النهضة المعاقة (19): كأننا... simulations



** كتاب "طروحات عن النهضة المعاقة" للمفكر العربي عزمي بشارة صدر عام 2003، ونُشر كسلسلة مقالات في صحيفة "فصل المقال"، يجمعها همّ عرض وتحليل المعوقات التي تقف في وجه النهوض بالمجتمع العربي في الداخل الفلسطيني نحو التحديث، ويلتقي فيها البعد النظري بالاجتماعي والسياسي. نُعيد في موقع "عرب48" نشْرَ هذه المقالات لأهميّتها وراهنيّتها.

_______________________________________________________________________________

كأننا...simulations

 

كان الشكل الأول لحلول المشابهة simulation فينا تحول الصراع ضد الصهيونية إلى تنافس مع إسرائيل: تنافس على الاعتراف الدولي، وتنافس على من هو الأكثر ديموقراطية، وتنافس على الإنسانية والثقافة. وفي سياقات في غير صالحنا، مثل الديموقراطية والثقافة، لا بد من استخدام المقارنات الانتقائية مثل عدد خريجي الجامعات، من دون الأخذ بعين الاعتبار كيف ولماذا وأين؟  أو استخدام الكذب الصريح من أجل الانتصار في المنافسة. وفي الطريق للتزود لهذه المنافسة خطابيًا تحولت لغة تُنشد العدالة وترفض الظلم إلى لغة حقوقية تُنشد الاعتراف من العالم ثم من إسرائيل.

وتحولت حركة التحرر الوطني إلى ما يشبه حركة التحرر من ناحية وما يشبه الدولة من ناحية أخرى، خاسرة بعض محاسن الأولى من دون اكتساب مزايا الثانية. وصار كياننا السياسي مزيجًا من الإثنين مشابهًا لكل منهما. ولأن م.ت.ف باتت تشبه حركة التحرر الوطني، فقد قامت بما يشبه الكفاح المسلح، كأنها حركة تحرر وطني. ولكن البندقية ليست أداة نضال في ما يشبه الكفاح المسلح بل هي رمز. الكفاح المسلح لا يهدف إلى التحرير بل يرمز إليه، ولذلك فهو لم يكن استراتيجية بل أيديولوجية، ولم يعد وسيلة بل أصبح هدفًا أيديولوجيًا بالأساس. وعندما ينقلب الكفاح المسلح هدفًا يُصبح الناس وسيلة، وعندها لا يُحصى قتلى الأعداء على ذاك الجانب من المتراس بل الشهداء على هذا الجانب، فهم الدليل على استمرار الكفاح. أصبح هدف العملية المسلحة هو العملية المسلحة، التي قد تُقدّم هدية بمناسبة "يوم الإاطلاقة"، أو في ذكرى "استشهاد أحد المناضلين" أو في "ذكرى وعد بلفور المشؤوم" قبل أن يسري عليه قانون التقادم كما سرى على غيره ولم يعد أحد يذكره أو يستشهد لذكراه. وعندما تتحول العملية المسلحة إلى هدف بذاتها تصبح فيما بعد نوعًا من الشعائر والطقوس.

وفي مراحل انهيار حركة التحرر الوطني ما تلبث هذه الشعائر والطقوس أن تُطوّر حياتها وقيمها الخاصة لتتحول من جديد إلى أداة لمقاتلة المحتل بعد أن تنسد السبل في وجه الواقعين تحت الاحتلال، أداة "استشهادية" لا يدري المحتل لها جوابًا، ولا يعرف الواقع تحت الاحتلال أن يسيطر عليها ضمن استراتيجية محددة: من هدف قائم بذاته، بغض النظر عن الوسيلة، إلى أداة قائمة بذاتها بغض النظر عن الهدف.

عندما بات الفلسطينيون يتنافسون مع إسرائيل بدلًا من الصراع ضد إسرائيل، صراع المستعمَرين ضد المستعمِرين، والفقر ضد الغنى، والعدل ضد الظلم، تحولت الحملة على الرأي العام إلى سباق مع إسرائيل على التمثيل الدبلوماسي، مع الفرق أن تمثيل إسرائيل تمثيل دولة، وتمثيل الفلسطينيين يرمز إلى الدولة، بسفارات وسفراء كأنه تمثيل دولة.

لكن المشابهات لا تتوقف عند حد، فقد دخلنا في سباق على التمثيل في المؤسسات الدولية، ثم ولجنا حمى الديموقراطية حينما "انتهى التاريخ"، فأخذنا نُصرّ على أننا أكثر ديموقراطية من إسرائيل حينًا، وأحيانًا نسيل ونذوب إزاء أصوات الاستحسان والإعجاب الأوروبي بالتوجهات الجديدة. نؤكد أننا سوف نتعلم الديموقراطية من إسرائيل إذا لزم، ولتنزلق أوروبا ولتذُب وتسقط كلها في البحر المتوسط إعجابًا. ومن أجل إثبات الديموقراطية حولت محاصصة الفصائل إلى "ديموقراطية فلسطينية متميزة". وهكذا لم تعد التعددية مظهرًا من مظاهر الديموقراطية، بل باتت ترمز إليها، كأنها ديموقراطية.

والتقت هذه الرمزية الجديدة مع عشق الفلسطيني للرموز، أو لكل ما يرمز للوطن السليب: العلم رمز وهذا هو الأمر الطبيعي، لكن اعلان الاستقلال رمز، والشاعر رمز، والرئيس رمز، ليس رمز السيادة كما في بعض الدول بل رمز إلى وجود رئيس، كأنها دولة. التعددية ترمز إلى الديموقراطية والمؤسسات ترمز لوجود سلطة، والسلطة ترمز إلى الدولة. وبدل أن يكون الرمز دلالة على معناه يصبح دلالة على الشيء مباشرة.

وفُرضت علينا التماثلات فرضًا، ثم عشقناها، عندما طفق الغرب، ثم إسرائيل، يبحث إن عن شركاء في الحوار الجاري بين الشمال والجنوب، وبين غرب المتوسط وشرقه، وبين العرب واليهود، وبين الإسرائيليين والفلسطينيين. ولا يجري الحوار الجاري بين متساوين ومتماثلين، أو متكافئين (أليست هذه هي الكلمة؟)، لكنه يفترض التكافؤ بموجب ما يليق سياسيًا. ومن لا يفترض المساواة على مستوى التمثيل يكون قد تجاوز ما يليق سياسيًا.

صحيح أنه لا توجد في الواقع مراكز أبحاث متكافئة، ولا بأس بذلك فهذا أمر طبيعي، لكننا نختلق مراكز أبحاث "منزوعة الأبحاث" لغرض الحوار أو لغرض تلقي الدعم المخصص للأبحاث في ميزانيات الدول المانحة. وقد يُقام مركز أبحاث لمجرد التوقيع على مشروع مشترك مع الإسرائيليين، لكي يكون هنالك شريك. والدعم الأوروبي للمشاريع المشتركة كان متوفرًا بعد أوسلو. ولا يتوقع الشريك الإسرائيلي أن تُقدّم في النهاية أبحاث فلسطينية تروي الرواية الفلسطينية عنّا وعنهم، فكل ما يلزم هو التوقيع الفلسطيني على المشروع المشترك، ما يلزم هو الدلالة على المشاركة الفلسطينية. ومرة أخرى تطغى الدلالة على المدلول. ويلعب مركز الأبحاث الفلسطيني دور مركز الأبحاث، والكاتب دور الكاتب، والشاعر دور الشاعر. وينفتح المجتمع الدولي أمام المثقف الفلسطيني ليس نتيجة لتطوره المتدرج وغير المتكافئ إلى العالمية كما تعرفها أوروبا، بل لأنه يلعب دور المثقف في الندوات والحوار والمشاريع المشتركة joint projects. باستطاعة الباحث الأوروبي أو الإسرائيلي أن يقدم مداخلة فلسفية أو تاريخية جافة، وما على الفلسطيني إلا أن يتحدث عن "تجربته الشخصية" كي يُقبل في الصالون الأكاديمي. وما يلبث الفلسطيني أن ينتقل من لعب دور ذاته إلى لعب دور صورته التي تُرسم في أذهان الأوروبيين أو الإسرائيليين، أو التي ينقلها إليه الإعلام كلي القدرة.

تطغى الدلالات على المدلولات، وتكتسب حياة خاصة بها. وتكتسح التماثلات المؤسسات الفلسطينية حاجزة تطورها، وذلك لأنها تلعب جميعًا، بوجه من الوجوه، دور ذاتها، فكأنها قامت لتراها الوفود الأجنبية، أو لتكون عنوانًا لتلقي الدعم وإيفاد الوفود، وقد لا تجد مؤسسة من توفده لأن كل من يفك الحرف فيها منشغل بتمثيل الشعب الفلسطيني في حدث ما.

لا ينطلق التطور العضوي مما يليق سياسيًا في تصوّر الآخرين لنا وفي تصورنا لأنفسنا، وإنما في الواقع على عواهنه وكوامنه. والواقع ليس متماثلًا بل مختلفًا، ملؤه المتناقضات. لكن مسيرة التماثلات الظافرة، والتي تصبغ كل شيئ بلونها، لا تحجز التطور فحسب، وإنما تضيف مساهمتها لطمس الحدود بين المجالات.

والعقبة الكأداء أمام تطور العلم والفن والرياضة والصحة والبيئة هو الاحتلال، ثم طمس الحدود بينها الناجم عن تسييسها في مرحلة التحرر الوطني. فالفلسطيني عندما يتعلم "إنما هو يناضل"، وعندما ينتج فنًا "إنما يساهم في حفظ الهوية الثقافية من الضياع"، وعندما يمارس الرياضة "إنما يكتب سطرًا جديدًا في صراع شعبنا على البقاء"، وعندما ينجب الأطفال "فإنه يُسطّر ملحمة"... وهكذا. والحقيقة أن هنالك نواة أصلية من الحقيقة في هذه التعابير باعتبار أنشطة البناء والصمود، بغض النظر عن مجالاتها، تشكل نوعًا من صراع البقاء بالنسبة لشعب هدد مجرد وجوده كشعب. لكن هذه تنقلب إلى عكسها، أي تتحول إلى هدم وتخريب وإعاقة، إذا تم استخدام بُعدها "النضالي" مبررًا لغياب المهنية أو لغياب التمييز بين المعايير المختلفة التي تُميّز وتخصص المجالات مقارنة ببعضها. وإذا تم اعتماد معايير مجالات النشاط الإنساني المختلفة من خارجها يصبح معيار العلم غير علمي، ومقياس الفن غير فني، ومقياس الصحة غير صحي. هكذا تخسر المجالات المختلفة ذاتها وتذوب في ما يسمى، مجازًا، السياسة المثقلة بتعابير مثل الالتزام بالقضية ورديفتها التعيينات السياسية في كافة المجالات وبناءً على ولاءات. لكن السياسة تفقد ذاتها أيضًا ضمن هذه العملية إذ تتحول إلى حالة بدائية من الولاء والنفعية ونظام المحاصصة، ويخترقها الكذب المبني على المنفعة المباشرة اختراقًا تامًا. يلتقي في كذب السياسة والحالة هذه، كذب المشابهات وخطاب الرمزية، وكذب نفي خصوصية المجالات المختلفة، وكذب المصالح والمنفعة المباشرة.


تعليقات Facebook