هل دورنا أن نقدم حلًا للجلاد؟

هل دورنا أن نقدم حلًا للجلاد؟

هذا السؤال الاستنكاري أو الاحتجاجي يطرحه البعض المحسوب على التيار الناقد لمسار أوسلو التصفوي، في مواجهة أنصار وناشطي الدولة الديمقراطية الواحدة في فلسطين التاريخية، من مناضلين مثقفين وأكاديميين وعمال وموظفين، والذين تزداد أعدادهم.

وللدقّة، هم ليسوا معارضين مبدئيًا لفكرة الدولة الواحدة بل يعتقدون أنّ هذا تحصيل حاصل في نهاية مسيرة نضالية فلسطينية، تبدأ أو تتجدد، أوّلًا من خلال إعادة الاعتبار لوحدة الشعب الفلسطيني ولفكرة فلسطين، وأن يخوض كل تجمع فلسطيني (فلسطينيو 48، في الضفة والقطاع، وفي الشتات) نضالاته في موقعه من خلال رؤية وطنية مشتركة، أي دون طرح مشروع سياسي واضح.

طبعًا هناك أكثر من توجه أو مقاربة في أوساط المناهضين لإطار أوسلو، بخصوص الصيغة الأكثر مناسبة لمواجهة الوضع الراهن، منها "خطاب الحقوق" الذي تعتمده حركة المقاطعة (BDS) منذ انطلاقها عام 2005، وقبلها حزب التجمّع الوطني الديمقراطي، الحزب الوطني الذي كنا من المؤسسين له كمشروع لإعادة بناء الحركة الوطنية داخل الخطّ الأخضر بخطاب يفضح التناقض البنيوي للصهيونية مع المساواة والحقوق الإنسانية الكونية. ولهذا الخطاب أهميته وفاعليته الكبيرة، ولكن أيضا له محدودية، وليس هنا المجال لتناولها.

لم ينشأ هذا السؤال أو التساؤل إلا مؤخرًا لدى أصوات عديدة، وذلك في سياق الحراك الفكري المتجدّد في الساحة الفلسطينية والهادف إلى إيجاد طريقة خروج من المأزق الخطير الذي تعيشه القضية والحركة الوطنية الفلسطينية، وتحرير العقل السياسي الفلسطيني من الجمود القاتل، ودوغمائية كليشيه حل الدولتين المسلوخ عمّا يجري أمام ناظرنا، بل الذي بات أشبه بمقولة دينية، ناهيك عن عدم عدالته.

إذ لم يطرحه أحد أو أي فصيل فلسطيني، بل لم يكن عائقًا أمام التطور في التفكير السياسي الفلسطيني، عندما تبنته منظمة التحرير الفلسطينية، ومن خلال المجلس الوطني الفلسطيني عام 1969، والذي كان يتضمن، صراحةً، قبول مواطنة الإسرائيليين في ظل دولة فلسطينية ديمقراطية من البحر إلى النهر.

إن أنصار الدولة الواحدة يهجسون بمصير شعبهم في الإساس، كما هجس الأوّلون من قادة هذا الشعب، وقبل أن يتغيروا.

يطرح حل الدولة الديمقراطية الواحدة طريقًا لإنهاء العذابات والجريمة الصهيونية المستمرة، وعذابات اللجوء والسجون والحصار والتمييز والنهب. هو طريق لتجميع شعبنا باتّجاه تخليصه من عنف المستعمر وظلمه وتحقيق حياة حرّة كريمة في وطنه (فلسطين) من خلال رؤية واضحة، تبدّد الظلام والغموض الناجمين عن غياب الرؤية والمشروع. هو طريق لعودة اللاجئين ونسلهم إلى ديارهم، وتعويضهم عمّا عانوه وخسروه.

ليس هذا فحسب، بل إن الإضافة التي يقدّمها هذا الحل التحرّري الوطني الديمقراطي، هو أنه يقترح تصوّرًا لشكل النظام السياسي المستقبلي الذي سيعيش في ظله هذه الشعب، النظام الذي يضمن عدم إستمرار الإرث الاستعماري الكولونيالي، الذي لا تزال تجلياته الكارثية في دول الوطن العربي، كالتبعية والاستبداد والقهر والتأخّر التنموي، وانعدام الديمقراطية والحريات والمساواة، الذي ما زال باقيًا وحيًا، وبصورة بشعة ومتوحشة. ومن تجليات هذا الإرث، أنظمة الحكم الملكية والجمهورية المستبدة والفاسدة والرجعية والمتوحشة، التي وفّرت أفضل الشروط لبقاء وتغول نظام الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين والمنطقة العربية. ويمكن أيضًا فهم العجز عن مواجهة الاحتلال والاستعمار، وإنهاء الإنقسام من خلال النظر والتمعن في طبيعة نظام أوسلو الفاسد والمنحرف.

تستمدّ الدولة الديمقراطية المنشودة مبادئها من قيم التحرّر الوطني، ومن القيم الإنسانية الكونية التي تقوم على المساواة بين البشر وبين المواطنين، بغضّ النظر عن الدين أو العرق أو الإثنية أو القومية أو النوع الاجتماعي.

إن حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، الذي قاد النضال والمقاومة ضد نظام الأبرتهايد الكولونيالي وانتصر عليه عام 1994، لم يطرح هذا السؤال عندما أصدر عام 1955، ميثاق الحرية الشهير (Freedom Charter) والذي حدّد - بشكل قاطع - مطلبه في إسقاط نظام الأبرتهايد والمساواة الكاملة مع المستوطنين البيض، تحت شعار one man one vote، وثابرت قيادة حزب المؤتمر الأفريقي والمنظمات الشعبية والمهنية والنقابية والطلابية، في التمسك بمضمون هذا الميثاق، على طول مسيرة المقاومة والكفاح حتى سقوط النظام. ولم تتقلّب برامجه كما تقلّبت برامج قيادات منظمة التحرير الفلسطينية، التي تدحرجت تنازلاتها من تحرير فلسطين إلى الدولة الديمقراطية العلمانية الواحدة في كل فلسطين، إلى الدولة المرحلية في الضفة والقطاع عام 1974 إلى الدولتين عام 1988، ومن ثم إلى الحكم الذاتي الحالي الذي هو نسخة من نظام البانتوستانات الذي رفضته قيادة حزب المؤتمر، بل حاربته بكل قوة فسقط مع وكلائه العملاء السود.

إن هذا الميثاق، الذي تضمّن هدف الدولة الديمقراطية الواحدة في جنوب أفريقيا، لم يكن عائقًا أمام وحدة الشعب وغالبية قواه الشعبية، بل بالعكس تماما، شكّل قوة تحشيدية شديدة الفاعلية للناس ولطاقاتهم في الداخل، وخطابًا أخلاقيًا قويًا نحو الخارج. وأسر خيال أحرار العالم وحشدهم حول نضال السود في مواجهة خطاب الفصل العنصري البغيض، وأجبر الحكومات الغربية على الخضوع أمام ضغوط مجتمعاتها المدنية، ووقف تأييدها لنظام الأبرتهايد.

أيضا، حتى في الحالة الاستعمارية في الجزائر التي انتهت إلى خروج المستوطنين عام 1962، بفعل المقاومة العربية الجزائرية البطولية، عرضت قيادة المقاومة عليهم، عندما جرت المفاوضات مع فرنسا، البقاء في البلاد إذا رغبوا، بشرط تجريدهم من الامتيازات الاستعمارية، ولكنهم اختاروا العودة إلى دولتهم فرنسا، بعد حوالي 130 عامًا من الوجود الاستعماري الفرنسي.

إنّ أي حركة تحرر وطني لا بد من أن تحدّد برنامجها السياسي والهدف النهائي الذي تسعى إليه، وشكل وطبيعة النظام الذي تنشده، على أنقاض نظام الاستعمار والاستبداد والاستغلال، وهو نظام ديمقراطي مساواتي يضمن ويحمي حقوق الناس بغض النظر عن العرق والدين والإثنية.

"العاصمة"... القدس والفعل الثقافيّ | ملف خاص