مركزية فلسطين بين العرب والفلسطينيين

مركزية فلسطين بين العرب والفلسطينيين

كان اتفاق كامب ديفيد المصري، أول اتفاق سلام عربي مع الدولة الصهيونية يتجاهل الحق الفلسطيني، وينطلق من اعتبارات تخص الطرفين الموقعين عليه فقط؛ فهو برأي الموقعين تجسيد لمبدأ السيادة الوطنية، التي تضمن لأي دولة عربية حقها في المضي قدمًا نحو سلام وتطبيع وربما تحالف معلن مع الصهيونية، بغض النظر عن موقف شعبها، وعن الموقف العربي الرسمي والشعبي، وعن ممارسات وطبيعة الصهيونية. في المقابل، هناك من يعتقد أن فلسطين وقضيتها بمثابة عصب الحياة المركزي لمنطقتنا العربية، فهي البداية والنهاية وكل الحكاية، التي يجب أن ترسم جميع تفاصيل المنطقة العربية الآنية والإستراتيجية، القريبة والبعيدة على حد سواء. وبالتالي، فنحن أمام ما يمكن تسميته بنظرتين لفلسطين متداولتين بكثرة في الآونة الأخيرة، إحداهما تتجاهلها كليًا وكأنها قضية لكوكب آخر؛ والثانية تعتقد بأنها قضية العرب وربما العالم الوحيدة، لكنهما ذات انعكاس متشابه من حيث حجم الضرر الذي تلحقانه بقضيتنا العادلة وبالقضايا الإنسانية الأخرى بدرجات متفاوتة، وفق الزمان والمكان، فهما تتشاركان ذات الطبيعة الإقصائية والفوقية نوعًا ما، وتقومان على أنقاض المبادئ الإنسانية والفلسطينية السامية كالحرية والعادلة والمساواة، والحق في الاختيار وتقرير المصير طبعًا.

فمن زاوية حقوقية بحتة، يحق لنا نبذ اتفاقيات السلام ومعارضتها، دون أن يمس أي من ذلك بسيادة الإمارات أو سواها من الدول المُطبعة اليوم، وربما مستقبلا. لذا، لا يصح قمع الأصوات والمواقف المعارضة للتطبيع على اعتبارها مساسًا بسيادة الدول، بل على العكس يمكن اعتبار هذا القمع اللفظي والمعنوي؛ فضلا عن الجسدي والاقتصادي؛ بمثابة اعتداء صارخ على حرية التعبير. ثم وبحكم الأعراف والقوانين الدولية، تخضع الدول إلى جملة من المعاهدات والمبادئ التي وقعت عليها ما لم تنسحب منها، كما عملت بريطانيا على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي مؤخرًا.

وعليه، يمكن مراجعة البنود والأسس التي حكمت انضمام الإمارات ومصر والأردن إلى كل من جامعة الدول العربية (مبادرة السلام العربية هي جزء بسيط منها)، مجلس التعاون الخليجي، المنظمة الإسلامية.... وإلخ، لمعرفة مدى تعارض هذه الاتفاقيات معها، ومع أبسط مبادئ العمل السياسي. لذا، يحق لنا كشعوب ودول وأفراد أن ننطلق من هذه الاعتبارات للتهجم على هذه الاتفاقيات، وعلى محركيها الأساسيين، كما يحق لنا المطالبة بتجميد عضوية هذه الدولة أو تلك، أو حتى مقاطعتها سياسيًا وثقافيًا، وصولًا إلى اعتبارها خطرًا يهدد هذه الاتحادات والمجالس بصفتها الجمعية، أو حتى بصفة فردية، بسبب تهديدها لأحد أعضائها عبر تهديد الحق والشعب والأرض الفلسطينية.

وعلى الطرف الآخر، نجد أن أصحاب الرؤية الثانية يشطبون جوهر قضيتنا الصلب، المتمثل في مبادئ الحرية والعدالة والتحرر، عبر محاكمة مجمل القضايا العربية من زاوية مصلحية ضيقة، حتى لو كانت على أنقاض العدالة والحرية والتحرر. فبالنسبة لهم قضية فلسطين هي مركز المنطقة العربية كاملة، وما دونها هو أمر مجرد لا قيمة له. بل يذهبون إلى اعتبار تبني العرب أي قضية أخرى غير القضية الفلسطينية بمثابة مؤامرة تستهدف فلسطين وتشوش على قضيتها. وهو ما تجسد في موقف البعض من الثورات الشعبية العربية منذ العام 2011، ولا سيما تجاه الثورة السورية، إذ لم تدرك هذه الأصوات مصلحة القضية الفلسطينية في الثورة السورية، بل على العكس اعتبروها بعثرة للطاقات العربية على مسائل ثانوية لا تستحق الذكر (وفقًا لهم)، متجاهلين حق الشعوب العربية في الثورة على منظومة الفساد والاستبداد والطائفية التي تخنقها وتكبلها، بسبب ادعاء تلك الأنظمة نصرة فلسطين فيما هي مجرد ذريعة لأسر الشعوب ونهب الثروات الفردية والجماعية، كما حصل ويحصل في سورية الأسد، وفي لبنان سواء قبل خضوعه لحزب الله أم بعده، وهو ما يدين مجمل القوى والأحزاب والتيارات الطائفية اللبنانية دون أي استثناء.

كما تعبر هذه النظرة عن انتقائية مقصودة تستحضر فلسطين في حالات محددة فقط، إذ لم تذكر فلسطين عندما اندلعت حرب الخليج الأولى بين العراق وإيران، أو حينما احتل العراق الكويت، ثم عندما انخرطت سورية ومجمل الدول العربية في تحالف تحرير الكويت بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، أو حتى لاحقًا في تحالف إسقاط نظام صدام واحتلال العراق أميركيًا، ومن ثم إيرانيًا، بل لم نجدها في انخراط مصر الناصرية في حرب اليمن، وصولا إلى الانخراط السعودي والإماراتي والإيراني فيها اليوم، دون أن ننسى اقتحام الجيش السوري للحدود الأردنية في سبعينات القرن الماضي، ولاحقًا سيطرته العسكرية والأمنية على دولة لبنان وفرضه نظامًا طائفيًا فاسدًا بدعم سعودي وعربي ودولي، حمى جزءًا كبيرًا من المجرمين الذي تآمروا على فلسطين والفلسطينيين وحركة التحرر العربية في حينه، وطبعًا وأولا على شعب لبنان وأرضه.

الغرض من هذه الأمثلة تذكير أصحاب منطق التخوين، أن من يدافعون عنهم اليوم بذريعة فلسطين من قوى الاستبداد والإجرام والطائفية، هم الوجه الآخر للمطبعين والمتآمرين، ممن انحرفوا عن قضية فلسطين لأغراض سلطوية بحتة، وقاموا بضرب وتصفية حركة التحرر العربية تاريخيًا. ثم لا تعني مركزية القضية الفلسطينية أنها الأولوية المباشرة في جميع الأوقات، بل على العكس، هناك مهام ملحة تفرضها الظروف القطرية وربما الجيوسياسية، التي تعيق بناء حركة تحرر عربية من الاستعمار والرجعية والتخلف والاستغلال، وهو ما يفرض حسمه وحله أولا من أجلنا جميعا، ولو غابت فلسطين عن واجهة الأحداث قليلاً في حينها (فقد غابت كثيرًا عن أجندات النظام الرسمي العربي الذي يدافع البعض عنه).

يعبر شعار مركزية القضية الفلسطينية في جوهره الحقيقي عن عدالة القضية من ناحية، وعن طبيعة الصهيونية من ناحية ثانية، لا عن أولوية فلسطين الدائمة والثابتة في مسار التحرر. فمسار التحرر والتقدم العربي الجمعي والفردي، يقتضي حكمًا تفكيك الصهيونية وهزيمتها كليًا، وهو ما يتقاطع مع نضال الشعوب العربية ضد النظام الطائفي الفاسد بجميع أركانه، وضد المافيا الاستبدادية الحاكمة في سورية والسودان ومصر وفي العديد من الدول العربية الأخرى، وصولا إلى النضال ضد خطر التطبيع على الأمن العربي والخليجي، والكفاح من أجل تمكين الشعوب من بناء دول ديمقراطية تقدمية تسودها قيم العدالة والحرية والمساواة اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. عندها نكون قد استعدنا مركزية قضية فلسطين، على اعتبارها قضية جميع الشعوب الساعية لإرساء قيم الحرية والعدالة والمساواة أينما كانت، وبأي زمان كان، فالأولوية الوحيدة هي لهذه القيم، وانتصار هذه القيم بأي بقعة عربية أو دولية هو انتصار ودافع لانتصارها في فلسطين عاجلا أم آجلا.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص