ملاحظات حول مظاهرة أم الفحم

ملاحظات حول مظاهرة أم الفحم

الحدث المحوري في مظاهرة أم الفحم هو مظاهرة أم الفحم، فقد التقت جماهير شعبنا في عظمة الحشد وجهورية صوت الشعب في مواجهة الجريمتين معا - جريمة العصابات ودفيئتها المتمثلة بتورط الدولة وشرطتها في السعي إلى تفتيت المجتمع الفلسطيني في الداخل وتدمير بنيته ضمن مخططات أكبر.

كل ما جرى على هامش المظاهرة الجبارة يبقى هناك، وكما لم تشعر به غالبية الجماهير المشاركة، فلا يعقل أن يحظى بحشد إعلامي أكبر من المسيرة التي كنست الإحباط وعمّمت الأمل في نفوس الشعب ليس فقط في الداخل وإنما كل شعبنا الفلسطيني وشعبنا العربي، يكفي أن نمر على ردود الفعل الإعلامية وعلى وسائل التواصل كي نرى عظمة الأثر.

قد تدعي شرطة إسرائيل بقرار حكومة نتنياهو ما تريد بشأن إغلاقها الشوارع الرئيسية المؤدية إلى أم الفحم، لكن أهل الوطن أدرى بشعابه، لتتسع هذه المدينة لشعب قوي موحد، وليخترق حتى المجتمع الإسرائيلي نفسه ليحضر المئات منه إلى عاصمة الحدث، وبالذات كي يشحنوا أنفسهم بطاقات شعبنا.

الحقيقة الساطعة في إغلاق الطرقات عن أم الفحم، هي اعتراف الدولة وأجهزتها القمعية بأنها غير قادرة على مواجهة مثل هذا الحشد. صحيح أنها تملك كل العدة والقوات والعتاد، لكن في مواجهة الإرادتين ليست هي الأقوى.

وفي المواجهات غير المتكافئة من حيث القوة، يكفي أن تعطّل جماهير شعبنا قوة بطشهم ولا تستطيع الدولة استخدام هذه القوة وتحمل مسؤولية نتائجها.

مظاهرة أم الفحم (تصوير "عرب 48")

خيط رفيع جدا، ما بين الاحتجاج والاعتداء

كل اعتداء جسدي أو كلامي مدان مهما كانت دوافعه، وكان من كان منفّذه.

التعبير عن الرأي والهتاف ضد شخصية قيادية ليس غير شرعيّ، بل أنه حق، وبين الحق وممارسة الحق قد تدخل اعتبارات أخرى سأتعرض لها لاحقًا.

لم يكن الهتاف ضد النائب، منصور عباس، من منطلق شخصي أو حزبي، ولم يكن باسم المظاهرة، إنما كرد فعل عفوي من أفراد أو مجموعة صغيرة على نهجه السياسي وتصريحاته التي تحفظت عليها حتى حركته السياسية، سواء بشأن إشادته بدور الشرطة الإسرائيلية أم بشأن الأسرى وتصريحاته الأخرى الغريبة على الخطاب الوطني، وهي أمور مست وتمس في وجدان الناس حتى وإن تراجع عن الأخيرة منها.

في كفر قرع، وقبل أسابيع معدودة قامت مجموعة من الجمهور المشارك في هبة الغضب إثر جريمة قتل الشاب سليمان نزيه مصاروة، باعتراض تظاهري، لا يتميز باللطافة، وباسم الغضب، سعيا لمنع رئيس لجنة المتابعة، محمد بركة، من إلقاء كلمة وحدوية باسم الجماهير العربية، وجرت مهاجمة كل القيادات الحزبية، وللتنويه فإن موقع رئيس لجنة المتابعة يفوق في أهميته موقع عضو كنيست.

هو رئيس الإطار الكياني القيادي لكل القوى الوطنية سواء التي تخوض انتخابات الكنيست أو تقاطعها. وقد تصرف رئيس المتابعة بمسؤولية عالية ورفض التوقف عند الحدث الهامشي، على حساب الحدث المركزي وهو هيبة الحزن وهبّة الغضب على جرائم القتل وتواطؤ الشرطة الإسرائيلية.

والشيء بالشيء يذكر، حين اعتدى رئيس بلدية الناصرة، علي سلام، كلاميا، على النائب أيمن عودة، بلغة تهديدية وعبريّة معا، وحاول طرده من الناصرة، وعمليا قال له "إطلع برا"، سكتت الكثير من الأصوات التي نسمعها اليوم.

وذلك فيه خطورة لأن الاعتداء المذكور صدر عن شخصية قيادية ومنتخب جمهور، والذي كال المديح الشخصي والسياسي لنتنياهو وأغدق في مديح الليكود وخطورة التكييل بمعيارين في التعاطي مع مثل هذه الأحداث هو أنها تمنح الشرعية لها وتسقط البعد الأخلاقي.

مظاهرة أم الفحم (تصوير "عرب 48")

حين منعت محاضرة للقيادية عضو الكنيست، عايدة توما، في قلنسوة ونتيجة تهديدات فعلية ترفّع الكثيرون عن إبداء الموقف، وإدانة التهديد.

هناك خط رفيع يفصل بين الاحتجاج والاعتداء، وكل مس بأحد جانبيه يعني استغلالا للحدث من أجل مكاسب جانبية. من حق النائب منصور عباس المشاركة في المظاهرة، وبالأساس واجبه، ومن حق من يرى صحيحا أن يحتج على نهجه وتصريحاته النقيضة لروح المظاهرة، لكن الاحتجاج شيء والتهديد ومحاولة الاعتداء شيء آخر، الأول شرعي والثاني مرفوض.

لكنني لن أمر مر الكرام على بُعد آخر، وأقصد وضعيتنا في هذه البلاد، فهناك مبدأ "تنتهي حرية الفرد حين تبدأ حرية سواه"، وتضع وضعيتنا علينا ثقلا آخر في التعامل مع هذا المبدأ، وهو الأخذ بالاعتبار عامل المسؤولية الذاتية والسياسية.

وهو الالتزام بالمظاهرة وبأهدافها ونظامها، وإذ لا أقبل اتهام الأفراد الذين هتفوا ضد النائب منصور بأنهم دخلاء أو سهولة التشكيك في وطنيتهم، اقترح أن لا نتسرع في توزيع الشهادات السهلة، أو الاكثار من طهارة الخطاب واعتبار ما حدث هو "الخط الأحمر"، إلا إذا جرى اعتماد ذات المعيار في كل انتهاك.

خيرًا فعلت لجنة المتابعة والأحزاب كلها والقائمة المشتركة والحراك الفحماوي وبلدية أم الفحم بأن أصدروا مواقف واضحة لا تقبل التأويل ولا تحتاج إلى تفسير. وأخطأت القائمة الموحدة بأن أكالت التهم إلى أحزاب بعينها، وحين تعاملت مع الحدث للكسب الانتخابي معطية إياه حجمًا يفوق مظاهرة أم الفحم كلها. ففي الاتهام غير المتأني وغير الدقيق تعميق للشرخ بدلا من معالجته.

روّج بعض الإعلاميين البارزين والمراسلين إلى الحدث بوصفه انتخابيا أي لمصالح انتخابية، وبذلك فقد أساءوا للحقيقة ولمصداقيتهم هم، فمثل هذه التحليلات تلائم الإعلاميين الإسرائيليين المستشرقين وبالأحرى المستعربين.

السعي الإعلامي لإضفاء نزعة انتخابية على الحدث فيها مسعى انتخابي ودفع للتاثير على الانتخابات باتجاه معين.

لكن وكي لا نحيد عن الجوهر، يبقى الحراك الفحماوي هو الحدث وهو الإطار، ويبقى نموذجا ناضجا متطورا من نمط الفعل الشعبي المؤثر والهادف. هذا ما يستحوذ اليوم على أوسع إجماع وإسناد، أنه طريق الشعب لإحقاق الحق، كل التحية.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص