من يحاسب "حفظة السلام" على انتهاكاتهم الجنسية بأماكن بعثاتهم؟

من يحاسب "حفظة السلام" على انتهاكاتهم الجنسية بأماكن بعثاتهم؟
مخيم لاجئين في أفريقيا (أ ف ب)

يفاقم العنف الجنسيّ الذي تتعرض له ضحايا الحروب والنزاعات، مثل القائمة في مناطق مختلفة من أفريقيا، بينها هايتي والصومال وجمهورية الكونغو الديمقراطية وجمهورية أفريقيا الوسطى، ويثقل وطأة هذه النزاعات عليهنّ، ويزيد من ظروفهنّ القاسية، فكيف إذا كانت هذه الاعتداءات الجنسيّة من قبل أفراد تابعين لقوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة.

وقد شهد العامان الماضيان تزايدًا في عدد هذه الاعتداءات، فبحسب تقرير نشرته مجلة "إندبندنت ريفيو" الأميركية مؤخرًا، كان هناك 150 ضحية على الأقل لحوادث الاعتداء الجنسي من "حفظة السلام" في جمهورية أفريقيا الوسطى في الفترة الأخيرة، مما أعاد إشعال النقاش حول مساءلة قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة فيما يتعلق بهذه الجرائم.  

ومع استمرار جرائم الاعتداء الجنسي دون عقاب منذ فترة طويلة، يمكن القول أنّ هناك جيلًا من "أطفال قوات حفظ السلام" الذين ولدوا نتيجة تلك الاعتداءات في جمهورية الكونغو الديمقراطية، دا عن أن هناك عددًا كبيرًا من مسؤولي الأمم المتحدة والخبراء المتورطين في مثل هذه الجرائم خلال مهمة حفظ السلام.

ومن أجل معالجة هذه الفجوة القانونية، قررت الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 2006 إضافة مسودة معاهدة بشأن المحاسبة الجنائية لمسؤولي وخبراء المنظمة الموفدين في بعثات حفظ سلام، إلى جدول أعمالها، إلّا أنّ الدول المساهمة بقوات ضمن البعثات المتهمة، منعت بلورة هذه المعاهدة.

فعادةً، التدبير الأكثر شيوعًا لمساءلة "حفظة السلام" الذين يرتكبون اعتداءات جنسية هو إعادة المتهم إلى وطنه، بيد أن هذا التدبير لا يعدو أن يكون تأديبيًّا بطبيعته، وهو أبعد ما يكون عن كونه آلية مناسبة لتحميل المتهم المسؤولية وتحقيق الإنصاف للضحايا.

نساء في مخيم للاجئين بجمهورية أفريقيا الوسطى (أ ف ب)

خاصّةً أنّ أفراد حفظ السلام من جنود وخبراء يتمتّعون بالحصانة من الولاية القضائية الجنائية للدولة التي ينتشرون فيها، وعادة ما تدخل الأمم المتحدة في علاقة معاهدة ثنائية مع الدولة الإقليمية لمنح حصانة لقوات حفظ السلام.

وتنطبق الاتفاقات على الأفراد العسكريين والمدنيين الذين يُمنحون مرتبة مساوية للموظفين الإداريين والفنيين بموجب اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961.

وفي حالة وجود ادعاء، لا يمكن للسلطات القضائية في الدولة الإقليمية مقاضاة قوات حفظ السلام بسبب الحصانة. ولذلك، فإن السعي إلى المساءلة في الدولة التي تقع فيها الانتهاكات ليس مسارًا متاحًا لطلب العدالة للضحايا.

ولكن هناك احتمالًا آخر يمكن من خلاله أن تُنسب المسؤولية إلى الدول المشاركة بقوات عن الجرائم التي يرتكبها مواطنوها، ومن الحالات المعروفة في هذا الصدد حالة "أمهات سريبرينيتسا" ، اللواتي فقدن أزواجهن وأبنائهن في الإبادة الجماعية التي ارتكبت أثناء حرب البوسنة.

فقد وجدت هولندا عام 2007 وفقًا للمحكمة العليا في لاهاي مسؤولة جزئيًّا عن الجرائم التي ارتكبت في سريبرينيتسا، إذ رأت المحكمة أن هولندا كانت مسؤولة عن تصرفات قوات حفظ السلام الهولندية، وأدينت بشكل رئيسي بالإهمال، كما ذكرت أن القوات الهولندية كانت على علم بالظروف الخاصة بتلك الجرائم.

وعلى الرغم من أن قرار المحكمة الهولندية يمثل بوضوح سابقة قضائية، فإنه من غير المحتمل أن تتحمل جميع الدول المعنية المسؤولية عن سوء تصرف مواطنيها أو إهمالهم في بعثات حفظ السلام، عدا عن أنّ تحميل الدول الأعضاء مسؤولية تصرفات أفاد قواتها لحفظ السلام، قد يؤدي إلى عدد من التأثيرات السلبية على الأمم المتحدة من وجهة نظر سياسية.

فإذا كان من الممكن أن تُنسب انتهاكات قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة إلى الدول الأعضاء في يوم من الأيام ، فسيكون للدول المشاركة بقوات ميلًا للتدخل أكثر في أنشطة المنظمة. كما ستكون تلك الدول أكثر ترددًا في المساهمة بقوات في بعثات حفظ السلام في المستقبل.

وكانت الأمم المتحدة قد نشرت للمرة الأولى أسماء الدول التي يُزعم أن مواطنيها أساءوا جنسيًا إلى نساء وأطفال أثناء التصرف تحت "الخوذة الزرقاء"، وقد تم فهم هذا الإجراء كضوء أخضر من الأمم المتحدة للضحايا للحصول على تعويضات في الولايات القضائية الوطنية لتلك الدول.

وتظلّ الطريقة الوحيدة الممكنة للضحايا لنيل العدالة هي السعي إلى نقل المسؤولية الجنائية والمدنية الفردية إلى الأفراد العاملين تحت مظلة الأمم المتحدة في محاكمهم الوطنية.

ومع ذلك، يجب أن تظل التوقعات متواضعة إذ أن بعض الدول ليس لديها تطبيق لقانونها الجنائي خارج الحدود الإقليمية، وقد رفض البعض بالفعل إجراء تحقيق في مثل هذه الانتهاكات بسبب عدم وجود أدلة قاطعة.