شهداء مع وقف التنفيذ../ هاشم حمدان

ليس مهماً إذا كان الشهيد فادي قفيشة من سكان مخيم بلاطة للاجئين أو من نابلس القديمة. المهم أنه ظل مطارداً لمدة تزيد عن أربع سنوات، تعرض خلالها لعدة عمليات اغتيال، أسفرت أحدها عن بتر كف يده اليمنى، فأمسك السلاح باليسرى. وتواصلت مطاردته، إلى أن سقط شهيداً في اشتباك مع قوات الاحتلال في مدينة نابلس قبل أيام.

لا يختلف فادي عن كثير من "المطلوبين" من أبناء شعبنا الذين باتوا في عداد الشهداء بعد أن طالتهم نيران عناصر الوحدات الخاصة، هذه العناصر المختزل كيانها البشري إلى أدوات للقتل، مروضة وملقنة أن القتل مهنتها.. وفادي شأنه كشأن باقي المطلوبين الذين يترصدهم الاحتلال والعملاء وطائرات الاستطلاع والمستعربون ليل نهار. وترصد ميزانيات وتفرز أجهزة ولجان ووحدات لمتابعة تحركاتهم وتحديد ساعة الصفر. وربما تستبدل وحدات بسبب إخفاقات، علماً أنه قلما ينجو المرء من موت محقق عدة مرات.

ليس من السهل أن يكون المرء مطلوباً للاغتيال من قبل وحدات مدربة على القتل، وفي مدينة يتوغل فيها الجيش ووحدات القتل ليل نهار، وتتوفر لديها كافة وسائل القتل، وكافة وسائل الاستخبارات، وكل القوة اللازمة، والغطاء السياسي وحتى الأخلاقي إذا لزم، ولا يتم التعامل معها بلغة المحاسبة والمساءلة، حيث تعتبر الأخطاء هنا إصابات عمل ليس إلا، أو خللاً في الأداء يحتاج إلى المزيد من التدريب، والمزيد من ممارسة القتل.. ثم ينضاف الشهيد إلى قائمة الأرقام ويشطب من لائحة المطلوبين..

في الحروب العادية تستبدل الجيوش، حيث تقوم وحدات باستبدال أخرى. وفي المهمات القتالية يجري تناوب الأدوار، بحيث يستطيع الجندي التزود باحتياجاته الأساسية كالنوم والغذاء والراحة. وفي الحروب أيضاً يمنح الجنود عطلا وإجازات بعيداً عن الجبهة، حتى لا يكونوا عرضة للاستنزاف والإرهاق. كما يوجد توزيع أدوار مريح في الجيوش أثناء الحرب من جهة التخصص وتوزيع المهمات. ولكن في حالة المطلوب فهو جيش لوحده.. يحمل عبء كتائب في الجهد الحربي المتمثل في الرصد والقتال والإمداد والهندسة والاتصال والتخطيط والتمويه والهجوم والتراجع والتصعيد والتهدئة، وفيما عدا ذلك فهو بعكس الجيش، يفرض عليه البقاء في حالة استنفار دائم وحصار دائم وحرب دائمة..

لا نعرف إذا كان قد تمنى الراحة ولو ليوم واحد فقط، أو إذا شعر يوماً بالحاجة إلى روتين حياة عادية؛ راحة ودفء عائلة ومجالسة أصدقاء وسمر ونوم ونزهة وتسلية ووقت فراغ.. ولا نعرف ماذا كان يدور في خلده وهو يختلي بنفسه وحيداً في مخبئه أو مكمنه.. ولا نعرف إذا تعب من المطاردة يوماً، أو شعر بنفسه وحيداً مستنزفاً يبحث عن جدار يسند ظهره إليه.. كما لا نعرف كيف واجه الأوقات الصعبة التي تطغى فيها مرارة الواقع وتضعه في مواجهة عبث تناقضات وتفاقم صراعات ولحظات بدا فيها الهدف ضائعاً.. ما نعرفه أن وحدات القتل المدربة والمروضة تقف بانتظار هذه اللحظات..

"المطلوب" فعلاً.. هو جندي مجهول صامت لا يحتفي به الإعلام ولا يدلي بتصريحات.. ليس لديه أملاك ولا مشاريع استثمار ولا عقود ولا صفقات.. هو ابن اللحظة.. هو إنسان يحمل قضية ويتألم ويحزن ويغضب ويتعب ويفرح ويحب ويحلم.. بصمت..

لكن هذا الجندي المجهول بدون المشروع الوطني والرفاق والحارة والبلد والشعب بأكمله، الحاضنة والمتراس والدرع الواقي، يغادر حالة "وقف التنفيذ"...

 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018