نجاحنا ناقصٌ بدون الفنون...

نجاحنا ناقصٌ بدون الفنون...

أحد الأمور الإيجابية لموجة فيروس كورونا هو فائض الوقت، الذي كان كثيرون من أصحاب الهوايات يبحثون عنه، فهو يتوفر الآن لدى من توقفت أعمالهم بسبب الجائحة، وصار كثيرون، يقضون وقتًا أكثر في خلوة مع أنفسهم، فما الذي نفعله في هذا الفائض من وقت الفراغ كي لا يتحول إلى مَفسدة؟

لن أقول اقرأوا، فهذه نزلت في أول كلمات القرآن الكريم، ورغم ذلك فالانشغال في القراءة ما يزال محدودًا، وحب القراءة لا يتم بدعوة من أحد، ما لم تكن جمرة حبّ المطالعة والاطلاع والفضول موقدةً في صدر صاحبها، وهي التي تدفعه، وإلا سوف يشعر بالملل بعد قراءة بضع صفحات، ولكن أريد القول إنه من المفروض استغلال فائض الوقت من قِبل الأهالي والأولاد على حدٍّ سواء، في ممارسة الهوايات التي يحبونها.

أودّ التطرق إلى موضوع الموسيقى بشكل خاص، الذي أراه الأهم من بين كل الفنون، فقد رافقتْ الموسيقى الإنسان منذ فجر البشرية الأول، وللفلاسفة آراء فيها، وما تزال تتطور وتؤثر في المجتمع وفي أمزِجة الناس أكثر من بقية الفنون، وهي تعكس تطوّر أو تخلف المجتمع، بل تعكس نوعية حياته.

للأسف، لا توجد في معظم البيوت في مجتمعنا، آلة موسيقية. الجميع يريد التحصيل العلمي لأبنائه في المدرسة والكلية والجامعة، ويفاخر بالشهادة ودرجة التحصيل وينشرها لتقبّل التهاني، وقد رأينا احتفالات فاقت الحدود كثيرًا خصوصًا في استعمال المفرقعات، ورغم ذلك فهذا الفرح مشروع، وسببه أن الأهالي يريدون لأبنائهم شهادة في آخر المطاف، تضمن لهم العمل والربح وبناء الأسرة السعيدة، هذا يعني أنهم يرون السعادة من خلال ضمان العمل والراتب.

إذا تأملنا قليلا، وجدنا أن الجانب الروحي مهملٌ تمامًا في هذه الإنجازات، والمقصود فيه، الفنون بشكل عام، والموسيقى بشكل خاص، وهذا خطأ كبيرة يرتكبه المجتمع في حق أبنائه ونفسه، ويدفع ثمنه، وستبقى النجاحات ناقصة دونها.

الفنون عمومًا، والموسيقى بشكل خاص، تسهم إلى حد كبير في تشكيل شخصية الإنسان الفرد أولا، حتى ترتقي وتسمو، ومن ثم تشكّل صورة المجتمع، فالمجتمع الذي لا يهتم إلا بالإنجازات المادية، فهو يقول بهذا إن المال هو كل شيء، والملكية الشخصية، من سيارة وبيت وملابس وأثاث وراتب مضمون، لهذا السبب، نلمس سهولة في انحراف الناس بسبب دافع الربح المادي، أو بسبب الضائقة المالية، حتى لدى أكاديميين، ولهذا نرى أيضا سهولةً في التدهور إلى طلب القروض من السوق السوداء، والتدهور إلى العنف.

الموسيقى إضافة إلى إثارة المشاعر وتعديل الأمزجة، هي وسيلة إبداعية ممتازة، ووجود آلة موسيقية في البيت، يمهّد الطريق أمام الأبناء لتعلّم العزف، ومن ثم ليتذوقوا الفنون عامة، وتهذيب شخصياتهم.

إذا تعلق قلب الطفل أو الفتى في آلة موسيقية، فستصبح رفيقته في وقت فراغه، وسوف تلهيه عن الهاتف الذي بات معضلة اجتماعية، وفي الوقت ذاته، فالموسيقى لن تؤثر على تحصيله العلمي والأدبي، بل إن العكس صحيح، والحياة أثبتت هذا.

مع الآلة الموسيقية، سيشعر الأطفال والفتيان والكبار بلذة الإبداع، من خلال ممارسة العزف وكشف الألحان.

معظم العلماء في التاريخ العربي والإسلامي والإنساني عمومًا مارسوا الموسيقى إلى جانب الطب والفلك والعلوم الأخرى، حتى أنهم كانوا سبّاقين في تحديد أنواع من المقامات الموسيقية للمساعدة في علاج بعض الأمراض، أي أنهم جرّبوا الموسيقى كعامل مساعد في العلاج منذ ألف عام، وخصوصًا في العلاج النفسي، مثل الرازي والكِندي، ويكفي أن نعرف أن آلة القانون المستخدمة اليوم، هي من اختراع العالم الفارابي.

إضافة إلى هذا، فإن إدمان الفتيان على الرسم أو أي فن آخر، أو على آلة موسيقية، سوف يقلل من شهيتهم إلى الطعام، لأن الكثير من الفتيان والناس عمومًا يتناولون الطعام والحلوى بشكل خاص كهروب من الملل والفراغ، وكثيرون يتوجهون إلى الثلاجة، دون شعور بالجوع.

قد يقول البعض إن الوضع المادي صعب ولا يسمح بهذا الترف للجميع، ولكن كلنا نعرف أن معظم العائلات تصرف القليل والكثير على أبنائها في المأكل والمشرب والتسلية وهدر المال على أمور آنيّة، وبإمكان كل أسرة اقتناء آلة يميل إليها أبناؤهم، أو أحد أبنائهم، يشغلون فيها فراغهم ويبدعون من خلالها ويبثّون طاقة إيجابية إلى محيطهم ومجتمعهم، وطبعا سيكون من المفضل جدًا إدخالهم إلى أحد المعاهد لتعليم الموسيقى، أو عند مدرّس خاص لمن لديه القدرة على ذلك.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ