الرئيس من يقول، لا نحن../ زكريا محمد

الرئيس يقول: 

  1- "هذا أرخص احتلال في التاريخ":  اعتراف مذهل بأن وجود السلطة جعل من الاحتلال الإسرائيلي احتلالا رخيصا، بل جعله أرخص احتلال في التاريخ. وهو يعني أن السلطة (جيدة لليهود) وليست (جيدة للعرب)، مثلما يقال في التعبيرات السياسة الإسرائيلية. وهذا ليس أقل من نسف لوجود السلطة من أساسه يأتي على لسان رئيسها، وليس على لسان المعارضين المشكوك فيهم. إذا كانت السلطة جيدة لإسرائيل، وأدى وجودها  إلى خفض كلفة احتلالها، فما الداعي لها؟ هذا سؤال ينبثق من كلام الرئيس لا من كلامنا. زيادة كلفة الاحتلال هي وصفة أي مشروع لإزالته. وحين يؤدي أي مشروع إلى خفض تكلفته، فهذا يعني أن الاحتلال باق. إذ لماذا تتخلى إسرائيل عن احتلال غير مكلف؟ ها؟ 

  2- "السلطة أكذوبة": هكذا قال الرئيس في القمة العربية. وهو يقصد أنه لا توجد سلطة بالفعل. وهذا أمر مفروغ منه. فليس لهذه السلطة ولاية على الأرض، فالأرض تحت تصرف إسرائيل واحتلالها. كما أنه ليس لها ولاية على الناس. إذ يدخل الإسرائيليون كل يوم ويقتلون ويعتقلون دون أن تحرك السلطة شيئا. وإذا لم يكن للسلطة ولاية لا على الناس ولا على الأرض فهي ليست سلطة، أي أنها أكذوبة حقا. والأكذوبة لا يمكن أن تتحول إلى دولة. 

  3- "لا تقل رئيس.. نحن روابط قرى" قال الرئيس هذا الكلام في أحد الاجتماعات قبل شهور. قاله في لحظ غضب. لكن قوله في لحظة غضب لا يعني أنه لا معنى له. فهو يشير إلى شبه ما بين وظيفة روابط القرى ووظيفة السلطة. فكلاهما كان هدفه إزاحة عبء ما عن كتف الاحتلال، وتسليمه للمحليين. هذا على الأقل ما أراده الاحتلال. الفارق أن روابط القرى قبلت بهذا الدور منذ البدء، أما السلطة فهي تتقبله بالتدريج. وقبولها بهذا الدور أدى إلى أن يكون لدينا أرخص احتلال في التاريخ. فنح نقبض على الملاعين ونحبسهم، ونريح إسرائيل. لكن، إذا كانت السلطة تشبه روابط القرى فهل يمكن لها أن تتحول إلى دولة في عام 2011، أو في 2030؟ هل كان بإمكان روابط قرى أن تتحول إلى دولة مستقلة؟!  

حسن جدا، إذن، لقد بدأ الرئيس ذاته يأخذ بعضا من مصطلحات أشد المعارضين، ويطعم بها كلامه. هذا أمر جديد. وهو يحصل في الشهور الأخيرة فقط. معنى هذا أن اليأس بدأ يتسرب حتى إلى قلوب أشد المتحمسين للسلطة ومشروعها. ومعناه أيضا أن السلطة لم تعد تستطيع أن تستمر كما لو أنه لم يحصل شيء. لقد حصل شيء جعل أرغم حتى رأس السلطة على أن يشك في المشروع وفي آفاقه. بالطبع هذا لا يعني أن مؤيدي السلطة استسلموا. لا، ليس بعد بعد، لكن الثقة تنعدم، والعلامات تفقد، والبوصلة تتحطم. إنهم الآن يسيرون في العتمة، على هدي مصبح ضئيل، مصباح مطفأ مدخن اسمه: شهران من وقف الاستيطان! أي والله!!