رغم إحكام السيطرة... معلمون مقدسيون يصنعون تغييرًا

صورة توضيحيّة | أ ب أ

خاصّ فُسْحَة - ثقافية فلسطينية

بعد عقد من العمل الميدانيّ المجتمعيّ، طالما شعرت خلاله بأنّ شيئًا ما ينقصني وينقص رزمة أدواتي الّتي استعملت، بصفتي اختصاصيّة اجتماعيّة، من أجل مجتمع أفضل قادر على تغيير حاله، قرّرت أن أكون معلّمة. أذكر اللحظة الّتي عرفت فيها أنّ التربية والتعليم، والتمكّن من هذا الميدان ما ينقصني؛ إذ عزمت بعد زيارة إحدى المدارس في البلدة القديمة في القدس، على أن أكرّس جهدًا أكبر لإصلاح هذا الميدان، لا بل قرّرت بقناعة تامّة أن أكون معلّمة بعد أن رأيت تآكل الجدران، وعدم توفّر الأساسيّات، وانعدام الضوء في الردهات؛ إيمانًا منّي بأنّ التغيير يبدأ من الميدان ذاته.

 

توثيق التجربة

وفعلًا، أصبحت معلّمة ألتقي تلاميذ عديدين، وأعمل مع معلّمين ومعلّمات من كلّ زاوية في بلادنا. في هذا الوقت، ساحتي الأساسيّة كانت القدس، فمن وجهة نظري، هي الأساس والبوصلة، وإن تغيّر فيها شيء فسيعمّ التغيير في كلّ مكان. كانت مفاجأتي كبيرة حين رأيت في القدس تحديدًا أنّ التغيير ممكن، على الرغم من أنّ واقع التعليم فيها مركّب، ويتطلّب من المعلّم أو المعلّمة أدوات ابتكاريّة، تتماشى مع الميدان واحتياجاته بشكل يوميّ.

ساحتي الأساسيّة كانت القدس، فمن وجهة نظري، هي الأساس والبوصلة، وإن تغيّر فيها شيء فسيعمّ التغيير في كلّ مكان.

كان لقاء المعلّمين المؤثّرين المغيّرين يثيرني ويدهشني كلّ مرّة؛ لذا جاءت فكرة توثيق تجربة المعلّمين المقدسيّين وكلاء التغيير المجتمعيّ، من خلال كتابة ورقة بحثيّة ستُنشَر في الأشهر القادمة، منبثقة عن "مؤتمر القدس" المنعقد في عمّان تحت رعاية "المركز العربيّ للأبحاث ودراسة السياسات"، و"مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة"؛ إذ وثّقت قصص عمل عشرين معلّمًا ومعلّمة يعملون في القدس، متحدّين كلّ الصعوبات، ومنتجين لغدٍ مقدسيّ أفضل.       

 

تحدّيات

لا أدّعي أنّ حال القدس ومعلّميها ورديّ، إذ لا يخفى على أيّ عارف أو متابع أنّ واقع التعليم في القدس قاسٍ ومرير، عانى وما زال يعاني - كغيره من القطاعات - إسقاطات سياسات التهميش والعزل؛ وهو ما أدّى إلى انهيار شبه كامل فيه، على غرار قطاعَي الرفاه والصحّة، وهذا بعد أن كانت مدينة القدس تاريخيًّا تُعَدّ بوصلة التعليم الفلسطينيّ؛ إذ ضمّت أفضل المؤسّسات التعليميّة، إلى جانب السياسيّة والاقتصاديّة والخدماتيّة، إضافة إلى أسماء لامعة في إنتاج التعليم والمعرفة العربيّة، مثل خليل السكاكينيّ، كما ورد في كتب وأبحاث كثيرة.

على مدار سنوات عدّة، يعاني قطاع التعليم المقدسيّ تحدّيات متعدّدة، وليدة التقصير الجليّ في تطوير التعليم والتعلّم في القدس، من جوانبه البنيويّة والبيئيّة والبشريّة؛ وهو ما أدّى إلى بروز مشاكل عديدة في المؤسّسات التعليميّة، وعلى المعلّم المقدسيّ أداء دوره كما يراه هو، أو كما يطلب منه على ضوء هذه التحدّيات.

تبدأ معاناة قطاع التعليم بتعدّد جهات الإشراف، ووجود آلاف الطلّاب بلا مقاعد دراسيّة، وافتقار العديد من المدارس إلى أدنى الأساسيّات، ومعيقات أمام عمليّة بناء المدارس وترميمها

إضافة إلى تحدّيات اجتماعيّة، وانعدام وجود مصادر تمويليّة وميزانيّات كافية، محلّيًّا وعالميًّا، للقطاع التعليميّ، تبدأ معاناة قطاع التعليم بتعدّد جهات الإشراف، ووجود آلاف الطلّاب بلا مقاعد دراسيّة، وافتقار العديد من المدارس إلى أدنى الأساسيّات، ومعيقات أمام عمليّة بناء المدارس وترميمها؛ ما أدّى إلى استئجار مبانٍ غير مؤهّلة وتحويلها إلى مدارس، أو إلى ازدحام الصفوف الدراسيّة واكتظاظها، إضافة إلى نسبة كبيرة من الطلّاب المتسرّبين، وخاصّة على ضوء سياسة الإغلاق والحصار، وعزل القدس جغرافيًّا عن المدن والقرى العربيّة المحيطة بها؛ وقد أدّى هذا العزل إلى تضاؤل عدد المعلّمين والمعلّمات، وتراجع عدد الطلّاب المنتسبين إلى المدارس المقدسيّة.

 

ما بين المطرقة والسندان

لهذا الوضع تأثير كبير في المعلّمين المقدسيّين؛ فهُم بين مطرقة صعوبة الظروف المعيشيّة، إضافة إلى حواجز ونواقص في المستويات الخدماتيّة، وبين سندان صعوبة المهنة. في بعض الأحيان، على المعلّم المقدسيّ اجتياز حواجز فيزيائيّة ونفسيّة خلال اليوم التدريسيّ، إضافة إلى التعامل مع إسقاطات ضبابيّة الإشراف والمتطلّبات التدريسيّة المختلفة، وكذلك التعامل مع انعكاسات الواقع الاستعماريّ على العمليّة التعليميّة. على ضوء هذا الواقع، لا يعمل المعلّم المقدسيّ في جوّ مريح وصحّيّ يتيح له العمل بلا تشويشات، والعمل بطريقة ابتكاريّة ومعزّزة للإبداع.

يتّخذ معلّمون ومعلّمات كثر من الوضع المقدسيّ دافعًا وسببًا لتصوُّر مغاير لوظيفتهم ورسالتها؛ فوفقًا لتصوّرهم تقع على عاتقهم مسؤوليّة تعزيز وعي المواطنين المقدسيّين

إنّ العمل في ظروف خانقة ملأى بالتحدّيات، يؤثّر سلبًا في المعلّمين بطبيعة الحال، وهذا ما نشهده ونلمسه في كلّ الدوائر التربويّة المحلّيّة والعالميّة، ونرى إسقاطاته على معلّمي القدس كغيرهم، وينعكس بالانسحاب الجليّ أو الخفيّ من ميدان التربية، أو التآكل الوظيفيّ، أو حتّى بظهور عوارض نفسيّة وجسديّة. إلّا أنّه - وعلى الرغم من ذلك - يتّخذ معلّمون ومعلّمات كثر من الوضع المقدسيّ دافعًا وسببًا لتصوُّر مغاير لوظيفتهم ورسالتها؛ فوفقًا لتصوّرهم تقع على عاتقهم مسؤوليّة تعزيز وعي المواطنين المقدسيّين، وهم فعليًّا وكلاء لتغيير مجتمعيّ، يطمحون من خلاله إلى بناء مجتمع مقدسيّ حصين، في بيئة خانقة وغير مستقرّة.

 

على الرغم من إحكام السيطرة...

أشارت لقاءاتي بالمعلّمين والمعلّمات إلى أنّه، وعلى الرغم من إحكام السيطرة على صيرورة التربية والتعليم؛ فإنّ العامل البشريّ الممثّل بالكادر التدريسيّ، يؤدّي دورًا مفصليًّا في تحدّي عمليّة السيطرة، وإحباطها بشكل ممنهج وواعٍ، وأحيانًا بشكل غير واعٍ.

أشارت المقابلات إلى تعدّد الطرق الّتي يغيّر بها المعلّمون والمعلّمات المقدسيّون واقعهم، وواقع طلّابهم، وبالتالي تغيُّر واقع مجتمعهم من خلال تبنّي دور الوكيل المجتمعيّ، فمثلًا يبنون مشاريع تربويّة عدّة تحاكي واقعهم وسياقهم على مستوى الحارات المختلفة، وتسدّ حاجاتهم الأساسيّة، مثل بناء مكتبة صفّيّة، أو بناء حديقة مجتمعيّة، أو تعزيز اللغة العربيّة، من خلال تصوير مدينتهم، أو حتّى زيارة مواقع محلّيّة في حاراتهم وتعرُّف قصّتها؛ وهذا ما يقودهم إلى بلورة هويّتهم القوميّة وصقلها، بما يرونه هم أكثر جذريّة وأصالة في انتمائهم القوميّ.

 

البحث عن مصادر بديلة

نقل المعلّمون من خلال المقابلات شعورًا بأنّ منظومة التربية والتعليم الإسرائيليّة لا توافق احتياجاتهم، ولا تتعامل مع خصوصيّة هويّتهم، لا من ناحية اللغة ولا من ناحية اجتماعيّة، وأشاروا أيضًا إلى عدم وجود مراعاة للفروق الثقافيّة؛ فدفع ذلك البعض إلى البحث عن مصادر بديلة لصقل هويّتهم المهنيّة والقوميّة، وفقًا للسياق الّذي يعيشونه، من منطلق فخر بالذاكرة الجمعيّة، لا إبراز ما ينقصنا كمجتمع، وتعزيز شعور الطلّاب بالفخر لموروثهم الاجتماعيّ لا الانقطاع عنه، عبر نقل قصص نجاح فرديّة مقدسيّة، ومشاركة الطلّاب في محطّات تاريخيّة مهمّة.

وقد شدّدت الغالبيّة على أنّ عملهم عمل فرديّ تطوّعيّ، وفي الغالب يتطلّب منهم ساعات كثيرة، ويحتاج أيضًا إلى الكثير من الإصرار والإيمان بتأثيرهم

أشار كلّ معلّم ومعلّمة بدوره إلى أنّ أساس عملهم، انبثق من إيمانهم المطلق بضرورة التربية والتعليم، خاصّة في سياق يهمّش الهويّة الأصلانيّة ويطمسها. وقد شدّدت الغالبيّة على أنّ عملهم عمل فرديّ تطوّعيّ، وفي الغالب يتطلّب منهم ساعات كثيرة، ويحتاج أيضًا إلى الكثير من الإصرار والإيمان بتأثيرهم؛ لأنّ النتائج غير مرئيّة على المدى القصير، إنّما على المدى الطويل؛ فيتطلّب ذلك جهدًا إضافيًّا منهم.

 

صمود

على ضوء ما ذُكر؛ فإنّ التعليم في القدس بالنسبة إلى المعلّمين بمنزلة معركة صمود وبقاء مستمرّة، وأنّ التعلّم عمليّة تستمرّ مدى الحياة؛ لذا يجب أن يكون موضوع الهويّة في قلب البِداغوجِيا، في حين يكون الوعي أداتها المركزيّة نحو التغيير، لكلّ مجتمع يرغب في ذلك؛ فمن الواضح أنّه لو اعتمدنا فقط على جهاز التعليم الرسميّ، ليكون المؤسّسة الاجتماعيّة الأساسيّة لتربية الجيل الناشئ، كما هي الحال لدى معظم المجتمعات، لتحوَّل المقدسيّون من أبناء شعب له هويّة وأرض ووطن، إلى مجموعة طوائف دينيّة أو بقايا مجموعات.

هؤلاء المعلّمون والمعلّمات يصنعون فرقًا في حياة طلّابهم وطالباتهم يوميًّا، ويقدّمون يومًا وغدًا أفضل، ويغرسون بطلّابهم القدرة على الحلم والجراءة على الحفاظ على الأمل، وهو كلّ ما نحتاج إليه في السياق العربيّ الفلسطينيّ.

طالب أو طالبة بلا أمل، هو ألّا يكون لنا غد جميعًا.

 

 

د. حنين مجادلة

 

حاصلة على بكالوريوس في الخدمة الاجتماعيّة، وماجستير في إدارة مؤسّسات غير ربحيّة، وشهادة في التدريس، ودكتوراه في الفلسفة. تعمل محاضرة في أكاديميّة القاسمي. حصلت على منح وجوائز عدّة عن مشاريع مجتمعيّة مختلفة. شغلت العديد من المناصب خلال السنوات السابقة، من أهمّها عضو إدارة في "جمعيّة سلامتكم" لخدمة المرضى من الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة في المستشفيات الإسرائيليّة.

 

 

تعليقات Facebook