عن سالي روني وسوزان سارندون و"إكسبو دبي"!

عن سالي روني وسوزان سارندون و"إكسبو دبي"!

يأتي قرار الكاتبة الإيرلندية الشهيرة، سالي روني، بمقاطعة دار نشر إسرائيلية وعدم السماح لها بترجمة رواياتها، ليشكل ضربة كبيرة للمطبّعين، العرب منهم بالذات، وليصبّ الماء البارد على وجه من استهزأوا من نداء المقاطعة الذي أطلقه المجتمع المدني الفلسطيني عام 2005، وليشكل إحراجا لحملات الهجوم التي لا ترى أي إنجاز - مهما كان كبيرا - لحركة المقاطعة الفلسطينية. مع العلم أن الكاتبة الإيرلندية كانت قد قالت بوضوح في بيانها إن قرارها جاء استجابة للنداء الذي وجهه المجتمع المدني الفلسطيني، ولكن يبدو أن البعض قد أدمن القراءة الانتقائية!

يأتي هذا القرار أيضًا في نفس الوقت الذي قامت به الممثلة الأميركية الشهيرة والحائزة على جائزة الأوسكار، سوزان ساراندون، بنشر تغريدة على موقعها بمناسبة اليوم العالمي للشعوب الأصلانية، يظهر ما قامت به دولة إسرائيل من سرقة لأراضي السكان الأصلانيين في فلسطين في القرن العشرين حتى اللحظة، ومقارنة ذلك مع مصادرة أراضي سكان أميركا الأصليين منذ سرقة شمال أميركا على يد المستعمرين البيض. وقد أبدت دولة الاحتلال والأبرتهايد والاستعمار الاستيطاني غضبها في كلا الحالتين، إذ كانت التهمة جاهزة ومعلبة وتتراوح بين "العداء للسامية" و"عدم دعم السلام" كما تراه هذه الدولة المارقة.

ويبقى السؤال عن الهجوم التطبيعي المتنامي من بعض الحكومات العربية المطبعة، الخليجيه منها بالذات، حيث أن درجة التطبيع قد وصلت لمرحلة الترحيب بالصناعات التكنولوجية والعسكرية الإسرائيلية في أكبر معارض إكسبو دبي في دولة الإمارات العربية المتحدة، بعد تجريبها على أجساد أطفال فلسطين لإثبات جودتها. وكانت حركة المقاطعة الفلسطينية قد أصدرت بيانًا بهذا الخصوص، دعت فيه لمقاطعة المعرض لوجود جناح إسرائيلي به تشرف عليه وزارة الخارجية الإسرائيلية. وقد يكون تصريح المسؤول العام عن الجناح الإسرائيلي في وزارة الخارجية، أوضح تعبير عن المكتسبات الإسرائيلية من هذه المشاركة، إذ قال إن "القيمة المضافة في هذا المعرض بالنسبة لإسرائيل هي الزائر العربي والمسلم"، ولزيادة الطين بلة، يقوم المعرض بالترويج لمشاركة دولة الأبرتهايد والترويج لثقافة الموت والقتل والدمار على أنها "بارقة أمل" في المنطقة.

وتتجاوز مشاركة النظام الإسرائيلي في معرض "إكسبو دبي" دافع التسويق للتقنيات الإجرامية، لتخدم المحاولات الحثيثة له للتغطية على جرائمه المستمرة وتطبيع وجوده في المنطقة العربية، وكسر العزلة الدولية المتنامية ضده كنظام استعمار استيطاني وأبارتهايد. ومما يثير الأسى هو مشاركة مجموعة من الفنانين العرب في هذا المعرض التطبيعي حيث تساهم مشاركتهم في "تلميع وشرعنة تطبيع النظام الإماراتي" أيضًا، كما قالت مجموعات المقاطعة العربية في بيان أصدرته وأوضحت من خلاله أن "البرنامج الفني يشتمل كذلك على مشاركة لفرق إسرائيلية أي أن مشاركة الفرق والفنانين/ ات العرب لا تعد فقط مساهمة في التغطية على التطبيع الرسمي للنظام الإماراتي، بل هي بحد ذاتها ممارسة تطبيعية يتم فيها الجمع بين فنانين/ات عرب وإسرائيليين في نفس المعرض المقام على أرضٍ عربية"، ومن بين الأسماء المشاركة يبرز اسم كاظم الساهر، ومحمد عبده، ونانسي عجرم، وعمر العبداللات، وراغب علامة، وسامي يوسف، وعبد الرحمن محمد، وأحلام الشمسي، وكأنهم لم يسمعوا بالقائمة الطويلة للفنانين العالميين الذين يرفضون تقديم ورقة التوت لدولة الاستعمار الاستيطاني، من روجر ووترز حتى سوزان سارندون، وكأن الحد الأدنى الأخلاقي الذي يطالب به الشعب الفلسطيني بكل مكوناته وقواه ليس له أي معنى، وكأن الأخبار عن دماء أطفال شارع الوحدة وحي الشجاعية وتهجير أهل الشيخ جرّاح لم تصل لآذانهم!

وفي نفس الوقت، وإمعانًا بارتكاب جريمة التطبيع، قامت دولة البحرين، وهي إحدى مدن الملح التي ظهرت على سطح الأرض بعد طفرة البترول، بافتتاح سفارة لها في دولة الأبرتهايد. بمعنى، أنه في نفس الوقت الذي تقوم به هذه الدول التي ارتبطت مصالحها بشكل مباشر وحتى عضوي مع مصالح دولة الاحتلال، يقوم المجتمع المدني الدولي ومثقفوه وفنانوه بالاستجابة لمطالب الشعب الفلسطيني وممثليه. وهنا تكمن المفارقة والسؤال عن الروابط القومية من ناحية وعن مفهوم التضامن الأممي من ناحية أخرى. وهذا ما تعامل معه نداء المقاطعة الفلسطيني والمعايير التي أقرها المجتمع المدني فيما يخصّ مقاطعة إسرائيل، وفي نفس الوقت تعريف التطبيع، آخذين بعين الاعتبار حساسية السياق وأن الأشقاء العرب لا يمكن اعتبارهم كمتضامنين مع القضية الفلسطينية، بل مشاركين مشاركة مباشرة في النضال من أجل إنهاء منظومة الأبرتهايد والاستعمار الاستيطاني في فلسطين التاريخية، في حين أن التضامن الأممي مبني على أبعاد أخلاقية إنسانية. لكن يجب التمييز في هذا السياق ما بين الشعوب العربية الشقيقة التي تعتبر القضية الفلسطينية قضيتها المركزية، وما بين بعض الأنظمة التي أصبحت ترى أن القضية تشكل عبئا ثقيلا عليها أو بالأحرى على مصالح الطبقات الأوليغارشية الحاكمة بها.

مثل كل المثقفين/ات والفنانين/ات والكتاب والكاتبات والرياضيين/ات الذين استجابوا لنداء المضطهَد الجنوب أفريقي حينما طالب بمقاطعة نظام الأبرتهايد العنصري ورحب بهم كمساهمين/ات في تحقيق النصر وتم الترحيب بهم/ن في جمهورية جنوب أفريقيا الحرة، سنقوم بالاحتفال مع سالي روني وسوزان سارندون، و1300 كاتب/ة إيرلندي/ة، وآلاف الفنانين والفنانات والشخصيات الثقافية التي قررت عدم منح نظام الاستعمار الإسرائيلي ورقة التوت التي يحتاجها لتبييض وجهه العنصري. أما أولئك الفنانين العرب الذين ارتضوا لأنفسهم القيام بذلك الدور، فالتاريخ له قرار معروف.

بودكاست عرب 48