علماؤه يتحدّثون: ولادة معجم الدوحة التاريخيّ للّغة العربيّة

Wellcome Collection gallery

 

رغم أنّ التراث العربيّ يزخر بإرث معجميّ ضخم، تركه لنا علماء اللغة من مختلف العصور؛ لا تزال اللغة العربيّة تفتقد وجود معجم تاريخيّ، يؤرّخ ويدوّن تطوّر ألفاظها ودلالاتها، وورودها في النصوص التاريخيّة في مدوَّنة واحدة تجمعها، كما يتوفّر للغات العالميّة الحيّة.

ولسدّ هذا النقص، ولمواكبة اللغة العربيّة وتطوّرها، أسوة باللغات الحيّة المتجدّدة، مثل الإنجليزيّة والفرنسيّة والروسيّة والألمانيّة؛ أنشأ "المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات" مؤسّسة  خاصّة لإنشاء "معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة"، الّذي يؤرّخ ويدوّن ويتتبّع الألفاظ العربيّة، وما طرأ ويطرأ عليها من تغيّر في الدلالات عبر التاريخ.

 

"اللغة العربيّة في بيئات ومجالات مختلفة": ندوة عقدها "المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات"، في إطار مشروع "معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة" عام 2015.

 

ويجري العمل في المعجم على مراحل عدّة، أولاها تبدأ من القرن الرابع قبل الهجرة، وتمتدّ إلى نهاية القرن الثاني الهجريّ، جمع العلماء وثائق ونقوشًا من هذه المرحلة، في إطار تشكيل مدوّنة لغويّة للّغة العربيّة، ودرسوها، ورصدوا ألفاظها، وأرّخوا لها من خلال هذه النصوص.

وللوقوف على هذا العمل وتحدّياته، والقضايا الّتي بحث فيها، تحدّثت فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة إلى مجموعة من العلماء، من أعضاء المجلس العلميّ للمعجم، واستفسرت عن جوانب العمل المعجميّ، الّذي وصل إلى هذه المرحلة الأولى، ويتمّها في إطلاق البوّابة الإلكترونيّة للمعجم، يوم العاشر من شهر كانون الأوّل (ديسمبر) 2018.

 

تتبّع تطوّر اللغة عبر ألفي عام

ذكر الدكتور رشيد بلحبيب، نائب المدير التنفيذيّ لمشروع المعجم، أنّ "المعجم التاريخيّ يختلف عن المعاجم العامّة؛ لأنّه يسعى إلى تتبّع الألفاظ، وما يطرأ عليها من تغيّر في الدلالة والتطوّر الدلاليّ لها، ورصد التغيير مع نسب الكلام إلى أصحابه، والتأريخ للكلام. هو عمل مركّب؛ إذ إنّه لا يتتبّع الدلالات وتطوّرها فحسب، بل يؤرّخ للتطوّرات الدلاليّة كلّما حدثت، وينسبها إلى مصادرها التاريخيّة الموثّقة".

 

رشيد بلحبيب، نائب المدير التنفيذيّ لمشروع المعجم

 

وأضاف بلحبيب: "هذا العمل ليس سهلًا؛ لأنّ ثمّة صعوبة في إيجاد المصادر المدوّنة، الّتي لا تخلو من تصحيفات وتحقيقات غير علميّة؛ فتكون النصوص فيها أخطاء، ويكون المعالج اللغويّ مطالبًا بتنقية النصوص وتصحيحها؛ كي لا يبني على نصّ مغلوط أو محرّف".

عند سؤاله عن كيفيّة التحقيق في النصوص والشواهد، أجاب بلحبيب: "يعود معظم النصوص الّتي وجدناها إلى القرن الرابع قبل الهجرة، وفي هذا الوقت، كان الاعتماد الأكبر على النقل الشفويّ لا على التدوين؛ فكنّا مضطرّين إلى البحث في الأنساب والعلاقات، والقرائن التاريخيّة الّتي ترجّح لنا تاريخًا معيّنًا، نعتمده في التأريخ للشاهد أو للنصّ. المسألة الموالية مرتبطة بما يعتري هذه النصوص من نسبة، هل هي صحيحة النسبة إلى أصحابها؟ هل هي منسوبة إلى غير قائل واحد؟ ونكون مضطرّين أيضًا إلى تحقيق النسبة إلى القائل الحقيقيّ، وهكذا كان العمل مسلسلًا من الصعوبات والإشكاليّات، الّتي تغلّبنا على الكثير منها، ولا شكّ في أنّ بعضها سيبقى ملازمًا للمعجم، وسيُحلّ مع الزمن؛ لأنّ ’معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة’ معجم مفتوح، كلّما ظهر جديد أضفناه عليه وصحّحناه؛ وهكذا يكون العمل دائمًا وتراكميًّا".

 

الاستعانة بالنقوش

تستند المرحلة الأولى من صناعة المعجم إلى النصوص الواردة من حقبة تاريخيّة قلّ فيها التدوين، وحتّى الموجود منه، فإنّه بدائيّ وغير وافٍ.

سألنا الأستاذ الدكتور نهاد الموسى عن النقوش الّتي اعتمدها المعجم واستخدمها، في تحديد الألفاظ، أعربيّة كانت أم دخيلة على اللغة، وكيف قرّر المجلس العلميّ التعامل مع هذه المسألة.

 

نهاد الموسى، عضو المجلس العلميّ للمعجم

 

قال الموسى: "كان موضوع النقوش ملتبسًا؛ فاستعنّا بالمتخصّصين؛ لأنّنا نتحدّث عن حقبة ملتبسة، لقد استعنّا بخبراء؛ ليزوّدونا بما يكمل المادّة إذا كان النقش يتعلّق بها، وذُيّلت كلّ مادّة بمجموعة من النقوش الّتي عُثر عليها، وكان هذا من مقتضيات العمل".

وتابع: "وصل المجلس العلميّ 28 مادّة نصّيّة من هذه الحقبة التاريخيّة. لقد تتبّعنا الموادّ المعجمية في خمسة قرون، وكان هذا إسهامًا لم يأت به أحد؛ لقد تحرّينا ما أمكن التحرّي في استيعاب المادّة الّتي استقرأناها، وسيكون مؤتمرنا المقبل، في 10 و11 كانون الأوّل، استعراضًا لما وصل إليه المعجم، ونأمل أن يسير هذا المشروع إلى غايته".

 

التأثيل: ردّ الألفاظ إلى أصولها

كما سألنا سألنا الأستاذ الدكتور عبد العلي الودغيري، عن التأثيل، وهو البحث في أصول الكلام، ومن أين جاءت اللفظة، وإن كانت من داخل اللغة المدروسة أو من خارجها، ثمّ تتبّع تطوّر اللفظ أو المعنى عبر التاريخ.

 

عبد العلي الودغيري، عضو المجلس العلميّ للمعجم

 

قال الودغيري: "اهتمّ المعجم بالتأثيل؛ لأنّه جزء أساسيّ من التأريخ للغة، من ناحيتين: الأولى هي الألفاظ الدخيلة أو المعجميّة؛ فهي كثيرة، ويحاول أن يردّها إلى أصولها اللاتينيّة، أو اليونانيّة، أو المصريّة القديمة، أو غير ذلك، وثمّة جزئيّة أخرى من الألفاظ والمفردات، هي الّتي تكون مشتركة مع لغات من نفس الأسرة؛ أي اللغات الساميّة؛ كالعبريّة والفينيقيّة والأكّاديّة والسريانيّة، وهذه لا نسمّيها لغات أعجميّة، لكنّها أخوات العربيّة، وهي لغات أصليّة عربيّة قديمة أو ساميّة قديمة، وهذا النوع من الألفاظ نتحدّث عنه في ’معجم الدوحة التاريخيّ للغة العربيّة’، على أساس أنّ هذه الكلمات موجودة في العربيّة إن كانت موجودة، ولكن لا نعرف مَنْ الّذي أخذها من الآخر".

وأكّد الدكتور الودغيري أنّ التأثيل مهمّ؛ إذ ليس ثمّة قاموس أو معجم تاريخيّ في العالم، لم يتطرّق إليه، قال: "التأثيل هو البحث عن الأصول الأولى للفظ، فالشاهد الّذي يثبت أنّ الكلمة جاءت من لغة ما - اللاتينيّة، أو اليونانيّة، أو الهيروغليفيّة، أو حتّى الإفريقيّة - يحتاج إلى هذا البحث والتحقيق، لكنّها تبقى مجرّد احتمالات، تؤسّس أنّ هذا اللفظ جاء من لغة ما، ونأتي بالحجج والشواهد الّتي فيها ما هو قطعيّ، وما هو ظنّيّ، وما هو احتماليّ، وما هو مشكوك فيه، وما هو مرفوض لنقص الشواهد".

وأضاف: "والتأثيل من الأمور الصعبة؛ لأنّ من السهل أن تبحث في معاجم اللغات، لكنْ لدينا نقص عربيّ في الخبراء، الّذين كان يمكن أن نستعين بهم؛ فلم يعد هناك من يعرفون اللغات هذه بصورتها القديمة، وهنا استعنّا بخبراء في اللغات والنقوش والساميّات، وخبراء غير عرب أيضًا، وكانوا سبّاقين، ووضعوا قواميس ومعاجم في هذه اللغات".

 

كشف حقائق كانت خافية

حدّثنا الأستاذ الدكتور محمّد حسّان الطيّان عن أهمّيّة المعجم التاريخيّ، في حفظ ذاكرة الأمم: "ما من لغة من لغات الحضارة، إلّا ولها معجم تاريخيّ، يسرد دلالة اللفظة وسياقاتها المختلفة، وكيف تنتقل لتعطي دلالات أخرى، ومتى أعطت اللفظة هذه الدلالة، وكيف استجدّت عليها؛ هذه هي الغاية، هي رصد هذه الدلالات المختلفة وسياقاتها التاريخيّة. نحن نقف على حقائق، من خلال المعجم، كانت خافية علينا: حقائق لغويّة، ودلاليّة، وصوتيّة، وغيرها؛ وهذا قد يؤدّي إلى خروج معاجم مختلفة لكلّ العلوم المختلفة".

 

محمّد حسّان الطيّان، عضو المجلس العلميّ للمعجم

 

وعن الصعوبات والتحدّيات الّتي وقفت في وجه العمل، قال: "ما من اجتماع للمجلس العلميّ إلّا وتُعرض فيه مستجدّات تحتاج إلى حلّ وتداول؛ بدءًا من اختيار الكتب الّتي نستقرئ منها، وأيّ طبعة من المؤلّفات؛ أي أن نختار الطبعة الأوثق، والشواهد الّتي تُقرأ على غير وجهها؛ فيجب أن تتوفّر لدينا القدرة على ألّا يفوتنا أيّ تحريف أو تصحيف".

وأضاف: "لا يخلو الأمر من قضايا لمّا تُحسم بعد، والإجماع ليس سيّد الموقف في الكثير من الأحيان؛ فنجري التصويت داخل المجلس؛ لنتبيّن كيف يمكن أن نأخذ كلّ هذا النتاج؛ وهنا يقرّر المجلس أن يتخيّر؛ يقرّر ماذا يتخيّر، وماذا يدع، ونأمل ألّا يفوتنا شيء".

 

في المنهجيّة: جَمْعٌ ووَضْع

وحدّثنا الأستاذ الدكتور إبراهيم بن مراد، عن القضايا المعجميّة الّتي ينضوي عليها العمل على المعجم، فقال: "المصطلح اللسانيّ الأصليّ هو قاموس؛ أي يُعنى بالتأريخ للألفاظ، ليس في اللغة بل في النصوص؛ ولأنّها تخرج من اللغة وتُدوَّن وتُسجَّل من النصوص، التأريخ هو لظهور الكلمات في أوّل مرّة في نصّ من النصوص؛ وهنا تُضبط قضيّة أوّل ظهور للمفردة في النصّ".

 

إبراهيم بن مراد، عضو المجلس العلميّ للمعجم​​​

 

وحول منهجيّة صناعة المعجم قال بن مراد: "كونه قاموسًا؛ يعني أنّ منهجيّة التأليف فيها تقوم على الجمع والوضع؛ أي تكوين المدوَّنة القاموسيّة، الّتي تُدرَج في القاموس كونه وثيقة، لكنّ المؤلّف يضطرّ إلى وضع مدوّنة نصّيّة؛ أي أن يستخرج النصوص الّتي يستخرج منها اللفظ أوّلًا. أمّا بالنسبة إلى الوضع؛ فهو المعالجة القاموسيّة، وفيها قضيّة الترتيب والتعريف: كيف نرتّب هذه الكلمات؟ والمنهجيّة الّتي اتُّبعت في هذا المشروع كانت بحسب الجذور، والقضيّة الثانية هي قضيّة التعريف، وبالطبع فالتعريف هنا ليس تعريفًا منطقيًّا موسوعيًّا، بل هو تعريف لغويّ للوحدات المعجميّة، يكفي لفهم معناها ودلالتها، ثمّ نذهب في التأريخ لها، وتدوين هذا التاريخ كما سلف".

 

ما المعجم التاريخيّ؟

"المعجم التاريخيّ للغة العربيّة" صنف من المعاجم اللغويّة، يتميّز بتضمّنه ذاكرة كلّ لفظ من ألفاظ اللغة العربيّة، يسجّل فيها - حسب المُتاح من المعلومات - تاريخ استعمال اللفظ بدلالته الأولى، وتاريخ تحوّلاته البنيويّة والدلاليّة، وتحوّلاته عبر تاريخ استعمالاته، مع توثيق تلك الذاكرة، بالنصوص الّتي تشهد على صحّة المعلومات الواردة فيها.

 

كتاب صادر عام 2014، انطلاقًا نحو إنشاء "معجم الدوحة التاريخيّ للّغة العربيّة"

 

وانطلاقًا من هذا التحديد، يقدّم المعجم لكلّ لفظ من ألفاظ اللغة العربيّة مدخلًا معجميًّا، يتضمّن المعلومات عن الجذر، وأقدم استعمال للفظ المنتمي إلى الجذر، مستخلَصًا من النقوش، مع تحديد معناه، وتاريخه، والشاهد الّذي ورد فيه، ومستعمله، ومصادره، ومعاني اللفظ مرتّبة تاريخيًّا، حسب ظهورها في النصوص الموثّقة، مع تعريفاتها اللغويّة والاصطلاحيّة، وتواريخ استعمالها، والشواهد الّتي وردت فيها، ومستعمليها، ومصادرها في التأثيل؛ أي نظائر اللفظ العربيّة في اللغات الساميّة وغيرها.

التبصّر في المنطلق اللسانيّ وارد في خدمة توثيق الموادّ، ولا ينبئ عن نفسه، أمّا المصطلحات فتكون يسيرة، لكنّنا نعوّل عليها، إذا كانت داخلة بالمعجم العامّ الّذي يتداوله الناس؛ لأنّ المصطلحات التقنيّة المتخصّصة سيكون لها معاجم أخرى، إلّا أنّ المعجم التاريخيّ معنيّ بتلك الّتي دخلت المعجم العامّ؛ بمعنى أنّه سيكون في متناول الناس جميعًا. أمّا المصطلحات التخصّصيّة، وتلك المتعلّقة بالعلوم المختلفة، فلها مجال آخر؛ حيث ستصدر معاجم خاصّة بها، تخصّصيّة ومنفردة.

 

 

نداء عوينة

 

 

بدأت العمل الصحافيّ وكتابة المحتوى والتحرير عام 2008، نشرت العديد من المقالات في الصحف والمواقع العربيّة والفلسطينيّة. حاصلة على البكالوريوس في اللغتين الفرنسيّة والإنجليزيّة، والدبلوم العالي في الإعلام، ودرجة الماجستير في دراسات التواصل الدوليّ، والدكتوراه في نقد الأدب العربيّ المعاصر.

 

 

 

تعليقات Facebook