دور الشرطة والنقاش حول مكافحة العنف والجريمة

دور الشرطة والنقاش حول مكافحة العنف والجريمة

لم أكن أتوقع أنه بقي في أيامنا هذه من يجرؤ على مدح عمل الشرطة ودورها، غير الموجود أصلا، في محاربة العنف والجريمة جهارا، إلا إذا كان يعدّ فشل الشرطة في فك رموز 91 جريمة قتل اقتُرفت في العام الماضي و80 جريمة قتل ارتُكبت منذ مطلع العام الجاري وإبقاء المجرمين طلقاء دون عقاب في مجتمعنا العربي إنجازا، في حين نجحت هذه الشرطة في الحد من جرائم القتل في المجتمع اليهودي، وانخفض عددها إلى 47 جريمة فقط عام 2019، لأنها أرادت وعملت من أجل ذلك.

لا يخفى على أحد أن الشرطة الإسرائيلية تُصر على التعامل مع تجنيد الشباب العرب في صفوفها كأداة سيطرة، وليس كأداة محاربة للجريمة والعنف. ولا يمكن فصل تعامل الشرطة في مِلَفّ العنف والجريمة في المجتمع العربي عن عنف الشرطة تجاه المواطنين العرب، إذ قتلت شرطة إسرائيل عشرات الشباب العرب منذ بَدْء الانتفاضة الثانية عام 2000، مع الإشارة إلى أن تعاملها العدائي مع العرب هو دليل لتوجهها الحقيقي.

يبدو واضحا أن الشرطة الإسرائيلية ليست معنية بمحاربة الجريمة عندما يكون الضحية عربيا، مع امتلاكها الوسائل والأدوات والإمكانات لاجتثاث العنف والجريمة، ودليل هذا عدم طرح الشرطة أي خطة عينية لمحاربة جرائم القتل، بدءا بجمع السلاح وحل ملفات الجرائم المتراكمة واعتقال المجرمين ومحاربة عصابات الإجرام والإتاوة (الخاوة) وغيرها.

تُفاخرُ الشرطة بنجاحاتها وتنشرُ معطيات وإحصائيات، بين الفينة والأخرى، تشير إلى انخفاض نسبة الجريمة العامة، بالرغْم من أنها تعي تماما أن هذا الانخفاض حصري في العنف والجريمة بالمجتمع اليهودي، فيما تتواصل جرائم القتل بالازدياد الحاد في المجتمع العربي.

وليس غريبا أن تنجح الشرطة في القبض على المجرم بالمجتمع اليهودي، وفي المقابل تسخّرُ كل إمكاناتها من أجل القمع السياسي وملاحقة تحركات الناشطين السياسيين، وعدم التحقيق الجدي في جرائم القتل والبحث في أسباب إغلاق الملفات وعدم محاربة فوضى السلاح وعصابات الإجرام والإتاوة وغيرها في مجتمعنا العربي.

ولعل الأبرز في سياسات الشرطة وتعاملها في قضية انتشار عصابات الجريمة في المجتمع العربي تركيزها فقط على عدم اختراقها للمجتمع اليهودي.

والأخطر من هذا كله، أن الشرطة تتعامل مع العرب كأداة سيطرة وتطويع، وتعمل على تحويل بعض المجرمين إلى أدوات مخابراتية، وتحاول إسقاط شباب ليصبحوا متعاونين معها، ثم تضع جهدها للقمع والملاحقات السياسية.

وتجترُ الشرطة شروطها في لوم الضحية، وتطالبها بـ"التجند والمساعدة" في محاربة العنف والجريمة، وكأن هذه المشكلة وليست سياساتها وممارساتها العنصرية تجاه المواطنين العرب.

لا يكمنُ الحل في تجنيد الشبان العرب للخدمة في الشرطة، كما لم تكن الزيادة في عدد مراكز الشرطة بالبلدات العربية لتُخفض نسبة العنف والجريمة ولم تمنع تفاقمها كما ثبت في الأعوام الأخيرة.

وعليه فإن الحل، حسب رأيي، يكمنُ في إعداد خطة طوارئ مهنية، بمشاركة مختصين عرب وممثلين عن لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية واللجنة القطرية لرؤساء السلطات المحلية والأحزاب والحركات السياسية واللجان الشعبية والجمعيات والأطر الأهلية في مجتمعنا، لمحاربة الجريمة، ووضع أهداف محددة، تعتمد على جمع السلاح ومحاربة عصابات الإجرام والإتاوة وإحداث تغيير جوهري في برامج مناهضة للعنف.

وأخيرا، فإنه علينا نحن، مجتمعا وأفرادا، العمل بجدية من أجل تعزيز مرجعية قيمية رادعة، فالقانون وَحْدَهُ لا يحمينا من العنف والجريمة، مع التأكيد على ألا تبقى الجريمة في المجتمع العربي دون عقاب، وأن إنزال أشد العقاب على المجرمين يمنع اقتراف جرائم أخرى.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص