الجنسية متعددة القوات../ محمد خالد

يتفوق لبنان على جميع دول العالم بأنه توجد على أرضه أكبر كثافة للقوات المسلحة في الكيلومتر المربع الواحد.

خارجياً، توجد قوات هيئة الأمم المتحدة (اليونيفيل) وهي القوات متعددة الجنسية.

داخلياً، توجد الجنسية اللبنانية متعددة القوات، فهناك 18 طائفة لدى كل منها القابلية لإنتاج جيشها الخاص (رحم الله الفنان ناجي العلي الذي رسم كاريكاتيراً يظهر فيه جواز السفر اللبناني على شكل خيمة كُتب عليها: الجنسية متعددة القوات)، وحفاظاً على السِّلْم الأهلي والتنوع الخلاق يطلق عليها (التعدد ضمن الوحدة).

في التطبيق العملي أدعو القارئ للمشاركة في رحلتين داخليتين: رحلة جغرافية.. ورحلة اجتماعية وعائلية.

رحلة جغرافية

في التنقل ضمن مساحة لبنان (10452 كم مربع) تجابهك معضلة الخيار بين الهويات، فأيهما أفضل: أن تحمل هويات عدة “سني شيعي، ماروني، كاثوليكي، ارثوذكسي، بروتستانتي، درزي.. إلخ”. أم تحمل هوية واحدة مدوّناً عليها 18 طائفة تسمح لك بالتجول في أرجاء الوطن؟ طبعاً أفضل الهوية الواحدة متعددة المذاهب، ولكنني أخاف من الحواجز متعددة القوات. فلتكن الرحلة الجغرافية من بيروت الى صور (90 كلم).. انطلاقاً من شارع الحمراء، حيث الهوية مختلطة ومتسامحة نأخذ الطريق البحري.. ففي الأوزاعي عليك أن تكون شيعياً، في الشويفات درزياً، في الدامور مارونياً، في الناعمة سنياً، في الجية ارثوذكسياً، في صيدا سنياً.

أوتوستراد صيدا صور وحدوي سيوفر علينا إبراز هويات عدة. في صور لا بأس أن تكون شيعياً أو سنياً أو مارونياً، فالتعايش هناك تاريخي ربما منذ أيام الفنيقيين في “البص” على مدخل صور سوف تلتقي بالطائفة التاسعة عشرة المنبوذة (الفلسطينيين)، ولا نعرف إذا كان علينا أن نزوّر وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين (مَنْ في العالم يريد أن يزور وثيقة سفر فلسطينية؟).

بعد صور باتجاه الناقورة سوف نحتاج الى هويات أجنبية بعدد قوات اليونيفيل الدولية. على كل حال هناك ميزة كبرى لهذا التنوع والتداخل لأنه يمنع التقسيم والفيدرالية.

رحلة اجتماعية وعائلية

أمام بحر صور (المسمى أحياناً البحر الأبيض المتوسط) رحلتنا الاجتماعية والعائلية مساحتها الذاكرة الممتدة من محطة الى أخرى.

شقيقتي متزوجة من إنسان رائع وصديق عمر، اكتشفت مؤخراً وحسب المصطلحات السائدة أنه شيعي، وأنني خال سُني لثلاثة أبناء أخت وأنهم ياللصدمة شيعة. أذهب لزيارة أخي السني المتزوج من سيدة شيعية فاضلة وحسب الفيروس المذهبي المنتشر كالوباء أجد نفسي متحفظاً عن الحديث عن حزب الله وأكتفي بالإشادة بالسيد حسن نصرالله وابتسامته العذبة حقاً. نبهني الانقسام السياسي الحاد في لبنان أن أعز الأصدقاء والصديقات منذ الطفولة هم من الشيعة الذين ينتمون الى كل ألوان الطيف السياسي العروبي القومي اليساري الليبرالي اللبناني الوحدوي، والآن يراد لي أن أعتقد بأن هؤلاء الأحبة هم قنابل عنقودية موقوتة قد تنفجر بعد صداقة 50 عاماً.

لي صديق يحمل ثلاث تهم تقود الى الهاوية: فهو فلسطيني ومسيحي ومتزوج من سيدة لبنانية شيعية إنه عنيد ومكابر ويرفض الذهاب الى عيادة طبيب نفساني كما يرفض استعمال كافة مساحيق الغسيل ليمحو تهمه الثلاث.

صديق عزيز لبناني مسيحي تجاوز الخطوط الحمراء فتزوج من مسلمة وفلسطينية أيضاً، ويكوّنان أسرة رائعة يختلط فيها الجد المسيحي بالجد المسلم والخال المسلم بالعم المسيحي والخالة المسلمة بالعمة المسيحية، ومع ذلك لا يزال لبنان خارج خط البراكين والزلازل.

عملاً بقول الرسول العربي محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم: “رُبَّ أخٍ لك لم تلده أمك”، اكتشفت أن لي أكثر من 25 أخاً مسيحياً، وهذا يعني أن لي أماً مسلمة واحدة و25 أماً مسيحية.. إنني أشعر بفخر لا حدود له.

عار التراشق المذهبي جعل فريقاً من سُنة فتح في غزة أن يصرخ في وجه فريق من “سُنة” حماس: (شيعة.. شيعة) كانت هذه الهتافات أسوأ أنواع الأسلحة التي استخدمت في فلسطين وأشدها فتكاً.. ولقد استقبلها شباب حماس كنياشين على صدورهم. فالشيعة هم أهلنا وإخوتنا وأحباؤنا ودرعنا الواقي وسيوفنا المسلولة، من جرحنا ينزف دمهم ومن عيوننا تترقرق دموعهم.

هذه القصص الحقيقية لها في فمنا طعم العلقم، كالطير يرقص مذبوحاً من الهويات المذهبية، يعزينا في ذلك ميزان الذهب الذي قاس به رئيس وزراء لبنان الأسبق الدكتور سليم الحص الوضع اللبناني عندما قال: “أنا لست من السنّة ولا من الشيعة في هذا الصدام البائس.. أنا مسلم لبناني.. وأنا لست من المسلمين ولا من المسيحيين في أي تمايز طائفي.. أنا لبناني عربي”.

سليم الحص.. سلمت يداك وسلم ميزانك الذهبي.


"دار الخليج"

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018