منصور عباس.. المغامرة انتهت

منصور عباس.. المغامرة انتهت

لم يكشف الوزير تساحي هنغبي سرًّا. كلّ ما فعله أنّه رفع حرج التعامل مع عربي عن نتنياهو في معركة انتخابيّة حاسمة وأكثرها تهديدًا لمقعده منذ عام 2006، وقطع الطريق على مغامرة منصور عباس، التي بدأت نقديّة وواعية قبل أن يصعد البخار إلى رأسه.

ضاق نتنياهو بتصرّفات منصور عباس أسرع ممّا ضاقت الحركة الإسلاميّة الجنوبيّة بها كما أوحى بيانان سابقان للحركة. ضاق نتنياهو من هذا العربي الذي تحوّلت صورته لصيقةً بصورته في إستديوهات الأخبار المركزيّة والصحف الرئيسيّة. عربي ينكشف ملايين الإسرائيليين يوميًا على "إشاعات" عن زواج سرّي بينه وبين نتنياهو. لا يطيق الإسرائيليّون ذلك. لا يطيق نتنياهو ذلك. ولا يطيق مصّوتو نتنياهو ذلك.

قطع هنغبي ما تبدو أنها "علاقة" بين نتنياهو والنائب منصور عباس. وكشف عن خطّة الليكود علنًا: فرط القائمة المشتركة، ومن ثم "سرقة" (بتعبيره) الأصوات العربية من منصور عباس (تصريحات هنغبي معناها، عمليًا، أنّ لا حاجة لهم بمنصور عباس في الكنيست).

قرّر نتنياهو التوجّه مباشرة لمخاطبة العرب. سينافس منصور عباس على قاعدته، قاعدة اليائسين من القائمة المشتركة والمنخدعين باتفاقيّات التطبيع والمطالبين بانخراط أكثر في المجتمع الإسرائيلي. وهذه القاعدة كلّها لا تتجاوز، وفق استطلاعات الرأي، خمسة مقاعد في أقصى تقدير، يهدف نتنياهو إلى أخذ مقعدين منها، بمعنى أن النائب منصور عباس سيجد نفسه، إن استمرّ نتنياهو في ضربه من جهة والقائمة المشتركة من جهة أخرى، خارج الكنيست.

أو قد يجد نفسه أمام خيار وحيد يتمثّل في العودة إلى القائمة المشتركة.. لكنّها عودة أكثر ضعفًا من الموقف الحالي، وسيُحمّل مسؤولية التراجع الحالي في استطلاعات الرأي، بدل هدف "مناورته" الأساسي: زيادة تمثيله البرلماني سواءً داخل المشتركة أو خارجها.

أتفّق مع منصور عباس في عدّة أمور: في النفور من "اليسار" الإسرائيلي ومن التودّد تجاه رموزه من القائمة المشتركة. وفي سوء شعار إسقاط نتنياهو وتمادي المشتركة كثيرًا حين حوّلته إلى برنامج عمل سياسي. وفي أن القائمة المشتركة بحاجة إلى تغيير جدّي في تركيبتها الحاليّة (كان يمكن أن يحدث ذلك لو لم يسارع قبل عام إلى التوصّل إلى تفاهمات مع الجبهة لضرب مطالب التجمّع). وفي الضرورة إلى الكفّ عن بهلوانيّات النواب العرب من على منصّة الكنيست، والالتفاف إلى قضايا ناخبيهم الملحّة الآن: العنف والأرض والمسكن.

ولكنّ منصور عباس أخطأ في تحويل النفور من "اليسار" إلى تودّد إلى اليمين، حتى وصل به الأمر إلى مدح القدرات الاجتماعية لعضو الكنيست بتسلئيل سموتريتش في مقابلة مع "معاريف". أخطأ عندما انخدع ببريق الإعلام الإسرائيلي الذي بحث خلال الأسابيع الأخيرة عن موقف عباس في أيّ تصويت يحدث في الكنيست. وأخطأ في تحويل خطأ رفع شعار إسقاط نتنياهو (الذي كان عباس من أشدّ المتحمّسين له) إلى التعاون معه. وفي الدفاع عن دور الشرطة الإسرائيليّة في العنف والجريمة وتقصيرها أحيانًا وتواطؤها أحيانًا أخرى مع منظمات الإجرام، الذي ينتقده حتى أشدّ غلاة المدافعين عنها.

والأهمّ أن التحوّل في موقف عباس يأتي دون مراجعة جديّة ويبدو ارتجاليًا، ولم تنجح الدعاية الانتخابيّة المكثّفة التي أطلقها في الترويج إلى أنه يأتي عن قناعة. أولا لأنها انشغلت بإقناع الإعلام الإسرائيلي (أكثر إغراءً من الإعلام العربي) بدل الانشغال بإقناع قاعدته الانتخابيّة المحتملة لتوسيعها، وفلت النقاش من يديه حتى تحوّل إلى شيء من المناكفة: مناكفة في الإعلام الإسرائيلي لخصوم نتنياهو ضدّه ومناكفة في الإعلام العربي بين مكوّنات المشتركة – خصوصًا الجبهة. ولا أفضل من المناكفة لتضييع الخطاب السياسي.

الانطباع أن تحوّل عباس غير جدّي وغير مقنع مردّه إلى أنه لا يشبه تحوّلات أخرى قادها عباس. من لم يعجب بالحوار المجتمعي الذي أجراه عباس قبل ثلاثة أعوام حول ميثاق الحركة الإسلامية؟ والنقاش المثري حول علاقة الدين بالعلمانيّة والدولة؟ والمراجعة الجديّة حول الأدوار السياسية للحركات الإسلامية سواءً في تركيا والوطن العربي أو محليًا؟

في تلك الحالة أثار عباس نقاشا مجتمعيًا واسعًا ومهمًا. لم يلجأ فيه إلى استطلاعات كتلك التي نشرها منذ مدّة وتشوبها ملاحظات مهنيّة عديدة في طريقة صياغة الأسئلة، التي توجّه القارئ إلى إجابة واحدة. التسلّح بالاستطلاعات جيّد، لكنّه لا يكفي دون حوار مجتمعي واسع. وتجربة الطيبي في انتخابات نيسان/أبريل ٢٠١٩ خير مثال: المبالغة جدًا في الدور السياسي ومن ثمّ الضمور الشديد والسريع إلى أقلّ من مقعدين، ما كان ليحصل عليهما لولا التحالف مع الجبهة.

فوّت منصور عباس فرصًا كثيرة: فوّت فرصة تغيير شكل القائمة المشتركة بسرعة تحالفه مع الجبهة العام الماضي أمام مطالب التجمّع. فوّت فرصة حوار جدّي حول المتابعة ووظيفتها ودورها (بيان الإسلامية يمثّلني ١٠٠٪) بتحويلها إلى مناكفة مع الجبهة "وخالف تعرف" دون سعي حقيقي إلى تحالفات انتخابيّة داخل المتابعة وفصلها عن مناكفات المشتركة. وفوّت فرصة التغيير في صورة الإسلاميين عندما حوّل الموقف الأخلاقي من منع العلاجات القسرية للمثليين إلى مناكفة أخرى مع الجبهة والتجمّع. وفوّت فرصة منع الهرولة وراء أحزاب "اليسار" في تحويلها إلى تودّد لليمين، بدل العودة إلى أبناء شعبه.

لكن منصور عباس لا يتحمّل كل ذلك لوحده. هناك ظروف سياسية داخل المشتركة لا تتيح أي نقاش ولا تسمح بأي اختلاف، وماكينات إعلامية متخصّصة بالمزاودة الفارغة "وتعليم الناس" كيف يكونون وطنيين. لقد جرّبها التجمّع العام الماضي قبل أن يفضّل خيار الانخراط في المشتركة.

آن الأوان لمراجعة جديّة داخل الأحزاب حول الهاوية السياسيّة التي انزلقت إليها مع التوصية على غانتس، والأخطر من غانتس هو الخطاب السياسي الذي رافق التوصية، وكان منصور عباس جزءًا منه وشريكا فيه. وما تخلّل ذلك من أوهام حول الساحة السياسيّة الإسرائيليّة تشير إلى جهل مطلق بقواعدها وخلفيّاتها السياسية والأيديولوجيّة والتطورات السياسية من حولنا.

ويتحمّل مسؤولية هذه المراجعة النائب أيمن عودة، رئيس القائمة وأشدّ المتحمّسين لخطاب التوصيّة بأي ثمن والإصرار على صوابية ذلك الخيار حتى لو كانت النتيجة ما نرى الآن.. لأنّ المكابرة والإصرار على الأخطاء ليسا برنامجًا سياسيًا، ويصلح فيهما قول أبو الطيب المتنبّي "كذا أنا يا دنيا إن شئتِ فاذهبي"، والدنيا، هنا، تذهب فعلا.

هل سألتم عن التجمّع؟ نحن نسأل مثلكم أيضًا.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص