مؤتمر (فتح).. إلى أين؟../ مهند عبد الحميد

كل الأطراف ومن مواقع مختلفة ومتباينة تراهن على مؤتمر (فتح) وتريد حصة منه؛ لدعم سياساتها، وهذا دليل على أن أهمية الـمعركة حول (فتح) لا تقتصر على الفتحاويين من الحرس القديم والجيل الجديد وما بينهما، ولا تنحصر في اتجاهات سياسية فتحاوية، بل تشمل الإطار العام للحركة الوطنية والإسلاميين والقوى الإقليمية والدولية.

الولايات الـمتحدة، دولة الاحتلال، وعدد من الدول العربية، و(حماس)، كلها تحاول التدخل علّ وعسى أن تأخذ جزءاً من الكعكة، عبر إضعاف (فتح) ككل أو تقوية هذا الاتجاه وإضعاف ذاك الاتجاه. على سبيل الـمثال فإن منع (حماس) أعضاءَ الـمؤتمر الغزيين ــ الذين يعرفون حقيقة ما جرى في غزة ــ من الحضور إلى بيت لحم؛ يساهم في إضعاف الاتجاه الاستقلالي الديمقراطي في (فتح).

مراكز القوى أو الاتجاهات السياسية تتحرك من داخل (فتح)، بعضها يسعى ديمقراطياً ومبدئياً وعلنياً إلى إحراز تقدم واستقلالية وهو محق؛ لأنه ينطلق من الـمصلحة الوطنية. والبعض الآخر يلعب بأوراق غير نظيفة ويؤسس لاصطفاف مصالح مؤقتة أو دائمة عبر تبييض الفساد والفاسدين وهو غير محق؛ لأنه يفتح الجسور لتدخل خارجي متباين الـمخاطر، ويهدد استقلالية (فتح) والـمشروع الوطني.

ثمة كتلة فتحاوية سلبية تضم كفاءات مهمة لها مصداقيتها، هذه الكتلة تتعامل بلا مبالاة مع الـمؤتمر من منطلق أنه لا توجد فائدة من الانخراط في العملية، أو من منطلق التسليم بوجود مؤامرة محسومة النتائج مسبقاً ولا مجال لأي تدخل. الكتلة السلبية، للأسف تصب الـماء في طاحونة الذين يؤثرون مصالحهم الفردية الأنانية على مصلحة التنظيم والوطن، وتضعف الكتلة الوطنية الديمقراطية.

السجال الفكري والسياسي عشية مؤتمر (فتح) ما زال محدوداً وضعيفاً، وكان من تعبيراته تفجيرات القدومي التي عكست مستوى من الإفلاس السياسي. أكبر دليل على ذلك، حالة الهوان والضعف والهامشية التي خيّمت على هذا الاتجاه السياسي الذي انتهى نهاية تعيسة ومؤسفة.

عدا ذلك، لا توجد أطروحات سياسية وبرنامجية متداولة بهدف الاستقطاب التنظيمي. هل يعقل فتح معركة عضوية دون سند سياسي ودون طرح الـمبرر السياسي؟ اعتدنا في مؤتمرات اليسار على عرض برنامج واحد للاتجاه الـمركزي، تقول الأقلية رأيها فيه بشكل علني أو شبه علني تحضيراً للـمؤتمر. وفي تجربة الانتخابات الإيرانية اشتعل الخلاف السياسي بين أكثر من اتجاه أثناء الانتخابات وجرى استقطاب لـمصلحة سياسة نجاد وآخر لـمصلحة موسوي. في مؤتمر (فتح) السياسة غائبة والخلاف غير معلن بين الاتجاهات وهذا غير طبيعي، ويصب في مصلحة الذين يبيضون الفساد ولا يهمهم الجانب الاستقلالي لهذا التنظيم العريق.

مؤتمر (فتح) مناسبة للإجابة عن أسئلة طال انتظارها. هل سيبقى الرهان مفتوحاً على الحل السياسي الذي ستجلبه أميركا؟ وماذا لو أخفقت أميركا ومعها النظام الدولي عن إيجاد حل ينهي الاحتلال؟ كما أخفقت في (واي ريفر)، و(كامب ديفيد)، و(أنابوليس). ألا توجد خيارات أخرى؟ ولـماذا لا نراجع حساباتنا وخاصةً بعد أن ثبت أن التدخل الدولي لا يحقق شيئاً بمعزل عن ضغوط داخلية متفاعلة مع الخارج، وبمعزل عن إستراتيجية نضال شعبي مؤثر تأخذ بالاعتبار كافة العوامل بما في ذلك الـمسعى الدولي الراهن. إن اعتماد خيار وحيد أو 99% من مفاتيح الحل بيد طرف ثبت فشلها الأكيد، حتى إسرائيل التي تعتمد تاريخياً على أميركا لا تتعامل مع الخيار الأميركي كخيار وحيد. فهل سيقدم مؤتمر (فتح) إستراتيجية لإنهاء الاحتلال يكون الدور الأساسي فيها للعامل الذاتي ولاستنهاض الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن وجوده، مهما كانت الإمكانات ضئيلة ومحدودة؟ ولا ينسى الـمؤتمرون للحظة أن أكثرية شعوب ودول العالـم تؤيد نضالنا الـمشروع من أجل الحرية والاستقلال.

وإذا كانت الـمراجعة السياسية واستخلاص الدروس تكتسب أهمية قصوى، فإن مراجعة تجربة السلطة في عهد (فتح) لا تقل أهمية. لـماذا اندمجت (فتح) بالسلطة؟ ولـماذا جرى بناء الـمؤسسة بطريقة مرتجلة ووفقاً للـمصالح الشخصية، وبخاصة أجهزة أمنية كانت سيئة البناء والأداء، أجهزة جيرت في خدمة رؤسائها. لـماذا لـم يحاكم الـمتهمون بالفساد والذين خربوا الـمؤسسات ؟ لقد عاقب الشعب الفلسطيني (فتح) عبر الانتخابات فلـم يمنحها الثقة. ورغم ذلك لـم تستوعب قيادة (فتح) وجهازها التنفيذي الدرس فتمسحت بأخطاء (حماس) وبتجربتها الفاشلة في السلطة. ولـم تصوب الأخطاء والانحرافات. وانحصر همها في العودة للسلطة بأي ثمن.

وفي انتفاضة 2000 تُركت قواعد (فتح) العريضة ومناضلوها الشجعان الذين قاوموا الاحتلال، بلا برنامج ولا استراتيجية ولا تدخل جدي من قبل القيادة، فتحول نضالهم الباسل في خدمة استراتيجية (حماس)، حدث ذلك عندما تبنت قواعد (فتح) خطاب (حماس) ورفعت الشعارات ذاتها واستخدمت الوسائل ذاتها لتحصد (فتح) فشل الانتفاضة سياسياً وسلطوياً وتفوز (حماس) بالسلطة. لـم تراجع (فتح) تجربة الانتفاضة ولـم تسائل الـمتهمين بالتقصير.

ثم جاء انقلاب (حماس) في قطاع غزة الذي سجل أسوأ عملية انهيار للأجهزة ولقيادة التنظيم. وفي الوقت الذي سجلت فيه لجنة التحقيق القصور وحددت الـمسؤوليات لـم يُحاسب الـمسؤولون الفعليون عن الانهيار. ولـم يحاسب الذين تركوا الأجهزة والتنظيم يواجهان الـمصير البائس وبحثوا عن مأمنهم الشخصي ومصالحهم الفردية. ثم عادوا إلى صنعة تبييض الفساد والفاسدين، وركوب القبيلة والعشيرة والعائلة. عادوا يبنون نفوذهم ومراكز قوتهم، باستخدام أموال الثراء غير الـمشروعة، كي يعيدوا إنتاج هزيمة (فتح) والـمشروع الوطني.

هل سيسمح مؤتمر (فتح) بعودة هؤلاء إلى الواجهة مرة أخرى؟ هل سيفلت هؤلاء من الـمساءلة والـمحاسبة؟ كل ذلك يعتمد على دور الـمؤتمرين الفتحاويين وكل قواعد وأنصار وأصدقاء (فتح)، وكل أقطاب الحركة الوطنية.
إن كل تقدم يحرزه مؤتمر (فتح) سينعكس إيجاباً وطرداً على العملية السياسية، وعلى واقع مؤسسات الـمنظمة والسلطة، ولا ريب أن مستوى معقولاً من التقدم سيعيد الثقة الجماهيرية بـ(فتح) كطرف أساسي حامل للـمشروع الوطني.

السلبيون والصامتون والـمستنكفون والـمنتظرون والـمشككون مسؤولون عن فشل الإصلاح في هذا الـمؤتمر.
"الأيام"