‎فلسطين والتمويل النفطي../ جوزيف مسعد*

لعلّ أهم إنجازات صعود العصر النفطي في التاريخ العربي الحديث ‎هو القضاء على كل ما هو يساري وثوري في الفكر والسياسة، ودفن ‎أي محاولة مهما كانت ضعيفة لتحدي أنظمة النفط أو الانقلاب ‎عليها. فقد أسّس التمويل النفطي للمشروع الوهّابي عبر إنتاج ‎الكتب المدرسية والمناهج المستخدمة عبر البلاد العربية، ‎والتي تطرح الإسلام الحق على أنه الإسلام الوهّابي، وعبر ‎إنتاج أو (في حال وجودها المسبق) تحويل الحركات الدينية ‎للإصلاح لحركات وهّابية.

وبما أن هذه الاستراتيجية النفطية ‎تمت بالتخطيط المشترك مع الولايات المتحدة للقضاء على ‎اليسار العربي أثناء الحرب الباردة وتشجيع اليمين الوهّابي ‎كمنافس له، اعتقدت سلطات النفط بأنها سيطرت على البيئة ‎العربية السياسية تماماً. ولكن سرعان ما فلتت زمام الأمور من ‎السلطات النفطية وشرعت الحركات الوهّابية بتهديد اليد التي ‎غذّتها وأنشأتها.

فإن كان الاقتصاد والسياسة النفطية بمثابة ‎الأب الروحي للحركات الوهّابية عبر العالم الإسلامي، لم ‎يستطع هذا الأب السيطرة على زخم حركتها وتوسعها وتقلباتها ‎الاستراتيجية، ولا سيّما انقلابها في حالات معينة على الأب ‎المموِّل. ‎لم يتم القضاء على الحركات اليسارية الثورية العربية ‎بالضرورة عبر القمع والإقصاء فحسب (على الرغم من أن الكثير ‎من القمع استخدم للوصول إلى الهدف المنشود)، بل عبر ‎التمويل الموجَّه أيضاً.

في السياق الفلسطيني، تمّ وأْد الثورة ‎الفلسطينية مبكراً باتباع عملية مبرمجة أدت إلى إقصاء ‎منظمة التحرير طوعاً وإخضاعها للمخطط الأميركي راضية ‎مرضية. فإن كان خطر منظمة التحرير الفلسطينية على الأنظمة ‎العربية الحاكمة قد بدا واضحاً أثناء مواجهتها مع النظام ‎الأردني عام 1970، جاء التمويل النفطي للمنظمة منذ عام ‎‎1973 والدعم النفطي السياسي لها في عام 1974 في قمة الرباط ليؤدّي ‎الدور الأكبر في إقصاء المنظمة عن أي عمل يمكن أن يهدد ‎الأنظمة العربية القائمة.

كانت التحالفات التي قامت بها ‎المنظمة في لبنان في منتصف السبعينيات استثناءً لسياساتها ‎التحالفية مع كل الأنظمة العربية في تلك الحقبة، لدرجة أن المنظمة المتحالفة مع النظام المغربي ‎رفضت الاعتراف ‎باستقلال الجمهورية الصحراوية بقيادة «بوليساريو» التي ‎كانت قد استلهمت برنامجها الثوري من الثورة الفلسطينية ‎نفسها. ‎فإن كان شرط التمويل النفطي في السبعينيات هو كفّ يد ‎المنظمة عن الأنظمة العربية، اختلفت الأمور في ‎الثمانينيات عقب الاجتياح الإسرائيلي للبنان وهزيمة ‎المنظمة عسكرياً ونفي قياداتها إلى تونس.

فلم يكن شرط استمرار التمويل النفطي بعد عام 1982 الذي أصرَّ ‎على عدم إشهار أسلحة المنظمة في وجه الأنظمة العربية ‎كافياً، بل أضيف إليه شرط عدم إشهار أسلحة المنظمة في وجه ‎إسرائيل وإنهاء المقاومة المسلحة تمهيداً للحل الدبلوماسي.

‎في هذه الفترة، وفور هزيمة لبنان، توجه ياسر عرفات إلى مصر ‎لتوسيع تحالفاته مع الأنظمة العربية القائمة وأعاد تحالفه ‎مع النظام المصري إلى ما كان عليه قبل «كامب ديفيد». ‎

أما التحوّل الثالث في رحلة منظمة التحرير من الثورية إلى ‎قمع الثورة، فكان في التسعينيات عقب الحرب الأميركية ‎الأولى على العراق وانتهاء التمويل النفطي للمنظمة. هنا، ‎وفي سياق انهيار المنظمة لانعدام التمويل، دخل التمويل ‎الأميركي ومعه الأوروبي والياباني وأصرّوا على إضافة شرطٍ ‎جديدٍ على الشرطين السابقين. فإن اشترط التمويل النفطي في ‎السبعينيات عدم التعرض للأنظمة العربية وفي الثمانينيات ‎عدم التعرض لإسرائيل، فقد اشترط التمويل الأميركي الإبقاء ‎على سلاح المنظمة وإشهاره حصرياً، لا في وجه أعدائها ‎التاريخيين، بل في وجه الشعب الفلسطيني نفسه إن رفض ‎الاستسلام واستمر في ثوريته.

قبِل عرفات التمويل المشروط ‎وأثبت جديته في قمع «حماس» فوراً بعيد اعتلائه عرش رئاسة ‎بلدية غزة وأريحا في عام 1994. هذا الدور المنوط بمنظمة ‎التحرير وباستمرارية تمويلها أميركياً وأوروبياً هو الحال ‎القائمة منذ التسعينيات. ‎أما حركة «حماس» التي مُوّلت نفطياً في التسعينيات كبديلٍ ‎للمنظمة، فكان مموّلوها يراهنون على مقدرتها في القضاء على ‎اليسار الفلسطيني وتقويضها لسلطة المنظمة كي تستطيع ‎إسرائيل الجزم بأنه ليس هنالك قيادة فلسطينية موحّدة أو ‎قائد فلسطيني لكل الفلسطينيين.

نتيجة تعدد المصادر ‎النفطية وأيديولوجيات سلطاتها المختلفة، استطاعت «حماس» ‎أن تخطّ خطاً مستقلاً عن مموّليها في نواحٍ جمَّة، أهمها ‎ديموقراطيتها الداخلية ورفضها نهج الفساد المالي الذي كان ‎قد أصبح وباءً ينخر عظام منظمة التحرير. يمكن تحليل ‎الاستقطابات الأيديولوجية داخل «حماس» اليوم ما بين من ‎تسميهم أميركا وإسرائيل والليبراليون العرب الجدد بـ‎‎«المعتدلين» و«المتطرفين»، عبر تتبّع المصادر التمويلية ‎المتعددة الأيديولوجيات التي تدعم «حماس».

‎للسياق النفطي أهمية قصوى في الأحداث الأخيرة التي أعقبت ‎انقلاب «فتح» على الديموقراطية ودفاع «حماس» عنها. فقد رفضت ‎السعودية، التي تدعم الطرفين سياسياً (وإن كانت تدعم طرفاً ‎أكثر بكثير من الثاني) والتي لم تعد المموّل الرئيسي لأي ‎منهما، اتخاذ موقف واضح من هذه الأحداث، على رغم اعتقاد محمود ‎عباس أنها ستقف بجانبه مثلها مثل الولايات المتحدة ‎وإسرائيل. فقد كان رفض ملك السعودية الاجتماع مع عباس أثناء ‎زيارة الأول للأردن إشارة واضحة لعباس أن السعودية ‎وتمويلها لن يحرقا أي جسرٍ مع أي طرف فلسطيني، وذلك لأهداف ‎استراتيجية، أولها مقدرة السعودية على التأثير على كل ‎أطراف الصراع داخل فلسطين، وآخرها أن النظام السعودي هو ‎النظام العربي الوحيد التابع للولايات المتحدة الذي ‎يستطيع أن يعبّر عن رأي مخالف لبعض الأوامر الأميركية التي ‎تنصاع لمجملها كل الأنظمة العربية الأخرى التابعة ‎لأميركا. وقد كانت الاستقلالية المحدودة جداً ‎للاستراتيجية السعودية في فلسطين هي التي حفّزت النظام ‎المصري على التراجع عن مساندته الأولية المطلقة للانقلاب ‎‎«الفتحاوي». بناءً على هذه المعطيات، يبدو أن حجم المناورة ‎الفلسطينية السياسية اليوم محصور ما بين سندان السعودية ‎ومطرقة الولايات المتحدة. إن بقيت كل الأطراف الفلسطينية ‎المتنازعة رهينة التمويل النفطي، فلا فرار إذاً من تحديد ‎النفط وراعيه الأميركي لمستقبل فلسطين، كما حدّدا ماضيها ‎منذ السبعينيات. ‎فهل يعي ديموقراطيّو فلسطين من كوادر المنظمة (ولا نقول ‎قادتها أو مثقّفيها اللامعين غربياً) وكوادر وقيادات «حماس» ‎الثمن الباهظ الذي دفعه وسيدفعه الفلسطينيون مقابل ‎التمويل النفطي؟

يجب التذكير هنا بأن «منظمة التحرير ‎الفلسطينية» هي حركة التحرر الوحيدة في العالم الثالث التي ‎كانت تُموَّل من أكثر الأنظمة رجعية وقمعاً. فلم نسمع يوماً ‎بأنّ «المؤتمر الوطني الإفريقي» كان يُموَّل مثلاً من نظام ‎قمعي مثل نظام «موبوتو» السابق في زائير أثناء نضاله ضد ‎نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. فالحركات التحرّرية ‎في العالم لم تموّل ولم تصبُ إلى أن تموّل من دول إقطاعية وفاشية ‎كي تنجز مشروعها التحرري. هذه الاستثنائية في الوضع ‎الفلسطيني هي التي حوّلت «منظمة التحرير الفلسطينية» إلى ‎منظمة فاسدة وقمعية تموِّلها اليوم الإمبريالية العالمية في ‎خدمة إسرائيل. فإن اعتقدت «حماس» أن بمقدورها خطّ طريق مستقل ‎يخالف مصالح مموّليها، يجب عليها أن تعي أنها تعيش في وهم. ‎فإن أرادت «حماس» الصراع على السلطة في ظل الاحتلال، يجب ‎عليها أن تضع انهيار «منظمة التحرير» ومشروعها التحرّري نصب ‎أعينها كعبرة لمن يعتبر، وإلا فسنشهد معها انهيار مشروعها ‎التحرّري كما شهدنا انهيار مشروع «المنظمة» من قبلها.
"الأخبار"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018