساسية لتوحيد الهم الجماعي الذي يشكل الكيانية السياسية.

لذا، فإن مسؤولية الإعلام والصحافة الفلسطينية في هذه المرحلة محورية وهامة ومصيرية. للإعلام والصحافة مساهمة أساسية في خلق الفضاء المشترك الذي تتشكل فيه الكيانية السياسية والحقل السياسي، لكن واقع الحال أن المشهد الإعلامي والصحافي الفلسطيني هو انعكاس للتشتت السياسي الحزبي والفصائلي والمشاريع الفئوية. لقد باتت مسؤولية الإعلام والصحافة الفلسطينية الآن لا مراقبة الأداء السياسي ونقده فقط، أو نقد الظواهر الاقتصادية والاجتماعية وتحليلها فحسب، وإنما أيضًا خلق فضاء فلسطيني مشترك يوفر الأرضية لكل الفلسطينيين للحوار وتبادل الآراء وتوفير التعددية بهدف بلورة مشروع وطني فلسطيني جامع. ليس المطلوب مثلا من الصحافة أن تكون راعية لذلك، ولكن ألا تكون معطلة لنشوئه، وأن تطرح التساؤلات النقدية مثل ما معنى المشروع؟ وهل يمكن حصر الطموحات والتطلعات الفلسطينية في مشروع واحد أوحد؟ أم أن المشروع عمليًا هو تراكم مشاريع ورؤى سياسية تتفق على الهدف وتتباين في الأدوات؟

هذا الدور في خلق فضاء فلسطيني مشترك يجب ألا يقلل من دور الإعلام والصحافة في المساءلة والنقد، بل يجب أن يقوم بالمساءلة وينتقد كل من يعطل بوعي أو بلا وعي خلق هذا الفضاء المشترك. لقد باتت الحركات السياسية والأحزاب غير قادرة على خلق هذا الفضاء، لأسباب عديدة لا داعي للإسهاب فيها لأنها معروفة، وبات ذلك من مسؤولية وسائل الإعلام والصحافة الفلسطينية، وتحديدًا المستقلة وغير الحزبية، أن توفر المناخ العقلاني والتعددي لخلق هذا الفضاء.

هذا دورنا في هذه المرحلة على الأقل كصحافيين أولا ونشطاء سياسيين ثانيًا، وهذا ما نسعى إليه، التوحيد بدل التفريق. إذ لا يعقل أن ينشر كاتب مقالا يدعو فيه إلى وحدة الفصائل وإنهاء الانقسام، وفي المقال ذاته يخلق الفرقة والحساسيات وتصفية الحسابات. هذا الشيء ونقيضه. ولا يعني ذلك عدم النقد والمساءلة، بل بالعكس، النقد والمساءلة إذا تخليا عن التحريض والتغريض والتأليب وتصفية الحسابات والمزايدات الجوفاء، فبالتأكيد سيصبحان مسموعين ومؤثرين ويخدمان الهدف الأساسي.

ليست الوحدة إلغاء للتعددية، إذ إن لا مكان للتعددية ولم تعد تعددية أصلا إذا لم تتوفر أرضية موحدة تتحرك عليها، فالوحدة أساسًا هي جمع للعدة، أي أنها تنطلق من الإقرار بوجود عدة أو عديد متباينة نسبيًا. مسؤوليتنا إذًا أن نسهم إسهامًا مركزيًا وأساسيًا في خلق فضاءٍ مشتركٍ وكيانية سياسية وحقل سياسي مشتركين.