التراجعات الإسرائيلية بين الاقتناع أو تغيير الحسابات

التراجعات الإسرائيلية بين الاقتناع أو تغيير الحسابات

تعالج هذه المقالة ثلاثة تراجعات إسرائيلية جرت منذ عام 1993 وحتى اليوم؛ الأولى هي الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993 وما تلاه من إعادة انتشار للجيش الإسرائيلي إلى خارج المدن الفلسطينية بين العامين 1994- 1996؛ والثانية هي الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوبي لبنان عام 2000؛ والثالثة هي "فك الارتباط" الإسرائيلي مع غزة وتفكيك المستعمرات الإسرائيلية في منطقة جنين عام 2006.

وتهدف هذه المعالجة إلى تحديد العامل الرئيس الذي أدى لهذه التراجعات على اختلافها، وما الذي يمكن تعلمه منها بالنسبة للنضال الفلسطيني اللاحق في سبيل حقي العودة وتقرير المصير على أرض فلسطين.

بادئ ذي بدء يجدر التمييز بين هذه التراجعات الثلاثة، إذ لم يأت مكتملا منها سوى الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوبي لبنان، أما إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي خارج المدن الفلسطينية بين أعوام 1994 – 1996، فقد كان مؤقتًا حيث تمت العودة عنه كلية لدى قيام الجيش الإسرائيلي بإعادة اجتياح الأراضي الفلسطينية بشكل كامل عام 2002 (الانتفاضة الثانية)، كما أن إعادة الانتشار تلك (وليس الانسحاب) كما تمت تسميتها قد تضمنت "حق" الجيش الإسرائيلي بالقيام بـ"مطاردات ساخنة" داخل المدن الفلسطينية، حينما تقتضي الضرورة الأمنية الإسرائيلية وهو ما نصت عليه اتفاقيات أوسلو 1 وأوسلو 2 بين الطرفين.

أما ما سمي في خطة أريئيل شارون لعام 2004 بـ"فك الارتباط مع غزة"، فلم يكن أيضًا انسحابًا رغم سحب قوات الجيش وتفكيك المستعمرات داخل قطاع غزة، ولكنه اتخذ شكل إعادة انتشار للجيش الإسرائيلي خارج القطاع ليسيطر سيطرة كاملة على كل منافذ الدخول والخروج منه، محولًا إياه إلى سجن كبير.

حصل اعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية، ومنحها موطئ قدم داخل جغرافية فلسطين لأول مرة منذ نشوئها على خلفية ضغط الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي اتخذت الطابع الشعبي غير المسلح، وجاء انسحاب إسرائيل من جنوبي لبنان عام 2000 جراء الكفاح المسلح للمقاومة اللبنانية وما ترتب عنه من خسائر بشرية ومادية لإسرائيل. أما "فك الارتباط مع غزة" وتفكيك المستعمرات في جنين، فقد جاء على وقع نتائج الانتفاضة الثانية التي اتخذت الطابع المسلح وترتب عنها أيضًا إنشاء حزب "كاديما" في إسرائيل، والذي قام زعيمه الثاني إيهود أولمرت بالتفاوض مع منظمة التحرير في مؤتمر أنابوليس عام 2007، ثم مفاوضات عام 2008 التي أبدى فيها أولمرت استعداده للانسحاب من 94٪ من الضفة، وذلك على عكس إيهود براك الذي لم يتجاوز عرضه في مفاوضات كامب ديفيد عام 2000 الانسحاب مما يزيد عن 80٪ من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967.

يُستنتج مما تقدم أن المقاومة المثابرة، سواء كانت مسلحة أو غير مسلحة، هي ما حقق التراجعات الكلية أو الجزئية الإسرائيلية في الحالات الثلاث المذكورة. يتناقض هذا الطرح مع وجهة النظر القائلة بأن الانتفاضة الثانية باستخدامها للعنف قد كانت وبالًا على الشعب الفلسطيني. فعلى العكس، فهي قد حققت بعض التراجعات الإسرائيلية المجزوءة، كما يؤكد حتى المراقبون الإسرائيليون منهم دمتري شومسكي، الأستاذ في الجامعة العبرية وكاتب العمود الصحافي في جريدة "هآرتس" (2 كانون الأول 2020).

ففي مقالة له ترجمتها جريدة "الأيام" الفلسطينية إلى العربية بعنوان "اليمين الاستيطاني ومحفزات الانتفاضة الثالثة"، يشير إلى أن الانتفاضة الثانية والخسائر التي خلفتها في إسرائيل هي ما دفعت أولمرت لتقديم صيغة حل سياسي أفضل من أي صيغة سبقتها. ويضيف شومسكي أن غياب أو تراجع الكفاح الفلسطيني المسلح بعد 2005 هو ما أدى لنمو وانتعاش اليمين الإسرائيلي المتطرف، الذي بات يرى أن عمليات التهويد التي يقوم بها لم تعد تلقى ردودًا فلسطينية مقاومة مما جعله يمعن في هذه الخطوات نحو تصفية القضية الفلسطينية، واستبدال بنيامين نتنياهو المتطرف بمن هو أكثر تطرفًا منه في استطلاعات الرأي، مشيرًا بذلك زعيم حزب "يمينا"، إلى نفتالي بينيت. ويختتم شومسكي مقالته بالقول إن كل ذلك سيجعل الفلسطينيين يعودون للاستنتاج مجددًا بأن استخدام القوة هو السبيل الوحيد لجعل إسرائيل تتراجع لصالحهم.

يحيلنا التحليل السابق إلى المقارنة بين ما قبل عام 2005 وما بعده، إذ كان لفصائل الشعب الفلسطيني "أسنانًا" شعبية وفدائية سواء بسواء قبل 2005، أدت إلى تحقيق تراجعات إسرائيلية جزئية، كان لها أن تتعمق وتتوسع سواء في تسعينيات القرن الماضي أو إبان الانتفاضة الثانية، لو استمر الكفاح بشكل أكثر ثباتًا بدلًا من الإسراع نحو الحصاد قبل أن تنضج ثمرة الكفاح كاملة. أما بعد 2005، فقد انتهت ممارسة الكفاح من فصائل منظمة التحرير وتحول الكفاح إلى انفجارات عفوية غير منظمة تتخذ الطابع المحلي، أو هجمات فردية غير منظمة بالسكاكين أو بالدهس، أو إطلاق صواريخ من غزة المسجونة التي دفعت ثمن ذلك باهظًا بحروب مدمرة للبشر والمساكن والمنشآت شنتها إسرائيل عليها في أعوام 2008 - 2009، و2012، و2014.

يرى محللون غربيون أن التراجعات الإسرائيلية المذكورة هي نتاج لإعادة حسابات إسرائيلية أكثر منها نتاجًا للخسائر التي لحقت بإسرائيل بشريًا وماديًا. ووفق هذا التحليل فإن إسرائيل قد انسحبت من جنوبي لبنان نتاجًا لتقديرها أن لا مصلحة لإسرائيل في استمرار احتلاله، وذلك رغم أن إسرائيل تمتلك القدرة الكاملة على تدمير حزب الله تدميرًا كاملًا حينها، ولكنها تراجعت عن ذلك لاعتبارات المصلحة وفق رأيهم. كما يرى هؤلاء المحللون أن إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي خارج مدن الضفة وغزة في تسعينيات القرن الماضي لا يعبر عن نكوص أمام فعالية الانتفاضة الأولى، بقدر ما هو نتاج حسابات حزب العمل الإسرائيلي في ذلك الوقت، الذي أراد جلب منظمة التحرير من الخارج وتوريطها في تقاسم إقليمي للأرض الفلسطينية يخضع للسطوة الإسرائيلية الكلية، كما يرى المحللون ذاتهم بانسحاب شارون من غزة وتفكيك المستوطنات في جنين عام 2005 كنتاج حسابات إسرائيلية لتركيز الاستيطان الاستعماري في القدس والنقب والجليل، بدل تشتيته في كل البلاد مما يمنع تشكيل أغلبية إسرائيلية فيها كلها.

يُرد على هذه الطروحات أن قوة إسرائيل لا تلغي حساسيتها المعروفة تجاه الخسائر سيما البشرية منها، وعدم استعدادها لتلقي خسائر كثيرة من هذا النوع فيما تحتفظ في الوقت ذاته بحساباتها المتغيرة في كل فترة من حياتها، تبعًا لطبيعة قيادتها في كل مرحلة والظروف التي تعيش فيها هذه القيادة في كل وقت من الأوقات المتغيرة.

بقي أخيرًا أن نشير إلى مدرسة فكرية تقول بأن التراجعات تحصل عند أي طرف نتيجة تغيير حساباته حول ما هو الأنسب لتحقيق مصالحه، لا نتيجة الاقتناع بحقوق الطرف الآخر. ما تقوله هذه المدرسة التي واجهتها عندما زرت جامعة ستانفورد الأميركية أول مرة عام 2001 وتلتها مرات، هو درس لكل من يؤمنون بأن مشكلة إسرائيل مع الشعب الفلسطيني ناشئة عن عدم وعي وعدم معرفة لدى الشعب الإسرائيلي بالشعب الفلسطيني، وتاريخ قضيته ومعاناته، وأن علينا بالتالي توعية الشعب الإسرائيلي أكثر فأكثر عبر التواصل معه ومع قواه من أجل توسيع تأييد الشعب الفلسطيني، وخلق رأي عام إسرائيلي مؤيد للحقوق الفلسطينية.

هذا الطرح خاطئ لثلاثة أسباب؛ الأول، أن الشعب الإسرائيلي له مصلحة في المشروع الصهيوني وفي الحفاظ على ما سلبه من أراضي وممتلكات الشعب الفلسطيني، وبالتالي فإن المشكلة هي المحافظة على الامتيازات المترتبة عن المشروع الصهيوني لكل فرد إسرائيلي، وهي مشكلة لا تحلها التوعية إلا عند أقلية يهودية صغيرة وهامشية ذات ضمير يجعلها مستعدة للتنازل عن امتيازاتها. أما الأمر الثاني، فهو أن الحالات الثلاث أعلاه قد بينت، خصوصًا الحالة اللبنانية، أن المقاومة للمشروع الصهيوني من خارجه هي الوسيلة لجعل هذا المشروع يصبح مكلفًا بشريًا واقتصاديًا وماديًا، ما يؤدي لتغيير الرأي العام داخله وما يجعله يضغط على قيادته للقيام بخطوات مثل الانسحاب من جنوبي لبنان عام 2000، بعد مظاهرات مليونية دعت لذلك حينذاك. وثالثا، هناك إعادة انتشار و"فك ارتباط" تما في فلسطين نتيجة خسائر إسرائيلية مترافقة مع تغير في حسابات القيادة الإسرائيلية، حول كيفية تحقيق المصالح الإسرائيلية بشكل أفضل وليس نتيجة اقتناع بحقوق الشعب الفلسطيني. وعليه فقد طرح الأكاديمي الإسرائيلي شومسكي أن الفلسطينيين سيعودون لاكتشاف المقاومة كوسيلة لتغيير إسرائيل وتغيير حساباتها، بديلا عن مجرد التواصل مع الشعب الإسرائيلي بلا أسنان المقاومة، أو مجرد التفاوض مع القيادات السياسية الإسرائيلية لجعلها تقتنع بالحقوق الفلسطينية، وهو من الوهم حدوثه من دون ضغط المقاومة السابق والمرافق.

اقرأ/ي أيضًا | بعد نجاح بايدن: ماذا نحن فاعلون؟ ملاحظات أولية


د. وليد سالم، باحث وكاتب من القدس

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص