حرب المستوطنين

حرب المستوطنين

اندلعت جولة التصعيد الأخيرة والمستمرة من حيّ الشيخ جراح وباب العامود في القدس المحتلة؛ وقدّم الفلسطينيون سواء في الشيخ جراح أو في المسجد الأقصى وباب العامود نموذجًا ناجحًا في المقاومة الشعبية للعدوان الإسرائيلي المتواصل على المدينة المحتلة. واستطاعت القدس لمَّ شمل الفلسطينيين مجددًا، وإعادة تعريف الصراع مع الصهيونية على أنه صراع ضد التطهير العرقيّ كما يحصل في الشيخ جراح وسلوان وغيرهما.

وتخوض فصائل المقاومة في غزة هذه الأيام معركة عنوانها القدس، واستطاعت فرض قواعد جديدة في الصراع مع الاحتلال، بحيث أصبحت هي الجهة المبادرة وتحدد التوقيت والساعة بالضبط؛ لكن جولات التصعيد هذه سرعان ما تنتهي كما حصل في السنوات الأخيرة، من خلال وساطات عربية ودولية، ليستمر الوضع القائم الذي سبق التصعيد، كما كان، وتحديدًا في قطاع غزة. وقوّة المقاومة من قوّة ردعها.

الجديد هذه المرة، هو أن التصعيد والهبّة الأخيرة سواء في القدس أو غزة أو في البلدات العربية في الداخل، محركها ومحفزها ليس صور الشهداء مثلا، أو حجم الضحايا في غزة أو اغتيال قيادي عسكري في فصائل المقاومة؛ وإنما ممارسات المستوطنين في القدس عمومًا والشيخ جراح تحديدًا والاعتداءات على الأقصى، ومسيرة المستوطنين في البلدة القديمة؛ إذ أصبح الواقع في القدس يفوق كل توقُّع، فجمعيات المستوطنين تعمل بشكل دؤوب وممنهج للاستيلاء على عقارات فلسطينية تحيط بالبلدة القديمة والحرم الشريف.

ويمتدّ نشاط الجمعيات الاستيطانيّة وعصابات المستوطنين إلى البلدات العربية وتحديدًا مدن الساحل، في يافا واللد والرملة وعكا؛ واستشهاد الشاب موسى حسونة في اللد بنيران المستوطنين، مساء الإثنين، ليس حالة شاذة أو استثنائية، بل على ما يبدو أن عصابات المستوطنين نقلت نشاطها من تلال الجبال في الضفة الغربية إلى البلدات والأحياء العربية، فاعتداءات عصابات "تدفيع الثمن" أو ما يسمى "شبيبة التلال" متواصلة في البلدات العربية في الداخل في السنوات الأخيرة، من الشمال إلى الجنوب، وكان آخرها في قرية الكمّانة في الجليل، وقبلها في مدينة كفر قاسم في المثلث، وفي غيرهما.

لقد كان المستوطنون أداةً في خدمة دولة استيطانية، لكن في العقد الأخير تحولت الدولة إلى أداة في يد المستوطنين، بحيث تقدِّم لهم التسهيلات القانونية والحماية الأمنية، وتحرس مسيراتهم الاستفزازية في القدس وغيرها. وجزء كبير من هؤلاء لا يرون أنفسَهُم إسرائيليين، بل يهودًا متدينين، ويمزجون ما بين التعصُّب الدينيّ والقوميّ والعرقيّ.

وإذا كان هؤلاء قبل عقد في هامش السياسة والمجتمع الإسرائيليّ، فإن نفوذهم اليوم وصل إلى الكنيست بل إلى الحكومة، فقد وقَّع الليكود وبنيامين نتنياهو مع قائمة الفاشيين والكاهانيين ("الصهيونية الدينية" برئاسة سموتريتش وبن غفير) في الانتخابات الأخيرة اتفاقية فائض أصوات، كما قدم لهم نتنياهو دعما كبيرا، جعلهم ممَثَّلين في الكنيست بستة أعضاء كنيست، فيما كانوا بعيدين عن تجاوز نسبة الحسم في الانتخابات قبل عام وعامين.

ولا ينحصر هؤلاء في قائمة سموتريتش – بن غفير، بل لهم ممثلون في الكنيست منذ سنوات، وعلى رأسهم نفتالي بينيت وأيلييت شاكيد، إذ كان سموتريتش حليفا لبينيت في قائمة واحدة حتى فترة وجيزة.

العدوان الحاصل على القدس وغزة أساسه اعتداءات ومخططات المستوطنين في القدس والشيخ جراح. ويبدو أن المستوطنين سيكونون أكثر نفوذا في السنوات المقبلة، وعدوانيتهم تجاه الفلسطينيين على طرَفَي الخطّ الأخضر سوف تزداد، وبخاصّة أنهم يحظون بحماية مؤسسات الدولة وأذرعها الأمنية، سواء الجيش أو الشرطة. ولا يمانع نتنياهو وزمرته بمن فيهم بينيت وشاكيد، من تصاعُد عدوانية المستوطنين حتى في الداخل، فهم في قارب واحد. كما لا يمانع يائير لبيد، التحالف مع بينيت، ولم يعلن رفضه لأيّ تحالف مع سموتريتش وأمثاله.

إنّ صعود قوّة المستوطنين في المجتمع الإسرائيليّ خلفه عوامل ديمغرافية، كنت قد تطرقت إليها في السابق، لكن المهم هو النموذج الناجح للمقاومة الشعبية كما ظهرت في القدس والشيخ جراح في الأيام الأخيرة. لقد تمكن الفلسطينيون من إحباط نوايا ومخططات المستوطنين في القدس في الأيام الأخيرة بفضل المقاومة والنضال الشعبييْن، وأعادوا للقضية الفلسطينية حيويتها، وأظهروا للعرب قبل الغرب، أداء نضاليًا متنوعًا ومبدعًا، سواء في باب العامود أو الشيخ جراح أو المسجد الأقصى، إذ امتزج نضال الشباب والشابات بنضال الرجال والنساء وكبار السن، وحصل تكامل فلسطيني لم نشهده منذ زمن طويل، ولو في إطار محدود.

إنّ نموذج المقاومة الشعبية في القدس ناجح وناجع، وحقّق إنجازات جدية من إزالة السواتر الحديدية في باب العامود، وقبلها إزالة البوابات الإلكترونية، وانسحاب قوات الاحتلال من باحات الأقصى في ساعات متأخرة من مساء الإثنين، وفشل الشرطة في إدخال المستوطنين لباحات الأقصى في ما يُسمَّى بـ"يوم القدس".

لنحفاظ على بارقة الأمل لكل الشعب الفلسطينيّ التي ظهرت في الأيام الأخيرة في القدس، ولنتذكر أن المعركة الأساسية في الوقت الراهن هي حماية وجود الفلسطينيين في الشيخ جراح تحديدًا، فالتصعيد ضدّ غزة سينتهي في أيام، أمّا معركة الوجود في القدس والشيخ جراح، فهي بحاجة إلى مثابرة ونضال يوميّ دؤوب حتى إفشال مخططات التطهير العرقيّ والاستيطان.

أما اعتداءات عصابات المستوطنين في بلدات الداخل، فيُتوقَّع أن تتصاعد في الفترة والسنوات المقبلة، ويجب نزع الشرعية عن كل من يبدي استعدادًا للتعاون معهم من قريب أو من بعيد.

قراءات في نصّ مريد | ملف خاص