تطبيع إسرائيل أم التطبيع معها؟

تطبيع إسرائيل أم التطبيع معها؟

البعد الإقليمي ومصير الدولة الاستيطانية الاستعمارية


مدخل

انطوت عملية التسوية السياسية التي تبعت مؤتمر مدريد عام 1991 وتوقيع اتفاق أوسلو عام 1993 على تركيبة تناقضية، فهي من جهة تضمنت مسارات تفاوضية ثنائية بين إسرائيل وبين كل من سورية ولبنان ومنظمة التحرير الفلسطينية وفق صيغة "الأرض مقابل السلام"؛ وتضمنت من جهة أخرى مسار المحادثات متعددة الأطراف التطبيعي لمناقشة قضايا التنمية الاقتصادية الإقليمية والبيئة والمياه وضبط التسلح والأمن الإقليمي، وقضية اللاجئين، وفتح مكاتب تمثيل عربية في تل أبيب.

انعقد المسار الثاني ضمن مقاربة ليبرالية فرضتها أميركا وأوروبا وانطلقت من الادعاء بأن تطوير المشاريع المشتركة اقتصاديًا وبيئيًا وأمنيًا سيكون كفيلا بتخفيف النزاعات وحصرها كمدخل لحلها على طاولة التفاوض. من هذه الزاوية، هدفت مشاريع ربط شبكات الكهرباء والمياه والطرق والمواصلات والاتصالات بين عموم دول المنطقة، وإنشاء بنك إقليمي وغيرها من المشاريع التي طرحت في حينه، إلى تسهيل التوصل إلى مقايضة بشأن صيغة "الأرض مقابل السلام " التي تضمنها المسار الأول.

خلال التطبيق الذي تلى إطلاق هذه التركيبة التناقضية في مؤتمر مدريد، وجد العرب أن إسرائيل تركز على التطبيع من خلال المسار المتعدد الأطراف، وتتعنت في المقابل بشأن الوصول لحل بشأن مسألة الأرض مقابل السلام، لذا قاموا بتجميد مسار المحادثات متعددة الأطراف عام 1996 بعد أربع سنوات على انطلاقها في موسكو عام 1992؛ وأوقفوا هذا المسار رسميًا بشكل كلي عام 2002، وذلك عبر قرار قمة بيروت العربية الذي نص على أن أي تطبيع عربي شامل مع إسرائيل لن يكون ممكنًا إلا بعد انسحاب إسرائيل من كل الأراضي العربية المحتلة عام 1967 وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، والتوصل إلى حل عادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين. وكلفت المبادرة الأردن ومصر حصريًا بالتواصل مع إسرائيل بشأن استحصال الحقوق الفلسطينية وبالتنسيق مع فلسطين، خصوصًا وأن الدولتين، مصر والأردن، وقعتا اتفاقيات سلام مع إسرائيل وفق صيغة "الأرض مقابل السلام".

مر العالم العربي إذًا في مرحلتين خلال مسيرة التسوية السياسية مع إسرائيل، تمثلت المرحلة الأولى باشتراط تحقيق السلام مع إسرائيل بقيام هذه الأخيرة بالانسحاب من الأراضي العربية المحتلة عام 1967، وقبولها إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام 1967 وعودة اللاجئين طبقًا للقرار الأممي 194؛ وهي مرحلة استمرت مع عدد من الخروقات حتى عام 2014، إذ جرى الإعلان عن فشل آخر جولة مفاوضات أشرف عليها وزير الخارجية الأميركي حينها، جون كيري، لتحل محلها صيغة "السلام مقابل السلام"، والتي عنت عدم اشتراط السلام مع إسرائيل بتلبيتها للحقوق الفلسطينية وانسحابها من الأراضي العربية المحتلة عام 1967. فكيف حصل هذا التحول؟ وما مغزاه؟ وما هي التبعات المترتبة عنه؟ وكيف يمكن للشعب الفلسطيني أن يتعامل مع هذه التبعات؟

في المرحلة الأولى، عقدت جلسات المحادثات متعددة الأطراف في كل من عمّان والقاهرة والدوحة والرباط والمنامة، وطرحت مشاريع المتوسطية وعملية برشلونة من أوروبا، من أجل تسهيل المفاوضات لاستعادة الأرض، كما قام قسم من الدول العربية بفتح مُمثليات تجارية لقطر وعُمان، ومكتب مصالح لتونس، ومكتب اتصال للمغرب في تل أبيب، ولكنها جميع هذه الدول اشترطت التطبيع الكامل للعلاقات مع إسرائيل بانسحابها من الأراضي العربية المحتلة وتلبية الحقوق الفلسطينية. وقد قامت هذه الدول بوقف علاقاتها مع إسرائيل عام 2000 مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.

شذت عن القاعدة في حينه دولة موريتانيا، التي عقدت اتفاقية تطبيع كامل مع إسرائيل عام 1999، واستمرت في علاقاتها مع إسرائيل حتى عام 2009، إذ قطعت العلاقات بسبب الحرب الإسرائيلية على غزة حينذاك. أما قطر وعُمان، فقد استمرت علاقاتهما مع إسرائيل بين مد وجزر خلال الأعوام 2000 - 2009، وانقطعت من جانب قطر في الأعوام 2009 - 2014 بسبب الحروب الإسرائيلية الثلاث على غزة. وفي عام 2014، حصل سياق جديد للعلاقة مع إسرائيل وقد اكتمل نضوجه لدى بعض دول الخليج العربي، وتدحرج ليشمل مشاركة اليمن أيضًا في مؤتمر وارسو عام 2018، والذي نظمته إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، من أجل بدء الترتيب لتحالف عربي - إسرائيلي ضد إيران ، وطُرحت في ذلك الحين أيضًا فكرة إنشاء حلف ناتو عربي، وفي عام 2018 زار رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، سلطنة عُمان بشكل علني، وزار وزراء إسرائيليون العديد من دول الخليج خلال العقد الفائت، كما عُقد مؤتمر (ورشة) البحرين للتخطيط للجانب الاقتصادي من "صفقة القرن" في حزيران/ يونيو عام 2019، والتقى نتنياهو مع رئيس المجلس الانتقالي في السودان، عبد الفتاح البرهان، فيما استمرت قطر في ترتيب أمور الحياة اليومية في غزة بالتنسيق مع إسرائيل، وحضر سفراء خليجيون المؤتمر في البيت الأبيض لإطلاق الجانب السياسي من "صفقة القرن" في كانون الثاني/ يناير 2020، وأخيرًا قامت دولة الإمارات بالإعلان عن البدء بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل يوم 13 آب/ أغسطس الجاري، من خلال خطوات متدرجة متسارعة تبدأ من التعاون في مجالات شتى وتنتهي بتبادل السفراء. ويبدو أن دولا أخرى يجري العمل على إقناعها بتطبيع العلاقات مع إسرائيل، كما جاء في نص البيان الثلاثي الأميركي - الإماراتي – الإسرائيلي، الذي قرأه الرئيس ترامب في ذاك اليوم.

تعالج هذه الورقة في أقسامها القادمة رؤية إسرائيل لصيغة "السلام مقابل السلام" والرؤية العربية لها غير المتطابقة مع الرؤية الإسرائيلية، ما يشي منذ الآن بالتناقضات التي قد تنشأ بين الرؤيتين. بعد ذلك تناقش الورقة خطوة آب/ أغسطس 2020 الإماراتية نحو إسرائيل، ليلي ذلك بعض الأفكار حول برنامج العمل الفلسطيني ببعديه القصير المدى والإستراتيجي تجاه هذه الحالة الناشئة.

في إطارها الكلي تحاول هذه الورقة فهم دور البعد الإقليمي العربي، وعما إذا كان ينحو عبر ما يقوم به إلى تطبيع الدولة الاستيطانية الاستعمارية (أي تحويلها إلى دولة عادية وإيقاف نزعتها التوسعية وحصرها في حدود محددة)، أو أن ما يقوم به يعزز النزعة التوسعية لتلك الدولة وهيمنتها على المنطقة ككل، انطلاقا من "بؤرة" فلسطين. وتتساءل الورقة عن ماهية برنامج العمل الفلسطيني في كلتا الحالتين.

أطروحة "السلام مقابل السلام" بين الصيغتين الإسرائيلية والعربية: تطابق أم تناقض؟

انتهت مرحلة المفاوضات وفق صيغة "الأرض مقابل السلام" إلى اتفاقيتين مصرية وأردنية مع إسرائيل، استعادت مصر من خلالها أراضيها المحتلة عام 1967، فيما استعادت الأردن أراضي الباقورة والغمر في العام 2020 فقط، وبقيت هناك مسائل مفتوحة من دون حل بين الأردن وإسرائيل تتعلق بالقدس واللاجئين والنازحين الفلسطينيين، وحدود الاردن مع دولة فلسطين بعد إقامتها. بمعنى آخر، تحققت معاهدة سلام عربية واحدة فقط مع إسرائيل، في حالة مصر، فيما لا زالت المعاهدة الإسرائيلية مع الاردن لعام 1994 غير مكتملة التنفيذ. أما في حالة فلسطين، فقد انتهت مراحل المفاوضات التي بنيت على اتفاق إعلان المبادئ (المسمى بـ"اتفاق أوسلو") إلى الفشل في إنجاز اتفاق سلام فلسطيني إسرائيلي على أساس حل الدولتين القائمتين على حدود الرابع من حزيران/ يونيو لعام 1967.

أفضت حصيلة مقاربة "الأرض مقابل السلام" إلى نتيجتين أساسيتين:

النتيجة الأولى، أن فلسطين لم تستطع وقف تمدد المشروع الاستيطاني الاستعماري خارج حدوده لعام 1948، بل على العكس، فقد تمدد هذا المشروع ليضم القدس وفق القانون الإسرائيلي عام 1967، وليضم فعليًا ثلثي الضفة الغربية إلى إسرائيل ممثلة بالمناطق المسماة "جـ"، وصولًا إلى أطروحة "تحقيق النصر الكامل على الفلسطينيين" الرائجة في أطروحات أميركية - إسرائيلية منذ عام 2016.

أما النتيجة الثانية، فهي أن ملف التوسع الإسرائيلي نحو الأردن لا زال مفتوحًا، تؤكده النوايا الإسرائيلية لطرد الفلسطينيين علنًا، ومن خلال الطرد التدريجي الصامت للأردن. كما يؤكده إبقاء قضايا القدس والحدود واللاجئين مفتوحة بين إسرائيل والأردن، مع ما لحق هذه القضايا من توتير إسرائيلي متعمد مع الأردن في السنوات الأخيرة، وتحديدًا بشأن الأماكن المقدسة في القدس وقتل قاض أردني على جسر الملك حسين وقتل مواطنين أردنيين داخل السفارة الإسرائيلية في عمّان، وصلاة يهود زائرين للأردن في مقام النبي هارون، وإنشاء مطار في إيلات يشوش على مطار العقبة الأردني، وغير ذلك.

ترتب على مقاربة "الأرض مقابل السلام" نتيجة أخرى، هي أنه في عهدها جرى فتح الطريق أمام التطبيع العربي، وخصوصًا للدول العربية من خارج دول الطوق مع إسرائيل، والتي هي دول لا تحتل إسرائيل أيًا من أراضيها، وبالتالي فهي لم تكن ملزمة أصلًا بإقامة أي علاقات مع إسرائيل. وخلال هذا التطبيع الذي تم من خلال المسار متعدد الأطراف والمتوسطية وعملية برشلونة، نشأت لغة المصالح المشتركة بدءًا من طرح شمعون بيرس مشروع "الشرق الأوسط الجديد" القائم على المزج بين التكنولوجيا الإسرائيلية والأيادي العاملة العربية، كما طرح حينها.

جاء مشروع بيرس المذكور مترافقًا مع تغطيته بورقة توت إسرائيلية سميت بـ"الحل الوسط الإقليمي"، الذي تضمن التنازل عن أراض احتلها إسرائيل عام 1967 مقابل السلام، وضم أجزاء أخرى منها إلى إسرائيل، تشمل ضم القدس الشرقية ومناطق الغور وما أطلق عليه اسم "الكتل الاستيطانية الكبرى" إلى إسرائيل. والمفارقة، أن بيرس ومعه تيار العمل الإسرائيلي افترض أن تقاسمًا للأراضي المحتلة عام 1967 بهذه الطريقة مقرونًا برفض عودة اللاجئين، سيكون مقبولًا على الجانب الفلسطيني، كما سيفتح الباب أمام هيمنة إسرائيل على الشرق الأوسط تكنولوجيًا، وتوظيفها للأيادي العاملة العربية الرخيصة في هذا الإطار. ولهذا، فقد رفض الفلسطينيون مشروع تيار العمل الإسرائيلي المذكور في قمة كامب ديفيد عام 2000، لأنه لا يلبي الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية، وتحديدًا بشأن القدس واللاجئين.

مقابل الرفض الفلسطيني، بدأ مسار التطبيع مع العالم العربي الذي طرحه بيرس يأخذ مسارًا منفصلا عن التقدم في صيغة "الأرض مقابل السلام" مع الجانب الفلسطيني، وأدى ذلك بدوره إلى تعزز التيار "الجابوتنسكي" داخل إسرائيل، الذي يرى أن تحقيق تقدم في المسار الفلسطيني - الإسرائيلي ليس شرطًا مسبقًا للتطبيع مع العالم العربي، بل على العكس من ذلك، فإن قوة الردع الإسرائيلية كفيلة بأن تجعل العرب يطبعون معها من دون انتظار التقدم في المسار الفلسطيني، لا بل وزاد هذا التيار بالقول إن التطبيع مع العالم العربي هو المدخل للحل مع الفلسطينيين وليس العكس. وعنى هذا بالنسبة لإسرائيل أن التطبيع مع العرب سيجعل الفلسطينيين ينصاعون ويقبلون بالاستسلام والتنازل عن كل مطالبهم وحقوقهم والقبول الكامل بضم أراضيهم إلى إسرائيل، طالما لم يعد العرب يساندونهم، بل يساندون إسرائيل. هذا كله يمثل جانبًا من الصيغة الاسرائيلية لما أطلق عليه اسم "السلام مقابل السلام" بدلا من صيغة "الأرض مقابل السلام " السابقة.

الجانب الآخر لهذه الصيغة والذي تطور بشكل خاص خلال فترة حكومات نتنياهو المتتالية منذ عام 2009، فهو يتعلق بالجانب العربي الإقليمي، حيث لم يعد المطروح هو شرق أوسط جديد تسيطر عليه التكنولوجيا الإسرائيلية فحسب، بل تجاوز ذلك ليشمل تقديم إسرائيل على أنها قوة حماية لصالح الأنظمة العربية الخليجية ضد إيران وتمددها في المنطقة، سيما من خلال الهجمات الإسرائيلية العسكرية على أهداف إيرانية في سورية ولبنان والعراق، والهجمات الإلكترونية داخل إيران ذاتها من أجل تدمير برامجها النووية نسبيًا أو تشويشها على الأقل؛ وكذلك ضد تمدد تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) على غرار الهجمات الإسرائيلية عليها في سيناء. هذا أولًا.

أما المتغير الثاني، فيتعلق بالسعي لتوظيف ونهب الأموال العربية الخليجية لتطوير الاقتصاد الإسرائيلي كما طرح نتنياهو في مؤتمره الصحافي يوم إعلان الاتفاق مع الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة للعنصر الثالث المتمثل بالسيطرة على الاقتصادات العربية الخليجية بالتعاون مع الولايات المتحدة الأميركية، وإخضاع أنظمة أمن هذه الدول ودفاعاتها العسكرية لتكنولوجيا مستوردة من إسرائيل، ما يمكن الأخيرة من التعرف التفصيلي والسيطرة على جيوش وأجهزة أمن تلك الدول.

وإذ كانت الصيغة الواردة أعلاه تمثل النسخة الإسرائيلية لمشروع "السلام مقابل السلام"، فإن التوافق العربي معها، وخصوصًا الخليجي، سيكون في الموضوع الأمني أساسًا، أي العمل ضد إيران و"داعش"، ولكن ما عدا ذلك ستعاني دول الخليج من الكثير من قِبل إسرائيل، وفي مقدمة ذلك أن إسرائيل لن تحمي تلك الدول من إيران بل ستكتفي بتنفيذ المصالح الإسرائيلية البحتة القاضية بتقليم أظافر إيران فقط لمنعها من أن تكون قادرة على منافسة النفوذ الإقليمي الإسرائيلي في المنطقة العربية، وفي الوقت ذاته ستستمر إسرائيل في تسمية الخليج العربي بـ"الخليج الفارسي" كما ورد آخر مرة على لسان نتنياهو في مؤتمره الصحافي يوم إعلان الاتفاق مع الإمارات يوم 13 آب/ أغسطس 2020، كما ستمتنع عن القيام بأي إجراء فعلي يساعد الإمارات العربية المتحدة على استعادة جزر الطنب الصغرى والطنب الكبرى وأبو موسى التي تحتلها إيران.

بإيجاز أجندة إسرائيل هنا هي: السعي لأن تكون هي السائدة الأولى في المنطقة العربية وإقصاء إيران (وأيضًا تركيا) عن منافستها في هذا المجال، هذا مع إبقاء الصراع الإيراني - الخليجي مستعرًا بل وتغذيته من أجل الاستمرار في تقديم إسرائيل بصورة الحامية لدول الخليج ضد منافستها إيران وربما تركيا أيضًا. بهذا الاتجاه ستعترض إسرائيل كما فعلت في الماضي على تقديم أسلحة وطائرات أميركية متقدمة لدول الخليج، وذلك للحفاظ على سيطرتها الحصرية في هذا المجال.

على الجبهة الاقتصادية، ستسعى إسرائيل لنهب ثروات دول الخليج، وكذلك للهيمنة على اقتصادات تلك الدول، وهو الأمر الذي ستترتب عليه أيضًا توترات.

وأخيرًا، لن تكون الأمور يسيرة على الجبهة السياسية، إذ إن بقاء قضية فلسطين والجولان ومزارع شبعا وتلال كفار شوبا المحتلة من دون حل سيتولد عنه أولًا انفجارات ستحرج أنظمة الخليج، كما أن عدم رضا الشعوب العربية على التطبيع مع إسرائيل ثانيًا، سيكون عاملا مقلقلًا آخر. زد على ذلك إجراءات الضم (سواء الفعلي أو القانوني) والتوسع الاستيطاني الإسرائيلي ستشكل في محطات معينة عاملًا مقلقلا ثالثًا؛ ورابعًا، قد تنشأ توترات على خلفية أي إجراء إسرائيلي دراماتيكي قد يتم في المسجد الأقصى في القدس؛ وخامسًا، التوترات التي قد تنشأ إقليميًا جراء دعم إسرائيل لمشروع سد النهضة الأثيوبي ضد مصر، إضافة للمزيد من الانقسامات التي ستنشأ في الصف العربي وداخل الجامعة العربية وبين دول الخليج ذاتها جراء الموقف من إسرائيل، وغير ذلك من التوترات التي قد تنشأ في هذه المنطقة ذات الرمال المتحركة والتي لا تستقر على أي حال قط.

يعني ما تقدم أن التناقضات مع فلسطين والأردن التي نشأت في إطار صيغة "الأرض مقابل السلام" لن تنتهي مع الانتقال إلى صيغة "السلام مقابل السلام"، وربما كان جديرًا بدول الخليج أن تتشاور مع فلسطين والأردن لاستلهام التجربة المريرة لصيغة "الأرض مقابل السلام" قبل إقدامها على تجربة جديدة، قد تكون أكثر مرارة تحت مظلة "السلام مقابل السلام".

حال الإمارات العربية المتحدة مع إسرائيل

من المفارقة أن الإمارات العربية المتحدة لم تكن من الدول التي فتحت مكتب تمثيل في تل أبيب في تسعينيات القرن الماضي أسوة بدول عربية أخرى، ويعود ذلك للسياسة التي كان يتبعها الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي اعتبر إسرائيل دولة عدوة للعرب ورفض التطبيع معها، كما رفض في عام 1991 تصويت بلاده لصالح إلغاء قرار سابق للجمعية العامة صدر في سبعينيات القرن الماضي يعتبر الصهيونية حركة عنصرية. واستمر الشيخ زايد على سياسته حتى وفاته عام 2004. يعني ذلك أن سياسة ابنه محمد بن زايد للتقارب مع إسرائيل بعد عام 2004 لم تأت في إطار صيغة "الأرض مقابل السلام" السابقة، بل هي نبت جديد منقطع عن تلك السياسة ولا يمثل استمرارًا لها، ويعني ذلك أيضًا أن هذا الاتفاق هو الأول الذي تقرر فيه دولة عربية رسميًا مغادرة ساحة الصراع مع إسرائيل، والتعامل معها وفق المصالح. ويعود هذا النبت إلى القرن الحادي والعشرين وعولمته النيوليبرالية التي حولت الإمارات إلى مركز تجاري استثماري عالمي يشارك به مستثمرون إماراتيون وأجانب، ما طور ثروتها بحيث أصبحت هذه الدولة الصغيرة الحجم تتصرف كقوة إقليمية كبرى، ومن هنا جاءت تدخلاتها ضد الإخوان المسلمين في مصر وسورية وليبيا، وتدخلاتها في اليمن، وكذلك محاولتها لتشكيل مجموعة فلسطينية موالية لها عبر القيادي الفتحاوي المفصول محمد دحلان.

إذًا، نشأت سياسة إماراتية مركز اهتمامها هو المصالح المتبادلة وليس القيم والأطر المعيارية كمقررة في حقل العلاقات الدولية. وفي إطار ذلك يصبح الالتزام لفلسطين التزامًا لفظيًا لا يتم التقيد به في كل الأوقات، أما الأفعال فتحكمها المصالح والمنافع.

في ظل ما تقدّم، أعلنت الإمارات دعمها لخطة "صفقة القرن" وحضرت احتفال الإعلان عنها في كانون الثاني/ يناير 2020، كما لم يشتمل اتفاقها مع إسرائيل على مطالبة بحق تقرير المصير والعودة والدولة المستقلة للشعب الفلسطيني، واكتفى بقبول تعليق إعلان الضم القانوني الإسرائيلي المشمول في "صفقة القرن" بدل إلغائه، وبرر ذلك وزير الدولة الإماراتي للشؤون الخارجية، أنور قرقاش، بالرغبة الإماراتية في " شراء الوقت للفلسطينيين حتى يستفيدوا منه للتفاوض مع تل أبيب على وقف الضم" (15 آب/ أغسطس 2020). معنى ذلك أن الإمارات لن تتراجع عن علاقاتها مع إسرائيل لو تم إعلان الضم القانوني لأراضي الضفة الغربية. كما قبلت الإمارات بالوصول إلى المسجد الأقصى للصلاة من خلال البوابة الإسرائيلية، والتزمت بالتعاون الأمني والاقتصادي والصحي والتكنولوجي مع إسرائيل، كما قبلت بالعمل مع إسرائيل والولايات المتحدة لتطبيق "صفقة القرن"، ولجلب دول عربية أخرى للتطبيع مع إسرائيل.

لا تعمل إسرائيل وفق هذه الصيغة الإماراتية، فلا زالت إسرائيل دولة أيديولوجية تسعى للتوسع في كل فلسطين وإحكام السيطرة على العالم العربي، بما في ذلك حتى أن تصبح هي منظمة "سياحة" العرب والمسلمين للمسجد الأقصى. وفي السياق ذاته قال نتنياهو بعد ساعات قليلة من إعلان الرئيس ترامب للاتفاق الثلاثي مع الإمارات، إنه التزم للولايات المتحدة وليس للإمارات بتعليق ترسيم الضم قانونيًا، وأن هذا الالتزام هو التزام مؤقت لن يثنيه عن الإقدام على ترسيم الضم بعد موافقة أميركية مرتقبة. وعدا عن ذلك، ستبدأ مشاكل أخرى في الظهور، ففيما أقر الاتفاق الثلاثي أن المسيرة نحو التطبيع الكامل وتبادل السفراء ستكون متدرجة وتبدأ بسلسلة من الاتفاقات الاقتصادية والصحية وغيرها، تتوج لاحقًا بالعلاقات الكاملة، فقد يبدأ قريبًا الجدل حول مدة التدرج وموعد التطبيع الكامل، كما قد يحصل جدل حول مدة تعليق إعلان الضم ، وجدل ثالث حول طبيعة المشاريع المشتركة ومضمونها وإذا ما كانت متساوية أم في إطار هيمنة إسرائيلية؛ وجدل رابع حول حجم الاستثمارات الإماراتية في إسرائيل مقارنة بحجم الاستثمارات المشتركة و/أو الإسرائيلية في الإمارات. أي أن الفترة القادمة ستشهد صراعًا وتوترات ستدور لا في إطار القيم، ولكن في إطار مدى التوازن والتضارب في المصالح مع دولة استيطانية استعمارية تعرف جيدًا ماذا تريد من فلسطين ومن المنطقة.

مع توقيع الاتفاق الثلاثي مع الإمارات نجحت الولايات المتحدة وإسرائيل في تحقيق المزيد من الشروخ في المواقف العربية، وزادت من تفكيك جامعة الدول العربية، كما جعلت من اتفاقية الدفاع العربي المشترك أثرًا بعد عين، بما تمهد هذه الإنجازات من فرصة للإطباق الإسرائيلي على المنطقة وتهيئتها لطرد الفلسطينيين إليها وتحقيق المزيد من التوسع على أراضيها، بعد الإجهاز على فلسطين كما تتوهم.

خلاصة وبدائل

عودة إلى العنوان؛ لم ينجح العرب خلال مرحلة صيغة "الأرض مقابل السلام" في تطبيع إسرائيل، أي تحويلها إلى دولة عادية منحصرة جغرافيًا في منطقة محددة لا تخرج عنها ومعرّفة دستوريًا. وعلى العكس من ذلك، فقد انتقل بعضهم في السنوات الأخيرة إلى مرحلة قبول التوسع الإسرائيلي الفعلي على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وباتوا يكتفون بأن تعلق إسرائيل ترسيم هذا الضم الفعلي قانونيًا، مقابل القبول بتغلغل إسرائيل في المنطقة وقبول اعتداءاتها على سورية والعراق ولبنان وغزة، تحت تبرير أن هذه الاعتداءات موجهة ضد التواجد الإيراني في الدول الثلاث وضد حماس، هذا ناهيك عن قبول ممارساتها لاستبدال القيادة الفلسطينية، وتوقيع اتفاقيات التعاون الأمني والتكنولوجي وغيرها مع إسرائيل واهمين أن اتفاقيات من هذا النوع قد تدفع إسرائيل لإعلاء المصلحة فوق الأيديولوجيا، والقبول بالتالي بالاندماج في المنطقة.

تعاني هذه المقاربة في أحسن الأحوال من قصور معرفي بالمشروع الاستيطاني الاستعماري، بما هو مشروع استئصالي اقتلاعي إحلالي بحكم التعريف، ولكنها في الواقع تعاني من إحلال المصالح الضيقة قصيرة المدى لحكام مستبدين ضد مصالح شعوبهم وضد مستقبل المنطقة العربية، كمنطقة يفترض أن تتحرر من أغلال الاستعمار الجديد وأن تأخذ شعوبها مصيرها بيدها من أجل تحقيق الحرية والعدالة والتقدم في إطار تشاركي، يحترم التنوع القائم في المنطقة ويصرف النزاعات عندما تقوم بين شعوبها وقومياتها التي تشترك مع العرب في الأرض والمصير (كشركائنا الأكراد والأمازيغ) بشكل سلمي.

لربما يجب أن تنهمك فلسطين في بعض المسائل التكتيكية العاجلة التي دعت لها مقالات عديدة لمنع مزيد من الانهيار، عبر التوجه للإمارات من قِبل فلسطين ومن دول أخرى عربية وغير عربية مساندة، لكي لا تمضي قدمًا في توقيع الاتفاق مع إسرائيل والترسيم الكامل للعلاقات، والتوجه أيضًا للدول المرشحة لتطبيع العلاقات مع إسرائيل لثنيها عن ذلك، ومخاطبة ملك السعودية سلمان لثني ابنه محمد عن دعم خطوة الإمارات.

ولكن هذه الخطوات على أهميتها لا تنفي مواكبتها مع إحياء الكفاح الفلسطيني الشعبي الموحد، مترافقا مع استخدام الوسائل القانونية والسياسية الدبلوماسية والاقتصادية التنموية والمعرفية والإعلامية من أجل إعادة فرض قضية فلسطين على رأس أولويات الأجندة العالمية، وإخراجها من دائرة التهميش.

في الجامعة العربية تنتظرنا مهمة العمل لإعادة التوافق العربي بشأن فلسطين وعلاقتها بالقضايا الأخرى الأساسية التي تواجه الأمة، وذلك من خلال جهد صبور يشمل إعادة فتح الحوار الدؤوب حول مسائل أساسية، مثل مفهوم الأمن القومي العربي وعلاقته بفلسطين، والموقف العربي المعياري تجاه قضية فلسطين، ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، وتقييم تجربة "الأرض مقابل السلام" مع إسرائيل ونتائجها الُمرة لفلسطين والأردن، وإظهار خلل صيغة "السلام من أجل السلام"، ونقاش طبيعة الخطر الإسرائيلي على المنطقة واتجاهات ، وإعادة النظر في المبادرة العربية للسلام لكونها شكلت جسرًا لمن قاموا بتخطيها نحو التطبيع قبل التوقيع، وطرح مبادرات لحماية فلسطين والأردن من التوسع الإسرائيلي، وللتضامن مع مصر بشأن مشكلة سد النهضة مع إثيوبيا، ومع العراق وسورية وليبيا ضد التدخلات الأجنبية، وإعادة طرح قضايا جذرية مثل التعاون في الجمعية العامة للأمم المتحدة من أجل إعادة تعريف الحركة الصهيونية كحركة عنصرية، ومطالبة الأمم المتحدة بإعادة النظر في مشروعية صك الانتداب، والنظر في عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة في ظل إخلالها بتنفيذ قراري 181 و194 الواردين كشرطين في قرار الجمعية العامة، رقم 273 لعام 1949 القاضي بقبول إسرائيل عضوًا في الأمم المتحدة.

في إطار حوار من هذا النوع، سيكون مطلوبًا منا أن نقف في صف العالم العربي في مواجهة التهديدات التي تمثلها إيران وتركيا، ولكن مع إقناع العرب بأن الأولوية هي التهديد الإسرائيلي الذي يتطلب أيضًا فتح الحوار المديد والمضني مع كل من تركيا وإيران من أجل مواجهته معًا.

خارج الجامعة العربية، من الأجدى أن نلتزم بقواعد معيارية تضعنا مع الشعوب في مواجهة الاستبداد والقمع، ومن أجل إعادة الاعتبار لمشروع نهضوي عربي يستند للحرية والعدالة واحترام التنوع وحقوق الإنسان.

من ردودنا على الضم الإسرائيلي، ربما يلزم توقيع اتفاقيتي ترسيم حدود بين فلسطين وكل من الأردن ومصر، والتعاون الوثيق مع الأردن في مسائل القدس واللاجئين وغيرهما، وتعزيز العلاقة والتعاون مع الدول الداعمة لنا عربيًا، مثل الجزائر وتونس والكويت.

في ما يتعلق بإسرائيل والمنطقة، هناك خياران: الأول هو السعي لدمجها في المنطقة من خلال مشاريع مشتركة، وهو الخيار الذي أثبت المسار المتعدد الأطراف في تسعينيات القرن الماضي فشله، إذ أرادت إسرائيل الأمرين معًا: أي الاحتفاظ بالأرض والتوسع جنبًا إلى جنب مع المشاريع المشتركة وفتح أبواب العالم العربي أمامها. وعليه، فإن الطريق الآخر هو طريق استعادة القوة العربية وتقديم عرض للإسرائيليين بعد ذلك للاندماج كأفراد في العالم العربي الموحد. قد يبدو هذا الطرح الذي قدمه الكاتب اللبناني الراحل جوزيف سماحة عام 1993 خياليًا وربما حتى مثيرًا للسخرية عند البعض، ولكنه الطريق الوحيد الممكن وإن طال أمد الوصول إليه.

ختامًا، حاولت هذه الورقة تطوير منهجية لدراسة دور العامل الإقليمي في تعزيز أو إضعاف المشروع الاستيطاني الاستعماري، وهو أمر قلما تطرقت إليه الدراسات السابقة حول الاستيطان الاستعماري في دول مختلفة من العالم، ولعل هذه المنهجية تجد لها المزيد من التطوير في دراسات أخرى لاحقة.