"ما اختلفناش": خطوة جديدة في العمل المجتمعيّ المثليّ/ الكويريّ

من أحد ملصقات حملة "ما اختلفناش"

 

منذ بداية العقد الماضي، بدأت تتشكّل في المجتمع المدنيّ الفلسطينيّ نواة لحراك مثليّ/ كويريّ، لدفع المجتمع الفلسطينيّ نحو تذويت التعدّديّة الجنسيّة والجندريّة. تأسّست في تلك الفترة "جمعيّة القوس للتعدّديّة الجنسيّة والجندريّة"؛ مجموعة صغيرة من أشخاص يعيشون توجّهات جنسيّة وجندريّة مختلفة، ناشطين في منطقة القدس ورام الله بالأساس، حتّى باتت اليوم من أكبر المؤسّسات الفلسطينيّة وأكثرها تأثيرًا في هذا الحقل.

احترام الاختلاف

شهد نهاية العام الماضي محطّة ليست عاديّة في عمل "القوس"، وفي مدى إتاحة النقاش حول قضايا التعدّديّة الجنسيّة والجندريّة في فلسطين، وذلك بإطلاق الجمعيّة، بالشراكة مع "حملة - المركز العربيّ للإعلام الاجتماعيّ"، حملة "ما اختلفناش"، تحت شعار "نحو مجتمع يرفض العنف ويحترم الاختلاف".

بأرقام وصول كبيرة نسبيًّا، تخطّت النصف مليون مشاهدة للفيديوهات على موقع فيسبوك، سلّطت الحملة الضوء على العنف المجتمعيّ تجاه أشخاص يعيشون توجّهات جنسيّة وجندريّة مختلفة، معلنة أنّ الاختلاف والتنوّع الجنسيّ والجندريّ ليسا مبرّرًا للعنف ولا بأيّ شكل من الأشكال.

على سبيل المثال، تمّت مشاركة فيديو واحد على موقع فيسبوك أكثر من 700 مرّة، مع عدد مشاهدات فاق 300,000 مشاهدة، و600 تعليق. لم يكن الانتشار الجغرافيّ للحملة محصورًا في منطقة معيّنة، إذ توزّعت المشاهدات بين شمال فلسطين، ومنطقة المركز، والقدس، مع نِسَب وصول أقلّ في جنوب فلسطين.

عنف مبطّن وخبيث

من خلال ثلاثة فيديوهات، وموادّ إعلاميّة بصريّة مرافقة، وضعت الحملة العنف اليوميّ الذي يواجهه أشخاص يعيشون تجارب جنسيّة وجندريّة مختلفة، في الواجهة، موسّعة مفهوم العنف، ومركّزة بالأساس على العنف المبطّن الذي يأخذ أشكالًا أكثر خبثًا؛ من تهميش، وإقصاء، وإنكار، وتنميط، والتي تستند إلى ترسانة من الخرافات والصّور النمطيّة المغلوطة.

 

 

لعلّ من أبرز ما ميّز مضامين الحملة حول العنف المجتمعيّ، أنّها كانت في مجملها شهادات ومشاركات لمواقف وقصص حقيقيّة لأشخاص يعيشون هذه التجارب، جُمِعَت من خلال مجموعات بؤريّة نُظّمت في مناطق مختلفة من فلسطين.

تقول مركّزة المجموعات البؤريّة الخاصّة بالحملة، أماني خليفة، إنّه لم يكن من السهل على جميع المشاركين إدراك مفهوم العنف اليوميّ والمبطّن، أو العنف تجاه المشاعر، لعدم تأطيره بصفته عنفًا حتّى من الأشخاص الذين يتعرّضون له. كذلك الأمر لدى متلقّي الحملة، إذ جاءت مخالفة لتوقّعاتهم حول رؤية عنف دمويّ ومباشر، مقلّلين من قيمة وأثر الشكل المطروح من العنف في الحملة، "ممكن لأنّه يضع للبعض مرآة لما يمارسونه من عنف، فكانت ردّة فعلهم دفاعيّة بهذا الشكل"، تضيف خليفة.

نقطة مفصليّة

لا مجال للشكّ في أنّ هذه القصص والتجارب أخذت زخمًا، وحُمّلت عاطفيًّا وسياسيًّا بشكل أكبر، لروايتها بشكل مباشر من خلال أشخاص يمرّون بهذه التجارب. يقول أحد المشاركين في الفيديوهين بهذا الخصوص، أنّ خطوة الظهور هذه كانت حتميّة، بعد وقت كافٍ من العمل والبناء والجهوزيّة المجتمعيّة. إنّ المشاركة العلنيّة لمثليّين/ ات ومتحوّلين/ ات، على الرغم من بعض محدوديّاتها، قد يخلق تواصلًا من نوع مختلف مع "الشارع الافتراضيّ".

 

 

لم تأت هذه الخطوة بشكل تلقائيّ أو عشوائيّ من "القوس"، بل استندت إلى سنوات من العمل والتنظيم المجتمعيّ، الذي اتّسم طوال الوقت بالانخراط المجتمعيّ الكبير، والتركيز على بناء قاعدة مثليّة وكويريّة صلبة، فما كان من الحملة سوى أن نقلت هذا العمل إلى مستوى ظاهر وعلنيّ بشكل أكبر، ما أحدث نقلة مفصليّة في النقاش المجتمعيّ فعلًا.

لماذا لم تتفاعل المؤسّسات؟

هذا ما يتّفق معه مدير مركز "حملة"، نديم الناشف، لاعتقاده ضرورة فتح هذه النقاشات، مستغلّين ما تتيحه شبكات التواصل الاجتماعيّ من الوصول إلى جمهور أكبر وأوسع، وهو ما على الجمعيّات والمؤسّسات الفلسطينيّة الاستثمار فيه فعلًا.

على الرغم من الوصول الكبير الذي حقّقته الحملة، ونجاحها في فتج باب النقاش في هذه المواضيع على مصراعيه، إلّا أنّ الناشف يدرك تمامًا الصعوبات التي واجهتها، وهي ذاتها الصعوبات التي تواجهها "القوس" على مدار سنوات عملها؛ إذ لم يغطّي الإعلام المحلّيّ الحملة بالشكل الكافي، هذا عدا عن الصعوبة التي لا يزال يعاني المجتمع الفلسطينيّ منها في ما يخصّ المجتمع المدنيّ، "فلم تتفاعل الجمعيّات والمؤسّسات الفلسطينيّة مع الحملة، وقلّة قليلة جدًّا منها شاركت الفيديوهات على صفحاتها أو إعلامها، إمّا لأسباب لها علاقة بالخوف من التطرّق لهذه المواضيع، أو لروح المنافسة والتحدّي للأسف الشديد"، يقول الناشف.

 

مهنيّة عالية

أمّا على صعيد المستوى التقنيّ أو الفنّيّ للحملة، فقد تنوّعت المواد المنتَجَة، ليأتي أحد الفيديوهات على شكل رسوم متحرّكة، والاثنين الآخرين بشخصيّات حقيقيّة، إضافة إلى ملصقات تحمل مقولات حول موضوع التعدّديّة الجنسيّة والجندريّة، وموقعًا كاملًا خاصًّا بالحملة، مزوّدًا بمعلومات وأسئلة شائعة ومشاركات خاصّة.

يرى أحد أعضاء فريق الحملة، وتحديدًا في المرافقة الإبداعيّة لها، عبد طميش، أنّه من النادر جدًّا إنجاز حملة مجتمعيّة بهذا المستوى العالي من المهنيّة في فلسطين؛ فالعمل الطويل والمدروس أخرج مستوى عالٍ فنّيًّا، طبعًا مع إمكانيّة تقديم ملاحظات تقنيّة بخصوص الفيديوهات هنا وهناك.

مرحلة جديدة؟

وعلى الرغم من لغة الحملة المتماسكة والقابلة للوصول، إلّا أنّه من الواضح نزوعها نحو أشكال وتعبيرات جندريّة أقرب للـ "معياريّ" أو السائد، من كونها تعبيرات أو هويّات خارجة عن المألوف. وإن لم تكن الفرصة متاحة لذلك في الفيديوهات لأسباب تتعلّق بالموارد البشريّة المتاحة (مثل جهوزيّة أشخاص آخرين للظهور)، فكان من الممكن التطرّق إليها في المواد الإعلاميّة الأخرى على الأقلّ.

 

 

قد تكون "ما اختلفناش" نهاية مرحلة من العمل والحراك الكويريّ في فلسطين، إلّا أنّه من المؤكّد أيضًا، أنّها افتتاح لمرحلة جديدة من التأثير والنقاش المجتمعيّ، بل والتحدّي في مكان ما، وهو ما يلقي على القوس، وغيرها من مؤسّسات المجتمع الفلسطينيّ، مسؤوليّة وحملًا كبيرين للاستمرار والمتابعة في إنتاج حملات أو أشكال أخرى للنضال والتأثير.

 

تعليقات Facebook