"طهارة السلاح"... موروث مضمّخ بدماء الفلسطينيين

"طهارة السلاح"... موروث مضمّخ بدماء الفلسطينيين

مقولة "طهارة السلاح"، التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي للظهور بمظهر الجيش الأخلاقي الذي يراعي القوانين والمواثيق الدولية، تقوم على إخفاء الحقائق والضبابية والتعتيم وعدم الاعتراف بالجرائم والمجازر التي ترتكب طالما تسنى ذلك، أو نسبها إلى "أعشاب ضالة" في حال أصبح من الصعب التنكر لها بتوفّر أدلّة دامغة، تلك المقولة ومرتكزاتها هي من موروث منظمة "الهاغاناة" الصهيونيّة، التي حرصت على الحفاظ على صورة الجيش المستقبلي الذي شكل امتدادا لها.

وفي تقاسم الأدوار بينها وبين العصابات الصهيونية الأخرى، اهتمّت "الهاغاناة" بتصريف جميع الممارسات القذرة عن طريق عصابتي "الأيتسل" و"الليحي"، المحسوبتين على التيار الأكثر تطرفًا في الصهيونية وآثرتا ليس فقط عدم إخفاء وجههما الإرهابي فقط، بل تفاخرتا بالمذابح والمجازر والاغتيالات كوسيلة لمنافسة "الهاغاناة" وترجيح كفتهما أمام سطوة قوتها ونفوذها بين المستوطنين.

ولم يقتصر استعمال "الهاغاناة" لتلك المنظمات لتصريف غالبية الأعمال القذرة بواسطتها ووصمها بالتطرف والإرهاب، مقابل ظهورها هي بمظهر الأخلاقي المسؤول استعدادًا لتحولها إلى الجيش الرسمي للدولة العتيدة، بل استعملت تلك العصابات وعملياتها الإجرامية ومذابحها في دير ياسين وغيرها كفزاعة لدب الرعب والذعر في صفوف الفلسطينيين ودفعهم إلى النزوح تنفيذًا لسياسة التطهير العرقي التي مارستها الصهيونية.

بالرغم من ذلك، فإنّ سجّلَ "الهاغاناة" الأسود يحفل بعشرات المجازر والجرائم التي هُمّشت في زوايا التاريخ، وبينما سمع الجميع عن مجزرة دير ياسين وتفجير فندق الملك داوود التي نفذتهما "الإيتسل" و"الليحي" لم يسمع أحد عن مجزرة لوبية وتفجير فندق سمير أميس في القدس اللتين نفّذتهما "الهاغاناة"، كما يقول الصحافي الإسرائيلي عوفر أديرت.

وتتبّع أديرت، في مقال نشرته "هآرتس"، المشروع المسمى "تاريخ إسرائيل" الذي يحاول خلاله بيلغ ليفي حتلنة كتب التاريخ من خلال إجراء مقابلات مع عشرات الذين عاصروا أحداث 1948، والاستماع منهم إلى قصص الاغتيالات وأعمال الانتقام والعمليات الإرهابية التي قامت بها "الهاغاناة" وجرى إقصاؤها، كما يقول، من كتب التاريخ والمتاحف الرسمية والمناسبات وامتحانات البجروت.

ويشير الكاتب إلى العديد من المذابح والأعمال الإرهابية التي ارتكبتها "الهاغاناة"، بينها عملية تفجير فندق سمير إميس في القدس التي نفذتها كتيبة "موريا" التابعة لها، بذريعة اغتيال القائد عبد القادر الحسيني، وسقط فيها 26 قتيلا و60 جريحا بينهم نساء وأطفال، كما قُتل خلالها نائب القنصل الإسباني، الذي كان يقطن في الفندق، بينما نجا الحسيني الذي لم يتواجد هناك.

ويورِد الكاتب كذلك قيام "الهاغاناة" عام 1940 بتفجير سفينة "باتريا" البريطانية التي كانت راسية في ميناء حيفا، حيث تسببت العملية (التي هدفت إلى تعطيل إبحار السفينة) بإغراقها وعلى متنها 200 مهاجر يهودي، كان الانتداب البريطاني ينوي إعادتهم إلى بلدانهم لأنهم دخلوا البلاد بشكل غير شرعي، وهو ما يصفهه الكاتب بأنّه أكبر عملية قتل يهود بأيدي يهودية، رغم محاولات "الهاغاناة" تحويلها إلى رمز وتحويل قتلاها إلى قرابين "سقطوا على مذبح الدفاع عن البيت"، وإخفاء هوية المسؤول المباشر عن قتلهم.

كما يتوقف الكاتب عند تعتيم "الهاغاناة" على المجزرة التي ارتكبتها الكتيبة الثالثة التابعة لها في قرية عين الزيتون الفلسطينية، حيث قام عناصرها بقتل العشرات من رجال القريّة وهم مقيّدون، بعد أسرهم في أيار/ مايو 1948. وتقول مصادر "الهاغاناة" إن إجمالي قتلى قرية عين الزيتون بلغ سبعين شخصًا.

ويروي أحد ضباط كتيبة "البلماح" الذي شارك في احتلال القرية وهو إلعاد بيليد، "أن رجالنا بدأوا بنسف بيوت القرية وأنّ نشوة النصر أعمتهم وأهاجتهم، فدمّروا الممتلكات وكانوا يسحقون وينسفون.. وبعد يوم أو يومين، قام جنديان من قوات ’البلماح’، بناءً على أوامر قائد الكتيبة الثالثة موشيه كيلمان، بقتل عشرات الأسرى في واد بين القرية وصفد".

ووفقًا لـقول نتيفا بن يهودا"، تم تقييد أيدي وأرجل الأسرى ثم ألقوهم في واد عميق بين عين الزيتون وصفد وتركوهم لمدة يومين، إلى أن قرّر موشيه كيلمان، قائد الكتيبة، التخلّص منهم تمامًا وقاموا بقتلهم، وعندما تسربت أنباء المذبحة وكانت مخاوف من وصول محققين بريطانيين أو دوليين تابعين للأمم المتحدة جرى جمع الجثث ودفنها".