الشاباك موجود أساسا... فما المقصود بـ"إدخاله"؟

الشاباك موجود أساسا... فما المقصود بـ"إدخاله"؟

في صيف سنة 2012، حضر ضابط أمن إسرائيلي إلى أحد الأعراس في إحدى قرى منطقة الناصرة، بدعوة رسمية من صاحب العرس كضيف. خلال الحفل بدأ إطلاق الرصاص الحيّ من بنادق ومسدسات احتفالا باستقبال العريس. ومع أن إطلاق النار كان مشروعا من سلاح تعتبره الدولة مرخّصًا أو "سلاح متعاونين"، إلا أن الضابط استدعى صاحب العرس بعد الحفل مباشرة، وطلب منه أسماء كل من أطلق نارا من بندقيته أو مسدسه في العرس.

كان من استجوبوا على خلفية إطلاق النار، أربعة، ثلاثة منهم أُطلق سراحهم فور اعتقالهم، والأخير أُبقي رهن الاعتقال، ثم قُدِّمت ضده لائحة اتهام، وحُكم عليه بالسجن لمدة سنتين. كان هذا الأخير قد أطلق النار ببندقية مهرّبة من نوع "كارلو" (مُصنعة في ورشة). واستطاع ضابط الأمن تمييز بندقية الكارلو المهربة من بين البنادق والمسدسات الأخرى، وذلك من صوت طلقاتها رغم ضجيج الموسيقى وصوت المفرقعات والرصاص في العرس! فالأمن وأجهزته حاضرون فينا.

يتصاعد في الآونة الأخيرة خطاب ضرورة إدخال جهاز الأمن العام (الشاباك) إلى المجتمع العربي من أجل مكافحة الجريمة فيه، وقد صرّح بذلك الأسبوع الماضي رئيس الحكومة، نفتالي بينيت، وأوضح أن حكومته عبر لجنة وزارية، ترى بوجوب "إدخال الشاباك والجيش" على الخطّ، من أجل محاربة تفشي الجريمة. وليست الحكومة وحدها من تدعي بوجوب هذه الخطوة، بل سياسيون وأكاديميون عرب كذلك، يرون في ذلك ضرورةً.

نعم، صحيح، إن مجتمعنا العربي بات يحتاج إلى كل إمكانية، وأي أداة ممكنة، من أجل حماية أبنائه من القتل وفوضى السلاح، وليس منّا من يحق له المزايدة على هموم الناس ودم أبنائهم. لكن آفة الجريمة التي باتت تفتك بنا، يجب ألا تدفعنا نحو السؤال الخطأ، هذا أولا؛ ولا إلى قبول وضع أنفسنا تحت سكين الابتزار ثانيا، بما يعنيه الابتزاز من "حياة مشروطة بالتعاون".

ليس السؤال، إذا ما كان "دخول الشاباك" هو من صلاحيات الحكومة أم المحكمة العليا، إنما السؤال هو هل جهاز الشاباك غير موجود حقا؟ إن القول بـ"إدخال الشاباك وإشراكه"، فيه ما يُثير التهكُّم والحزن معا، فالشاباك ليس فرقة عسكرية تُستدعى للدخول أو الخروج من معركة ما. لأن الشاباك، جهاز استخباراتيّ موجود في مجتمعنا العربي أساسا، ولم يتخلَّ عن نشاطه الاستخباراتيّ يوما منذ قيام الدولة، وعلى مستويات مختلفة من حياتنا.

منذ شهور، صرّح ضابط في الشرطة الإسرائيلية، بأن مرتكبي الجريمة المنظمة على اتصال بجهاز الشاباك. ثم أقيمت في آب/ أغسطس الماضي شعبة "سيف" الأمنية التابعة لشرطة إسرائيل، بقيادة جمال حكروش، الذي تعرّض بيته قبل أسابيع لإطلاق نار من قِبل مجهولين، قد لا يجهلهم حكروش نفسه، إلا أن تهديده بالنار والرصاص، يقول إن كل عربي يَسهل تهديده، حتى لو كان مسؤولا أمنيا في أجهزة أمن دولة إسرائيل. كما يقول أيضا، إن التعاون كذلك، لا يُنجي أي عربيّ من التهديد والرصاص في هذه البلاد.

بعد وحدة "سيف" بأسابيع قليلة، أُعلن عن تشكيل وحدة "مُستعربين" خاصة غرضها مكافحة الجريمة.

والجريمة طبعا، ظلّت، بل صارت أكثر تفشيا مما كانت عليه، إلى أن بدأ التلويح بقميص الشاباك والجيش، على لسان سياسيين، لا على لسان رجال أمن. دائما ما يستعين جهاز الشرطة بالشاباك، حين تستدعي ضرورة بعض القضايا ذلك، ولكن في سياق أمني مغلَق، دون أن تتحول هذه الضرورة إلى لغة سياسية- ثقافية يجري تعميمها على فئة قومية- اجتماعية ما، كما يجري حاليا تعميم خطاب ضرورة "إدخال الشاباك" علينا. إذ لم نسمع خلال أيام البحث عن الأسرى السياسيين الفارين الستة من سجن جلبوع، عن جسم سياسي يُناشد جهازا أمنيا أو عسكريا، التدخل من أجل مساندة جهاز أمني آخر في البحث.

في تقارير أمنية إسرائيلية سابقة عن مصدر "السلاح غير المرخص" الذي يقف خلف استشراء الجريمة في مجتمعنا العربي، أشار أكثر من تقرير إلى ثلاثة مصادر يُعتقد أنها المورِّدة له: السرقة من ثكنات الجيش الإسرائيلي، والتهريب من الأردن عبر النهر، والسلاح المُصنع في الضفة الغربية. لنفترض جدلا أن ما تقوله التقارير صحيح، فإن مسؤولية منعها منذ سنوات، كانت وما زالت تقع على عاتق الشاباك أكثر مما هي على عاتق الشرطة.

لا يُسرق السلاح من ثكنات الجيش، إنما يُسرب منها، والتمييز بين السرقة والتسريب مهم، لناحية فهم تورط جهات رسمية أمنية في ذلك. والقول إن الحدود مع الأردن والضفة "مصدران للسلاح"، فالسؤال: كيف يلاحق الشاباك ومعه الجيش السلاح وحامليه في الضفة الغربية، إلى حد اللحاق بآخر مسمار مشكوك به، في أبعد مخرطة، في مدن وقرى الضفة الغربية؟

إن المقصود بـ"إدخال الشاباك" لا يعني القدوم به، فهو موجود أصلا، إنما يعني إعادة اقتراح هذا الجهاز على المجتمع العربي، وهذا يَغرضُ إلى أمرين؛ الأول، تجذير سياسة الضبط الأمني للمجتمع العربي، وإكساب علاقته مع أجهزة الأمن الإسرائيلية مسوحا رسمية، ضمن سياسات العزل والخضوع، وفي ذلك رجوع للوراء في علاقة دولة إسرائيل بمواطنيها العرب، كرعايا يخضعون لمنظومة أمنية خاصة بهم. والثاني، ليس أفرادا عربا متعاونين، فهذا قائم. إنما مجتمعا متعاونا مع أجهزة الأمن، وفي هذا ابتزاز يشترط على العرب تعاونهم مقابل أمنهم. أما الجريمة والمجرمين، فالله أعلى وأعلم بهما.

بودكاست عرب 48