أم الفحم وآذار الفلسطينيّ

أم الفحم وآذار الفلسطينيّ

قلت لصديق ذات يوم، إذا فتّشت عن اللغة تجدها محفوظة هناك، وإذا سألت عن تراث الآباء والأجداد، ستجده يتوارث، جيل بعد جيل، هناك عند من بقي جذره ضاربًا، وإذا بحثت عن الأرض والتاريخ، فإنها مخبأة بين ضلوع أهلها، وإن فاضت أسئلتك عن حكاية البرتقال والزيتون والصورة الأولى لبلادٍ لم تراها سوى في أحلام محدثيك عنها، يكفي أن تنظر هناك في عمق فلسطين، وإذا سألت عن نكبتك وأصل الرواية بعيدًا عن محاولات الأسرلة والتهويد، حتمًا لا تبحث عن الجواب، فتشاهده بأم العين في ردِّ قرى وبلدات فلسطين عام 1948، وهي تجتمع في أم الفحم في جمعةٍ من شهر آذار.

تقاطَر أهل البلاد من سخنين وعرابة والناصرة ويافا وحيفا وكفركنا وباقة والشيخ مؤنس وعكا، ومن كل قرية ومدينة في الجليل زحفوا جميعًا إلى أم الفحم، وقالوا كلمتهم ضد الجريمة والتهميش والأسرلة والتهويد وتأكيد الانتماء لأرضهم وعروبتهم. وإذا أردت الهروب من قرف السياسة العربية والفلسطينية الرسمية، فعليك الإنصات لأخبار البلاد وحكايتها.

يأتي آذار الفلسطيني من أم الفحم بعد خمسين عامًا على آذار يوم الأرض، متفجرًا غضبًا، ويجدد وعينا بين واقع تركه المسؤولون عن قضيتنا، وبين الأمر الواقع الناسف لكل الأوهام المختبئ خلفها متصهين عربي وصهيوني مستورَد من بولندا وروسيا وأميركا وفرنسا.

تنتزع أم الفحم الغشاوة المتداولة بين المؤسسة الصهيونية وبين من يراهن على وداعتها بالعسل والزيت، وتردّ صاعَ الاتهام "لمن باع" أرضه وهو المتجذر فيها. أم الفحم تعيد صفاء الرؤية لمشهد فلسطين التاريخية بشاباتها وشبابها، وبرجالها ونسائها وأطفالها، لا تتزحزح حتمية الحق بالأرض والتاريخ والجغرافيا والتراث، لا أحد بمقدوره تغيير مسار الخطى لأصحاب البلاد، ولا تستطيع البلاد إلا أن تكون وفية لمن حفظ طقوس الزيت والزعتر والميرمية والميجانا وثوب العرس وقمباز الفرح.

بعد خمسين عامًا على يوم الأرض، تستعيد أم الفحم آذار من بدايته، وفي اللحظة التي تلحّفت المؤسسة الصهيونية بعطايا التطبيع ووعود التحالف معها وتقوية مستعمراتها، والتضييق على أصحاب البلاد والأرض، كانت الحقيقة تشهر ذاتها من حناجر الفحماويين، وتحتال أم الفحم على أيام سوداء من العنصرية والجريمة ومحاولات الأسرلة والطمس والإذابة، ثم تهاجم ادعاء "المساواة والمواطنة" في دولة اليهود.

يمتشق فلسطينيو 48 سلاح الهوية والحق في الأرض والانتماء، ويجددون ذاكرتنا بشهر الأرض وأعوامها ونكبتها، ويصقلون الجوهر بإعادة الحقيقة لمن نسي أو تناسى حقيقة الواقع والفارق بين القابض على أرضه وتاريخه وهويته، وبين من يساوم على ما لا يملك.

في أم الفحم، كما في معظم مدن وقرى الجليل والمثلث الفلسطيني، فرضت المؤسسة الصهيونية منذ استيلائها على الأرض "شرعية" استيعاب أصحابها، ومارست عليهم محاولات استلاب قوتهم وتدجينها وأسرلتها في المؤسسة الصهيونية وقوانينها واستخدامهم "قوة عمل" في غيتوهات يأوون إليها وقت نومهم فقط، غير أن أصحاب الأرض لا يستطيعون الذوبان في الأسرلة، ولا في الانفصال عن أرضهم وتاريخهم. هذا واقعهم هم جزء من شعب منكوب، وهم البقية الباقية في عروبتها التي تدل على المكان والزمان والتاريخ والجغرافيا.

إحراز أم الفحم لحق أبناء فلسطين 48، في إعلاء كلمتهم العالية ضدّ المؤسسة الصهيونية وقوانينها العنصرية وتساهلها مع الجريمة، يفتح الثغرة مجددًا في جدار أكاذيب المؤسسة الصهيونية عن المواطَنة والعدالة والمساواة، وصرخة أهل البلاد تفسر الجنوح المستمر للتأكيد على إبراز الهوية العربية والفلسطينية في صراعهم الدؤوب مع المؤسسة الصهيونية، أمّا الحضور الكثيف لأهلنا في تظاهرة أم الفحم، يمكن إدراجه في خانة الغضب العارم من المؤسسة الصهيونية ومن بعض المتصهينين العرب، الذين يطعنون بوطنية أهل البلاد، وغضب من قيادة سياسية فلسطينية فكّت الارتباط معهم منذ زمن بعيد
أخيرًا.

القاسم المشترك الذي جمع عشرات الآلاف من فلسطينيي 48 في مظاهرة أم الفحم، هو الولوج المشترك من باب الصدام مع المؤسسة الصهيونية، وهو الشكل الأصيل لمجتمع يتعرّض لمختلف أنواع الاستهداف للجلاء عن أرضه، وهو الذي يعي جيدًا مطامع المؤسسة الصهيونية في أرضه وتاريخه رغم فشل التهويد والعبرنة للجغرافيا.

تبقى أم الفحم اليوم، أمُ فلسطين الـ48 ووصلة النضال لآذار يوم الأرض الخالد أبدا.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص