السلطات المحلية العربية بين مطرقة كورونا وسندان السلطات الإسرائيلية

السلطات المحلية العربية بين مطرقة كورونا وسندان السلطات الإسرائيلية

أسبوعان مرّا على افتتاح السّنة الدراسيّة الجديدة، ولا مدارسَ في عدد من البلدات العربيّة؛ وأمّا العدد الأكبر من هذه المدارس فأُغلِقَ أو مهدّد بالإغلاق إثر التقييدات التي فرضت على البلدات، ما يجعل أكثر من ثلث الطلاب العرب خارج أي إطار تعليم منهجي أو غير منهجي.

تقع أكثر من 25 بلدة ومدينة عربية في قائمة المناطق الحمراء لتفشّي كورونا، ويقتضي منها ذلك، وفق تعليمات وزارة الصحة، إجراء تقييدات فعلية واسعة على حركة المواطنين وعمل المحال التجارية والمؤسسات الحكومية للحدّ من سرعة انتشار المرض بين سكانها، قد تصل، هذه الإجراءات، إلى حد فرض الحجر الصحي الكامل.

ويحتّم هذا الوضع طرح أسئلة حول كيفيّة تحوّل البلدات العربية إلى بؤرٍ لتفشي الفيروس، بينما تبدأ التجمعات السكنية اليهودية الكبرى - غير الحريديّة - بإستراتيجيّة للخروج من عمليات الإغلاق، وإعادة تنشيط العجلة الاقتصادية تدريجيا؟ ولماذا لم تنجح السلطات المحلية العربية في تطوير آليات عمل ضمن إستراتيجية واضحة لتخطي الأزمة في الموجة الثانية، واستغلال الالتفاف والالتزام الشعبّيين في الموجة الأولى للجائحة؟

تشير التجارب العالمية في أوروبا (فرنسا بلجيكا، ألمانيا) حتى الآن إلى أن فاعلية عمل الإطار التنظيمي المحلي القريب من السكان في تطبيق التعليمات وإتاحتها لهم، تُعد عاملًا فارقا في الحد من انتشار المرض في البلدات والمدن، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى الشروع باتخاذ خطوات تتضمّن تعديلات قانونية لتوزيع صلاحيات إدارية على سلطات الحكم المحلي، تفيد في الحد من نسبة انتشار المرض، ولفرض التعليمات وإعطاء الخدمات اللازمة للمواطن.

تتبنى خطة مُنسق شؤون كورونا في الحكومة الإسرائيلية، بروفيسور روني غَمزو، الإستراتيجيّة ذاتها، إذ تقترح تقسيم البلدات والمدن في البلاد إلى ثلاث مجموعات تصنّفها بالألوان الثلاثة الأحمر، والأصفر، والأخضر، وفقا لنسبة حالات الإصابة المؤكدة بالمرض بحسب الفحوصات، بحيث تضم المجموعة الحمراء بؤر تفشي المرض، والتي يقتضي أن يُعلن فيها عن إغلاق وتطبيق تقييدات صارمة على الحركة يتم تطبيقها وفق إستراتيجية محلية. أمّا المناطق الأخرى (المصبوغة باللونين الأصفر والأخضر) فتخضع لتعليمات تهدف إلى التّقليل من التجمعات والمحافظة على تعليمات السلامة العامة بحث تقع مسؤولية على السلطات المحلية ضمان تنفيذها.

ولكن جائحة كورونا جلبت معها تحديات ومصاعب كبيرة للسلطات المحلية العربية، كاشفة حجم وعمق الفجوات التنظيمية لسلطات الحكم المحلي، وضعف حصانتها المالية والإدارية أمام التعامل مع تبعات أزمة صحية بهذه الضخامة، وقدرتها المتدنية على مواصلة تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين.

إنّ قلة الموارد المتاحة للسلطات المحلية العربية، والنّاتجة عن سياسات الإفقار الحكومية التي تتضافر مع إقصاء السلطات المحلية العربية وأصحاب الخبرات المهنية عند بلورة آليات للتعامل مع تبعات الأزمة، حوّلت سلطات الحكم المحلي إلى أجسام هزيلة غير قادرة على التعامل مع تبعات أزمة صحية محلية وعالمية بهذا الحجم. ناهيك عن أن التعلقَ شبه التام للسلطات المحلية العربية بالميزانيات الحكومية من أجل موازنة ميزانيتها العامة، وتمويل خدماتها الأساسية، جعلها غير قادرة على اتخاذ قرارات مستقلة لمعالجة الأزمة دون الحصول على التمويل الحكومي المرتبط - بطبيعة الحال - بالقرار السياسي. وهي مشكلة تشتد وضوحا يوما بعد يوم في ظل أزمة سياسية إسرائيلية لا تزال مستمرة بعد ثلاث جولات انتخابية متتالية خلال عام واحد فقط.

فضحت الأزمة الحالية مدى النقص في القوى المهنيّة العاملة القادرة على تطوير آلياتٍ وسُبلٍ من شأنها أن تضمنَ الحد من تفشي المرض ومَنْحَ صورةٍ أوضح حول معطيات ومخاطر تفشي المرض في البلدات، بالإضافة إلى تبني خطوات تتلاءم مع المميّزات الاجتماعية والاقتصادية للسكان. ويظهر هذا النقص جليًا مع استمرار عقد الأعراس والاحتفالات في القرى والبلدات العربية على الرغم من التحذيرات المتتالية للجهات المختصة حول ما تحمله هذه التجمعات من مخاطر على الصحة العامة، وزيادة احتمال تفشي المرض، إضافة إلى عدم التزام المحال التجارية في فرض تعليمات التباعد الاجتماعي وارتداء الكمامات.

وكشفت هذه الأزمة، أيضًا، عن انعدام البنية التحتية التكنولوجية التي تتيح تتبّع المعطيات والإجراءات اللازمة والتشبيك مع الجهات المختصة، وتحليل البيانات لاتخاذ قرارات تتأسس على اعتبارات مهنية وبيانات دقيقة، من شأنها، أيضًا، أن تتيح الخدمات للمواطنين بواسطة المواقع الإلكترونيّة، وأن تسمح لموظفي المؤسسات المحلية العمل عن بعد دون اللجوء إلى تجميد خطط العمل.

وفي سياق متصل، تشير المعطيات الحالية إلى أن المواطن العربي هو الأكثر تضررا اقتصاديا من الوباء في موجتي انتشاره، إذ وصل عدد العاطلين عن العمل في القرى والبلدات العربية إلى ما يتعدى الـ40% من السكان، ناهيك عن أن المصالح التجارية الصغيرة، وبسبب افتقار معظم البلدات العربية للمناطق الصناعية والتجارية المدرة للمدخولات، تكبّدت خسائر فادحة بعد تقلص فرص البيع في موسم الأعياد وافتتاح المدارس، والذي يشكل جزءا كبيرا من مدخولاتها السنوية، ما دفع بعضها إلى الإفلاس أو الإغلاق التام. ولهذه الضائقة الاقتصادية تبعات مباشرة وهائلة على قدرة السلطات المحلية في تلبية احتياجات المواطنين، والمحافظة على الموازنة المالية في ظل غياب الدعم الحكومي.

وفي حين تركّز المجهود المحلي في قرى وبلدات عربية عديدة في الموجة الأولى للجائحة، حول توزيع الطرود الغذائية للمحتاجين لبث روح التعاضد والتكافل الاجتماعي، إلا أن هذه الممارسات افتقرت، في الغالب، إلى آلية تنظيمية واضحة وللتنسيق بين طواقم المجالس المحلية من المتطوعين واللجان الخيرية، ما حدّ من القدرة على استغلال الموارد البشرية للمتطوعين الذين كان من الممكن أن يؤدّوا دورًا أكثر فاعلية يحول دون تدخل الجهات الأمنية الإسرائيلية التي أخذت على عاتقها مهمة توزيع الطرود الغذائية ومتابعة أحوال السكان والملتزمين في الحجر الصحي، وأن تساهِمَ في استغلال الفرصة لبناء بنية تحتية للطوارئ ولتعزيز الحصانة الصحية والاجتماعية.

عملت السلطات المحلية العربية منذ بداية الأزمة على توحيد الصفوف في معالجة الأزمة مقابل الحكومة الإسرائيلية، تحت سقف اللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية ولجنة المتابعة التي أسست بدورها، ولأول مرّة، لجنة طوارئ عربية مستقلة، تضمّ مختصين ومؤسسات المجتمع المدني التي تعمل في مجال الصحة وتغيير السياسات. وأدت اللجنة مجهودا مباركا في تتبع مجريات الأحداث وخارطة انتشار المرض في البلدات والمدن العربية، ونقل الصورة إلى جهات الحكم المركزي، خلال الموجة الأولى. كان لهذا المجهود تأثير إيجابي واضح في بعض الأحيان في دفع المؤسسات الحكومية لملاءمة سياساتها القطرية المخصّصة لأزمة كورونا، تجاه المجتمع العربي، على مستوى تنفيذ التعليمات وملاءمتها وإجراء الفحوصات.

ولكن بات من الواضح أن الفاعلية السياسية للّجنة القطرية للرؤساء ولجنة الطوارئ محدودة، إذ رغم خوضها الإضراب الأخير احتجاجا على سياسات التعويض الحكومية للسلطات المحلية، والتي خصصت ما يقل عن 2.5% من الميزانية المخصصة لذلك، للسلطات المحلية العربية، إلا أنها لم تستطع أن تحصّل في ظل الإنذارات من الكارثة المحتملة التي قد تلّم بنا اليوم، إلّا مسكّنات ماليّة زالَ مفعولها بمجرّد أن بدأت موجة التّفشي الثانية للفيروس.

فلم تقدّم الوزارات الإسرائيلية المسؤولة أيّة حزمة مساعدات تضمن استدراك الموقف وتقليص احتمالات التفشي في جولة ثانية مرتقبة، ما حدّ من فرص تطوير آليات عملية ضمن خطة عمل واضحة، نتيجة نقص الموارد المستمر.

وخلق هذا الصراع مزدوج الملامح (أي بين السياسي الحكومي والفراغ الإداري على المستوى المؤسساتي المحلي) حالة ضبابية لا تمكن المواطن من استشعار ما يخبئ له المستقبل القريب. ومع ازدياد التعليمات وتضاربها في بعض الأحيان وتجاهل الأكثرية لها إما نتيجة هذا التضارب أو لأسباب أخرى، وعدم وجود أجسام محلية كفؤة لتطبيقها، جعلت المواطن العربي يضرب تعليمات السلامة هذه بعرض الحائط دون مراعاة لتوخي الحذر، كما لو أنه استسلم أمام مقولة "تعددت الأسباب والموت واحد".

ما العمل؟

إنّ حالة العجز التي تجتاح الحكم المحلي اليوم إزاء منع تفشي المرض يجب أن تكون مرفوضة، وعلينا استغلال الفرصة وإعادة الحسابات على المستوى الفردي والمؤسساتي، لاستنهاض القوى والموارد المحلية التي تتممثل في اللجان الشعبية والقوى السياسة والجماهيرية ومؤسسات المجتمع المدني والعمل الفوري لإحلال نهضة تنظمية وإدارية في مؤسسات الحكم المحلي، للبدء في عمل منظم ومنهجي لتعزيز الحصانة الصحية والاجتماعية في الوضع الطبيعي وحالة الطوارئ.

أمّا على المستوى السياسي، فعلى السلطات المحلية والقوى السياسة التمثيلية في القائمة المشتركة إضافة إلى الأطر الشعبية، الاستمرار بالعمل الممنهج وفق إستراتيجيّة سياسية جامعة للضغط على السلطات الحكومية الإسرائيلية لتخصيص وفوري وعاجل للموارد الضرورية لإنشاء بنى تحتية تنظيمية وتكنولوجيّة تتيح الفرصة أمام الحكم المحلي لتطوير آليات لتخطي الأزمة.


أمل عرابي: محامٍ حاصل على الماجستير في تخطيط المدن من الجامعة العبرية، يعمل في قسم السياسات المتساوية في جمعية "سيكوي".

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ