الحاجّ علي حمدان مصلح... حافظًا لذاكرة "الزاوية" والقرى الأماميّة

جانب من قرية الزاوية قضاء سلفيت

خاصّ فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة

مَنْ سمح أن نخرج من التاريخ؟

هل من المُجدي توثيق هطول المطر؟ وما الّذي نستفيده من تعداد شتلات البندورة أو البامية في موسم ما؟ ما الجديد الّذي تقوله هذه السطور عن حياة قرية فلسطينيّة أُجبرت بعد النكبة على أن تصبح قرية حدوديّة أماميّة، وخطّ دفاع مهمًّا، وبيتًا ثانيًا لمَنْ هجّرتهم أيدي الحرب الصهيونيّة. هنا يبدأ فصل جديد في حياة قرية الزاوية (قضاء سلفيت) وسكّانها بعد نكبة عام 1948. أصبحت الزاوية حضنًا للخيريّة، ويازور، ورنتيا، ومجدل يابا، والكثير من البدو الرحّل كعرب الجرامنة[1]، واتّخذها البعض نقطة انطلاق نحو تدمير سرديّة النكبة بصفتها حدثًا تاريخيًاّ ذا حدود نهائيّة، وهي السرديّة الّتي لطالما روّجت لها الحركة الصهيونيّة، والكثير من "النخب" المحلّيّة ببكائيّاتها ومؤسّساتها الريعيّة. كانت كلّ عودة للقرى المدمّرة، لرزق أو لثأر أو لحنين، كانت نكبة لفكرة "إسرائيل" كيانًا مستقرًّا.

تبدأ قصّتنا مع مفكّرة المرحوم الحاجّ علي حمدان مصلح من بلدة الزاوية، الّتي استخدمها لتوثيق يوميّاته بدءًا من عام 1938 إلى مطلع السبعينات

وفي هذا السياق، يصبح إنتاج المعرفة التاريخيّة عن هذه الفترة، عبر ما تيسّر من تاريخ شفويّ ومذكّرات وصور، يصبح مدخلًا لممارسة العودة واختراق الذاكرة، ومساحة لكسر احتكار بعض السلالات العائليّة في تمثيل فلسطين تاريخًا وشعبًا. هذا يدعونا إلى البحث عن مصادر وبنى إنتاج للمعرفة الأفقيّة، لا تسلّم بقدسيّة عائلة ما أو مجموعة مهيمنة في الرواية التاريخيّة.

 

مقاومًا في الحرس القرويّ

تبدأ قصّتنا مع مفكّرة المرحوم الحاجّ علي حمدان مصلح من بلدة الزاوية، الّتي استخدمها لتوثيق يوميّاته بدءًا من عام 1938 إلى مطلع السبعينات. يروي الحاجّ علي الكثير من التفاصيل الدقيقة حول الزراعة والعمل اليوميّ، ويلوّن ذلك ببعض التفاصيل حول مشاركته في معارك عام 1948؛ فقد شارك في الحرس القرويّ للدفاع عن بلدته، جنبًا إلى جنب مع كتائب الجيش العراقيّ الّتي حاربت في فلسطين. يروي الكثير من أهل الزاوية والقرى المجاورة، قصصًا عن بطولات الجيش العراقيّ في الحرب، ويُبدون إعجابًا كبيرًا بدقّة مدافعه وقدرتها الكبيرة على تدمير الأهداف، وقد يكون حديثهم هذا ممزوجًا بطيف من الأسطورة، وكأنّهم يستنجدون بجيش عراقيّ قويّ من الماضي، لعلّه يغيّر في موازين قوى الحاضر.

مع انسحاب الجيش العراقيّ من المنطقة في ربيع عام 1949، بدأ الحاجّ علي بالانخراط في قوّات الحرس الوطنيّ الأردنيّ، الّتي ضمّت العشرات من أبناء القرية ومثيلاتها من القرى الأماميّة؛ إذ شُكّلت لتأمين الحدود ومراقبتها، وصدّ هجمات الجيش الإسرائيليّ. يبدأ مهامّه في الحرس بـ "نقل زينكو في الدوير على جمل عوض السعيد إلى الأردنيّة، وحفر استحكامات في الدوير وأبو زيتونة في تاريخ 27-04-1949"، "وسيتسلّم بطاقة المهاجرين من بديا 21-03-1950"[2].

 

من مخطوط مذكّرات الحاجّ علي حمدان مصلح

 

إنّ الضغط الكبير، والتدافع على القرى الأماميّة، دفع "وكالة الغوث الدوليّة" إلى توزيع بعض كروت المؤن على سكّان هذه القرى، حتّى وإن لم يكونوا قد هُجّروا.

في إحدى الزيارات الروتينيّة إلى نابلس، قرّر الحاجّ علي شراء مفكّرة لتوثيق أعماله وتجارته، ولم يغب عن باله أيضًا التطرّق إلى ورديّاته في الحرس القرويّ، الّذي سرعان ما تطوّر إلى "الحرس الوطنيّ". "ذهبت إلى عينبوس وعبد الله الحاجّ لشراء بندقيّة من محمود - 30 جنيهًا، 13- 09 - 1948"[3] - لم تكن هذه الصياغة الأصليّة؛ فقد كتبها بشكل معكوس، وهذا يدلّ على حذره، وعلى أنّ ما قام به لم يكن عملًا اعتياديًّا.  

"ذهبت للرعي وقلبي منشغل بالجهاد وعيني تهيل الدمع – في تاريخ 2 – 01 - 1948"[4]؛ هكذا يبدأ الحاجّ علي أحد أيّام الشتاء، ثمّ ينتقل للحديث عن حال بعض قرى قضاء يافا، من الّتي كانت تحت القصف، ويقول: "الحال سيّئة جدًّا مع الخيريّة وكفر عانة، واستحلّوا اليهود فيها بالمدافع"[5].

 

لو لم يزرع البطّيخ... لضاع الموسم

كان الحاجّ علي وحيد أهله، وفي وقت الحرب كان لا بدّ من أن يوفّق بين جهاده وعمله؛ فكان يستغلّ وقت الهدوء الحذر على الخطوط الأماميّة برعي الأغنام والزراعة. في أثناء الخدمة في إحدى دوريّات الحرس القرويّ، تعرّض موقعه لضرب شديد من القوّات الصهيونيّة، واستطاع الصمود والبقاء في الاستحكام وصدّ المهاجمين، على الرغم من هروب رفاقه وانسحابهم خوفًا. بطولته هذه كانت سببًا لتقريبه إلى القائد العراقيّ عبد الكريم قاسم؛ إذ شاءت الأقدار أن يعلم القاسم عن ذلك، وأن يأتي إلى الموقع ويربت على كتفه  مُشيدًا بأدائه، ثمّ يأمر بعقاب زملائه الهاربين وإهانتهم. قد يكون هذا اليوم تاريخ حدوث هذا الاشتباك: "ذهبوا الحرس من محلّهم إلى القرية بالعشاء خوفًا، 19 - 10 - 1948"[6].

كان الحاجّ يعي أنّه لو انتظر الإذن لضاع موسم البطّيخ؛ فقرّر المباشرة بالزراعة. وفي ليلة ظلماء جاء الفرسان للقبض عليه متلبّسًا؛ فاختبأ قبل أن يصلوه حتّى غادروا

درس الحاجّ علي 3 - 4 سنين عند مشايخ البلد، وخطّه كان جميلًا، وبدأ العمل في الزراعة ورعاية المواشي والتجارة بها في أسواق اللدّ والرملة. تدمير خطوط التجارة التقليديّة ومراكزها المدنيّة مثل يافا واللدّ، كان أحد الأسباب الّتي دفعت الحاجّ علي نحو القيام بخطوة جريئة، وتعمير قطعة أرض واقعة على خطّ الهدنة، تحت وابل من استهجان أهل بلدته. يقول ابنه الشيخ حمدان: "كان الناس يتهزّؤون به، وكان يرفع الشكاوى ضدّ رعيان الأغنام إلى مدير الناحية في سلفيت، وقد كان اهتمامه كبيرًا جدًّا بموضوع تعمير الأراضي، وكانت السلطات الأردنيّة تضع عقوبات صارمة على الرعاة الّذين يؤذون الزراعة بتغريمهم 20 دينارًا؛ وهو الأمر الّذي كان رادعًا قويًّا لهم"[7].

يروي ابنه إحدى القصص الطريفة عن تحوّل زراعة البطّيخ إلى حدث أمنيّ - "زراعة دخّان في العمارة وحاكورة البركة 1949، وزراعة بطّيخ"[8]-، ويحدّثنا أنّ المنطقة المنويّ زرعها كانت منطقة عسكريّة؛ إذ كان ممنوعًا على الناس البقاء هناك ليلًا. بدأ الحاجّ علي بتحضير الأرض لزراعة البطّيخ، ووصلت إخباريّة للجيش بذلك؛ فأخبروه بضرورة الانتظار حتّى يأتي إذن السماح. كان الحاجّ يعي أنّه لو انتظر الإذن لضاع موسم البطّيخ؛ فقرّر المباشرة بالزراعة. وفي ليلة ظلماء جاء الفرسان للقبض عليه متلبّسًا؛ فاختبأ قبل أن يصلوه حتّى غادروا. نجح الحاجّ علي في زراعة البطّيخ وقطفه بلا إثارة أيّ جلبة، ومع انتهاء الموسم التقى الفرسان الّذين أبلغوه بموافقة الجهات المعنيّة على طلبه القديم، فصارحهم بأنّه زرع البطّيخ وقطفه وأكل منه، وشكرهم ضاحكًا على الموافقة الّتي وصلت متأخّرة[9].

 

حدود إسرائيل في مواجهة حدود العائلة

عندما نتحدّث عن قوّات الحرس الوطنيّ في القرى الأماميّة، فنحن نتحدّث عن عشرات من المقاتلين، الّذين لم تتوفّر لهم القدرة والإمكانات لتأمين الحدود بشكل كامل، ولا سيّما في منطقة تغلي تحت وقع آمال اللاجئين الفلسطينيّين، بالعودة والثأر وتأمين القوت. لست بصدد تقديم تأريخ شامل للقرى الأماميّة، ولكن - وبإيجاز -  أستطيع القول إنّ الامتدادات العائليّة لبعض القرى المجاورة، وتساهل بعض الضبّاط في الجيش الأردنيّ وقوّات الحرس الوطنيّ، كانت كفيلة بصرف النظر أحيانًا عن تنقّلات الناس عبر الحدود. في كلّ الأحوال، مَنْ يستطيع فرض مسار إجباريّ على راعي أغنام؟ وهل للحدود والمناطق الحرام أيّ معنًى في أوقات الجوع واللجوء والفقر؟

 

غلاف دفتر المذكّرات

 

بدأت هذه التنقّلات البينيّة موجاتٍ صغيرة من الباحثين عن رزقهم المسلوب، وسرعان ما أخذت طابعًا اشتباكيًّا تخلّلت مشاركة جنود من الجيش الأردنيّ وقوّات من الحرس الوطنيّ. ما يهمّنا في قصّة الحاجّ علي أنّه، وعلى الرغم من خدمته في الحرس الوطنيّ، فإنّ ذلك لم يمنعه من زيارة بعض الأقارب في الجارة كفر قاسم، منها ما كان عن طريق الارتباط الأردنيّ بـالقدس، ومنها ما كان تحت جنح الظلام[10]. اكتسبت الزيارات الخاطفة الّتي كان يقوم بها الحاجّ علي لكفر قاسم أهمّيّة كبيرة، ولا سيّما بعد مذبحتها المعروفة، عام 1956؛ إذ بدأ بعض أهالي القرية بإيداع بعض الأموال لديه أماناتٍ خشيةً من مذبحة أخرى؛ لذا أتاحت العائلة بامتداداتها عبر الحدود ملجأ وحاضنة لأفرادها في  أوقات الحرب والخوف، وكانت أعمق من الحدود المتخيّلة لدولة إسرائيل؛ ونتيجةً لذلك، أُشيع عن الحاجّ علي بين أهل بلدته أنّه وجد تنكة مليئة بالذهب، لكنّهم لم يعرفوا أنّها أموال أمانات، وعندما "فَتْحَت البلاد"، أي بعد نكسة 1967، أرجع الأمانات إلى أصحابها.

في مطلع الستّينات، ذهب الحاجّ علي إلى عمّان، وجلب خبير مياه لفحص قطعة أرض، واجتهد، وشقّ طريقًا من عزّون عتمةً باستخدام البارود، وشجّر المنطقة بالزيتون واللوز، ثمّ عمل مشروع نحل ضخمًا، وانتقل اعتماده من الحبوب إلى الشجريّات. وصل عدد الدونمات الّتي عمّرها إلى 200، منها ما زُرع زيتونًا ومنها ما زُرع تينًا وعنبًا. مع كلّ هذا العناء، كان لا بدّ له من أن يرفّه عن نفسه؛ فاشترى راديو في تاريخ 15 - 11 - 1962، بتكلفة مقدارها 18 دينارًا! هل كان يستمع لـ "صوت العرب"؟

يروي ابنه اللحظات الأولى للنكسة: "دخل اليهود من عزّون عتمةً، وخرجنا من بيوتنا، واختبأنا تحت الأشجار وفي المغارات القريبة من البلد، والناس في حالة يُرثى لها، وحملنا أختنا الصغيرة، وأخذنا بعض الأمتعة. بعد يوم، دخل الجيش الإسرائيليّ إلى البلد، وطلب من الناس رفع الرايات البيضاء، ورفعوها واطمأنّوا بعض الشيء"[11].

يُقال إنّ حدود المستوطنة الجديدة، المنويّ إنشاؤها على مشارف الزاوية، تبدأ من حيث انتهى الحاجّ علي؛ أي عند آخر شجرة زيتون زرعها في منطقة سريسيا

في مطلع السبعينات، انضمّ اثنان من أولاده إلى "حركة فتح" - عثمان أبو الناجي وعمر - ونشطا في ذراعها المسلّح، واعتُقلا عام 1982، وفُجِّر بيت أبو الناجي، وأُغلق بيت عمر، ومن ثَمّ أوقعت الأحكام المؤبّدة بكليهما. سيخرج أبو الناجي من الأسر في صفقة شاليط عام 2011، وسيسبقه أخوه إلى الحرّيّة في صفقة تبادل عام 1985.

 

أوسع من حدود الزاوية

العلاقات الاجتماعيّة والتجاريّة للحاجّ علي قادته إلى زيارة العديد من المدن والقرى، ونسج علاقات بها، والأهمّ من ذلك أنّها عرّفتنا المدن والقرى عبر عينَي الحاجّ ومن موقعه، بصفته فلّاحًا نشيطًا؛ فتارةً نراه يطحن القمح في المجدل – مجدل يابا المدمّرة - وتارةً أخرى نراه في بديا يحدو بغلته. وعند اشتياقه إلى العنب يتوجّه إلى عطّارة لشرائه، وفي وقت آخر يفتح دكّانًا في البيرة، على الرغم من كلّ المسافات.

تتخطّى قصّة الحاجّ علي وبلدته حدود الزاوية، وتصبح مسرحًا لقصص القرى المدمّرة، الّتي سكن أهلها الزاوية، وأصبحوا جزءًا فاعلًا في يوميّاتها، ومن هنا تأتي أهمّيّة توثيق تاريخ القرى الأماميّة؛ لاحتضانها جغرافيا سياسيّة معقّدة ومتشعّبة. الحديث عن حياة القرى كما عاصرها أهلها، قد يكسر من هيمنة المدينة ومركزيّتها ونخبها في تمثيل فلسطين، وقد يقدّم القرية مركزًا بدلًا من أن تكون مكانًا تابعًا للمدينة بباشاواتها وأفنديّيها.

 

 

لماذا زرع الحاجّ علي مئات الأشتال من التين والزيتون، في الأعوام الّتي تلت النكبة والنكسة؟ وهل كأنّه يهمس بآذاننا بأنّ الزراعة هي ملجأ الفلسطينيّ الأخير، بعد فشل كلّ المشاريع المدنيّة وإفلاس نخبها؟

يُقال إنّ حدود المستوطنة الجديدة، المنويّ إنشاؤها على مشارف الزاوية، تبدأ من حيث انتهى الحاجّ علي؛ أي عند آخر شجرة زيتون زرعها في منطقة سريسيا، وعلى ذاك استطاع الحاجّ علي - قدر الإمكان وفي ظلّ ظروف محدودة - حماية حدود بلده من تسلّل الكسل والاستيطان، وهكذا كانت طريقته في الدفاع عنها.

تروي هذه المقالة مقطعًا يسيرًا من حياة الحاجّ علي، وتدعو القارئ إلى أن يشاركنا في قصّته ومذكّراته، حتّى نستطيع صياغة تاريخنا الاجتماعيّ بعيدًا عن عقد "النخب" وسرديّاتهم المحدودة. وكلّ الشكر لعائلة الحاجّ علي، وبخاصّة ابنه الشيخ حمدان، الّذي حفظ وعائلته هذه المذكّرات، ولم يبخل علينا بوقته. يأتي هذا العمل ضمن مبادرة "ذكريات فلسطينيّة مهدّدة Endangered Palestinian Memories "، الّتي انطلقت قبل عامين؛ إذ نوثّق التاريخ الشفويّ الفلسطينيّ، والموادّ الأرشيفيّة الشخصيّة، ذات العلاقة بالتاريخ الاجتماعيّ للفترة بين 1947 و1970. جمّعنا 100 مقابلة تاريخ شفويّ، والعشرات من الموادّ الأرشيفيّة العائليّة، وسنبدأ بالنشر مطلع العام المقبل، على شكل مادّة بحثيّة قصصيّة.

..........

الإحالات:

[1] عزمي شقير وآخرون، الزاوية بين الماضي والحاضر (الزاوية: مركز أبو نبعة الثقافيّ، 2016).

[2] مذكّرات الحاجّ علي حمدان مصلح، مخطوط.

[3] المرجع نفسه.

 [4]المرجع نفسه.

المرجع نفسه. [5]

[6] المرجع نفسه.

[7] مقابلة تاريخ شفويّ مع الشيخ حمدان مصلح، ابن الحاجّ علي حمدان مصلح، في تاريخ 6/8/2018.

[8] مذكّرات الحاجّ علي...

[9] مقابلة تاريخ شفويّ مع الشيخ حمدان مصلح....

[10] المرجع نفسه.

[11] المرجع نفسه.

 

* من مواليد القدس، طالب دكتوراه ومحاضر في "جامعة بازل" - سويسرا، باحث في التاريخ الشفويّ والتاريخ الاجتماعيّ المعاصر لفلسطين.

 

 

تعليقات Facebook