بالشمع الأحمر... هكذا أغلقت إسرائيل أكثر من مئة مؤسّسة مقدسيّة

«بيت الشرق»... مغلق منذ عام 2001 | عدسة جورج عازر

 

أغلقت سلطات الاستعمار الإسرائيليّ في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، عددًا من المؤسّسات الفلسطينيّة العاملة في مدينة القدس، بذريعة تنظيم أنشطة للسلطة الفلسطينيّة، أو نيابة عنها، أو تحت رعايتها، في نطاق «دولة إسرائيل»، بدون تصريح. وطالت قرارات إغلاق المؤسّسات الّتي خرقت «قانون تطبيق السيادة»، وذُيّلت بتوقيع ما يُسمّى وزير الأمن الداخليّ حينذاك، جلعاد أردان، «تلفزيون فلسطين» و«مكتب مديريّة التربية والتعليم» الفلسطينيّة، و«المسجد الرصاصيّ» في البلدة القديمة.

وتُعَدّ الإغلاقات الّتي طالت منذ عام 1967 أكثر من مئة مؤسّسة فلسطينيّة عاملة في القدس، امتدادًا لسياسة انتهجتها الحكومات الإسرائيليّة المتعاقبة في سبيل فرض السيادة على المدينة؛ إذ تعمل سلطات الاستعمار من خلال أذرعها المختلفة، على إلغاء كلّ ما يتعلّق بالوجود العربيّ الفلسطينيّ وشطبه في القدس، المدينة العاصمة الّتي تمثّل بجغرافيّتها وديموغرافيّتها ودياناتها وتاريخها الوجه الوطنيّ والقوميّ للفلسطينيّين.

 

إغلاق المؤسّسات تاريخيًّا

يعقوب عودة

بدأت إسرائيل في سياسة إغلاق المؤسّسات الفلسطينيّة في القدس، منذ احتلال الشطر الشرقيّ للمدينة عام 1967، واستهلّتها بحلّ «أمانة القدس» أو المجلس البلديّ الّذي انتُخب قبلها بأربع سنوات؛ إذ صدر في حزيران (يونيو) 1967 قرار عسكريّ بذلك، وصودرت أملاك الأمانة ومحتوياتها إلى بلديّة الاستعمار.

يستذكر الباحث الفلسطينيّ يعقوب عودة الحادثة، يقول: "أصبح تيدي كوليك بصفته رئيس بلديّة الشطر الغربيّ للمدينة، رئيسًا لبلديّة القدس بشطريها، وحّدوا البلديّة". وحسب عودة، وقّع وزير الجيش آنذاك، موشيه ديان، بعدها بعام تقريبًا، على قرار يقضي بإبعاد أمين المجلس روحي الخطيب إلى الأردنّ. 

وتتابعت بعد ذلك عمليّات الإغلاق لتشمل المصارف، والمشافي، والمحاكم، والمراكز الصحّيّة، والمؤسّسات التعليميّة والثقافيّة والأندية الشبابيّة. ومع الوقت أصبح الإغلاق والمنع يشمل فعاليّات تأبين الشخصيّات، وحفلات تخريج المدارس ورياض الأطفال. حتّى رفع العلم الفلسطينيّ ممنوع في القدس، ويُلاحَق مَنْ يفعل ذلك.

ولا تكاد مؤسّسة فلسطينيّة موجودة في القدس لم تطلها الاقتحامات، الّتي يرافقها العبث وتخريب المحتويات ومصادرة بعضها، ولا سيّما الأجهزة الإلكترونيّة مثل الحواسيب وذاكرات كاميرات المراقبة، عدا إخضاع العاملين في تلك المؤسّسات للتحقيق. ولم تقتصر قرارات الإغلاق على المؤسّسات داخل حدود المدينة، بل تعدّتها إلى تلك الواقعة في ضواحيها.

وتُغلق سلطات الاستعمار المؤسّسات الفلسطينيّة العاملة في القدس، إمّا مؤقّتًا، ولفترات متفاوتة، وإمّا لستة أشهر تُجَدَّد دوريًّا، كما حصل مع العديد من المؤسّسات، وعلى رأسها مقرّ «بيت الشرق» الّذي أسّسه القياديّ الراحل فيصل الحسيني، والّذي كان بمنزلة مقرّ للسلطة الفلسطينيّة في القدس.

 

حرب مفتوحة

في مقال أعدّه يعقوب عودة، المنشور في العدد الثامن لشتاء - ربيع 2009/2010 من «مجلّة الدراسات الفلسطينيّة»،  أدرج الكاتب المؤسّسات الفلسطينيّة العاملة في القدس المحتلّة تحت تصنيف ثلاثيّ، وتتمثّل بالمؤسّسات النقابيّة والاتّحادات والروابط المهنيّة الّتي تعمل بموجب تراخيص إسرائيليّة، وتسجَّل جمعيّات عثمانيّة وتعمل بشكل طبيعيّ وقانونيّ.

أمّا النوع الثاني فهو المؤسّسات الإعلاميّة والأهليّة الّتي تُعَدّ مؤسّسات مستقلّة غير حكوميّة، تعمل بموجب تراخيص، ولا يحقّ للسلطات الإسرائيليّة أن تسحب تلك التراخيص بدون سبب وجيه.

النوع الثالث الأخير من المؤسّسات، فيضمّ تلك الّتي تقدّم خدمات طبّيّة وإنسانيّة مباشرة للفلسطينيّين، وتحصل على تراخيص العمل من سلطات الاستعمار على أنّها مراكز لخدمات الجمهور.

وتُغلق إسرائيل المؤسّسات الفلسطينيّة في القدس بغضّ النظر عن طبيعتها. يقول عودة: "هم ليسوا بحاجة إلى تبرير ما يفعلون، المهمّ الحفاظ على السيادة".

ويبدو أنّ وتيرة عمليّات إغلاق المؤسّسات مرهونة بالسياق السياسيّ للمدينة. يرى عودة أنّ "الإغلاق سياسة ثابتة للاحتلال، مثلها مثل هدم المنازل ومصادرة الأراضي وغيرها من الانتهاكات، ترتفع وتيرتها مثلًا قبل عقد الانتخابات، وتنخفض في حال كان هناك ترتيب مسبق لزيارة وفود أجنبيّة"، ويُضيف: "نحن في مزاد علنيّ، هم يستخدمون القدس وسيلة دعائيّة، وما دمتَ أنت فلسطينيًّا وغير يهوديّ، فهذا كافٍ للتعرّض لك بأيّ شيء".

على الأرض، تستمرّ إسرائيل في سياساتها التهويديّة للقدس، غير آبهة بالقانون الدوليّ الّذي يعتبر المدينة محتلّة، وقد ترك تسوية ملفّها إلى الحلّ النهائيّ بين الفلسطينيّين وإسرائيل، وهي خطوة، ووفقًا للمعطيات، تبدو بعيدة المنال.

ويصف عودة استهداف الاستعمار للمؤسّسات الفلسطينيّة بـ "الحرب المفتوحة"، ويضيف: "هي حرب لتغيير الواقع الجغرافيّ والديموغرافيّ لصالح المحتلّ، ويمارسها بجميع الطرق والوسائل والأدوات القانونيّة الّتي يُجَيّرها لصالحه، ومن خلال الذرائع المختلفة". وحسب عودة "ينطلق الاحتلال من قناعته بأنّه حرّر القدس وأعاد توحيدها لاحقًا، واليوم لن يتخلّى عنها، وبالتالي يمارس تطهيرًا عرقيًّا لتحقيق ذلك".

بالنسبة إلى الباحث المقدسيّ، فإنّ الاستعمار يتعامل مع هذه المؤسّسات بكلّ مُسمَّياتها، وبأشكالها التنظيميّة المختلفة وأدوارها، ممثّلًا للهويّة الفلسطينيّة والوجه الحضاريّ والعربيّ للقدس.  ولعلّ ما ضيّق الخناق أكثر على المدينة، الدعم الّذي تلقاه حكومة الاستعمار الحاليّة بزعامة اليمينيّ بنيامين نتنياهو، من الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، الّذي يُعتبر حليفًا إستراتيجيًّا للدولة العبريّة، بإعلانه القدس عاصمة لإسرائيل  ونقل سفارة بلاده إليها، بالإضافة إلى إعلانه في مطلع العام الجاري ما أسماه «خطّة للسلام» في الشرق الأوسط، منحت الفلسطينيّين عاصمة في ضواحي القدس.

يقول عودة: "زادت الشراسة في الهجوم على مدينة القدس، فترامب منحهم غطاء سياسيًّا".

 

"لم نُحسن الصنع"!

وفقًا لشهادة عودة، كانت المؤسّسات الأهليّة الفلسطينيّة، وبعضها موجود من قبل احتلال المدينة، هي الّتي تُدير أمور الناس فيها قبل قدوم «السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة»، لكن بمجيء السلطة، طلبت من المؤسّسات تسوية أوضاعها والحصول على تراخيص عمل، في خطوة تسبّبت بالضرر الكبير. يقول عودة: "تولّدت المخاوف لدى السلطة من أن تؤدّي هذه المؤسّسات دورًا بديلًا لها، ولم تتعامل مع المؤسّسات على أنّها مكمّلة لها في العمل داخل المدينة"، ويتساءل: "لماذا طلبوا من المؤسّسات إعادة تسجيلها ما دامت قانونيّة؟ ومعظمها موجود من قَبْل احتلال المدينة؟".

ويضيف: "أرادت السلطة الفلسطينيّة أن يمرّ دعم المؤسّسات من خلالها، لكنّها لم تثبت شفافيّتها ونزاهتها".

لاحقًا، شكّلت إسرائيل عام 1994، لجنة لتحديد المؤسّسات الفلسطينيّة العاملة في القدس، وقامت بعمليّة غربلة لمَنْ يُسْمَح لها العمل ومَنْ لن يُسْمَح لها ذلك، وتَبِعَ ذلك - وفقًا لعودة - إغلاق خمسين مؤسّسة، ووضع 49 مؤسّسة أخرى على قائمة المؤسّسات المهدَّدة بالإغلاق.

يؤكّد عودة: "نحن لم نُحسن الصنع"!

 

قانون الطوارئ

منير نسيبة

تستند إسرائيل في إجراء إغلاق المؤسّسات الفلسطينيّة في القدس، إلى «قانون الطوارئ» الّذي استمرّت بالعمل به منذ عام 1948 حتّى يومنا هذا، والّذي يخوّلها انتهاك حقوق أساسيّة محميّة بموجب قانون حقوق الإنسان الدوليّ.

وسنّت إسرائيل منذ ذلك الوقت، العشرات من القوانين والأنظمة الّتي يعتمد تطبيقها على حالة الطوارئ وفقًا للبند التاسع، الّذي يخوّل كلّ وزير سنّ أنظمة لأوقات الطوارئ، من أجل ما يطلقون عليه «أمن الدولة».

ويؤكّد أستاذ القانون الدوليّ منير نسيبة أنّ عمليّات الإغلاق هذه مخالفة للقانون الدوليّ لحقوق الإنسان، وللقانون الدوليّ الإنسانيّ، إذ تندرج تحت بند قمع الحرّيّات الشخصيّة للناس، وقدرتهم على تنظيم أنفسهم، ومناقشة شؤونهم العامّة.

يقول نسيبة: "ينظّم القانون الدوليّ الإنسانيّ الممارسات خلال الحرب، ويحرّم على الدولة المحتلّة، وبشكل مطلق، تطبيق قوانينها الداخليّة داخل الإقليم المحتلّ، ويمنعها من ضمّ الأراضي أو اعتبارها جزءًا من أراضيها"، لكنّ الاستعمار يمارس النقيض تمامًا.

 

«بيت الشرق»

إسحق القواسمي

أغلقت سلطات الاستعمار عام 2001 مقرّ «بيت الشرق»، وذلك بعد مرور أربعين يومًا على وفاة مسؤول ملفّ القدس القائد البارز فيصل الحسيني، الّذي اتّخذ من البيت مقرًّا لـ «مؤسّسة الدراسات العربيّة»، الّتي أنشأها لتكون مركزًا فلسطينيًّا للأبحاث.

يعمل إسحق القواسمي مديرًا لـ «دائرة الترميم» في «بيت الشرق» منذ عام 1994، ويقول إنّ البيت كان بمنزلة حكومة ظلّ فلسطينيّة، خسرت القدس والمقدسيّون بإغلاقه العنوان والمرجعيّة. ولم تكن عمليّة إغلاقه عاديّة كما تجري في أيّامنا هذه؛ إذ جرى ليلًا تنفيذ عمليّة إنزال لمظلّيّين من طائرة مروحيّة، في حين انتشرت عناصر من الجنود والشرطة في محيط المقرّ.

وحسب القواسمي: "تذرّع الاحتلال بأنّ ‘البيت‘ يحتوي على أسلحة وذخيرة عسكريّة"، لكن لم يجدوا سوى الموظّفين المناوبين الّذين اعتقلوهم، وصادروا الصور والوثائق الّتي لم تجرِ استعادتها حتّى اليوم، بحجّة رغبة «جهاز المخابرات العامّة» الإسرائيليّ بالاطّلاع عليها والتدقيق فيها.

ويُجَدَّد أمر إغلاق «بيت الشرق» منذ ذلك الحين دوريًّا كلّ ستّة أشهر، ويُهاجَم الفلسطينيّون الّذين يحيون ذكرى وفاة الحسيني في 31 أيّار (مايو) من كلّ عام أمام مبنى المقرّ، ويُعْتَقَلون.

وعلى الرغم من مرور نحو 20 عامًا على إغلاقه، "ما زال مقرّ ‘بيت الشرق‘ مستأجَرًا، وما زالت ضرائبه تُدفع، في حين واصل معظم العاملين فيه القيام بمهامّهم، كلّ من موقعه، ويتلقّون رواتب شهريّة من السلطة الفلسطينيّة"، أضاف القواسمي.

 

«الغرفة التجاريّة الصناعيّة العربيّة»

عزّام أبو السعود

أجبرت أساليب الملاحقة المتعدّدة الّتي تمارسها سلطات الاستعمار، ضدّ كلّ ما هو فلسطينيّ في القدس، أجبرت مؤسّسات فلسطينيّة على الإغلاق الكامل وفصل الموظّفين على إثره، وبعضها – القليل - فضّل مواصلة العمل، لكنّها نقلت نشاطها إلى المناطق الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينيّة، كما فعلت «الغرفة التجاريّة الصناعيّة العربيّة» في القدس.

تأسّست «الغرفة التجاريّة» في القدس عام 1936 بعد انفكاكها عن الانتداب البريطانيّ، وتسلّم إدارتها أحمد حلمي باشا، وهو أحد مؤسّسي «البنك العربيّ». عام 2001، تسلّم المدير العامّ السابق للغرفة التجاريّة، عزّام أبو السعود، أمر إغلاقها لمدّة ستّة أشهر، يكون تجديده دوريًّا منذ ذلك الحين.

وحسب أبو السعود، "ورد في قرار الإغلاق خطأً اسم ‘اتّحاد الغرف التجاريّة الفلسطينيّة‘ وعنوانها، بدلًا من ‘الغرفة التجاريّة الصناعيّة العربيّة‘، وهما مؤسّستان مختلفتان، فانتقلنا للعمل في مقرّ الاتّحاد مؤقّتًا".

وبدأ الفلسطينيّون جولة اتّصالات بسفراء وقناصل أجانب، ومن بينهم القنصل الأميركيّ الّذي حصل على وعد في حينه من وزير الأمن الداخليّ في حكومة الاستعمار بفحص الأمر. وصُحِّح اللبس الحاصل باقتحام القوّات الإسرائيليّة مقرّ «اتّحاد الغرف التجاريّة الفلسطينيّة»، الّذي انتقل للعمل في رام الله لاحقًا، ومصادرة محتوياته وإغلاقه!

يقول مدير الغرفة (1999-2013): "لم يكن لدينا من الأموال سوى مبالغ قليلة نحصّلها من اشتراكات الأعضاء، وبدل رسوم إصدار شهادات المنشأ، وتجديد جوازات السفر، وبقي في الخزنة الّتي لم تصادَر نحو خمسة آلاف دولار، كانت مخصّصة لرحلة تجاريّة إلى سوريا، بقيت في المقرّ الّذي خُتِم بالشمع الأحمر".

وانتقلت «الغرفة التجاريّة» و«مؤسّسة الدراسات العربيّة» إلى منطقة ضاحية البريد، المتاخمة اليوم لجدار الفصل العنصريّ، دون أيّ مستندات، وهي الّتي كانت بمنزلة كاتب عدل في مدينة القدس، تحتوي أوراق ملكيّة الأراضي والمحالّ التجاريّة، حسب أبو السعود.

ولا يستبعد المدير العامّ السابق للغرفة التجاريّة أن "تكون سلطات الاحتلال قد استخدمت تلك الأوراق والوثائق لاحقًا، لمصادرة الأراضي والعقارات وتزويرها".

 

 «مكتب تلفزيون فلسطين»

كريستين ريناوي

وبالعودة إلى تشرين الثاني (نوفمبر)، أغلق «مكتب تلفزيون فلسطين» المستمرّ في عمله منذ عام 1993، لمدّة ستّة أشهر، استنادًا إلى «قانون تطبيق السيادة»، الّذي يمنع أيّ نشاط للسلطة الفلسطينيّة في القدس.

أدّى الإغلاق الّذي تجدّد لستّة أشهر إضافيّة، إلى تشتّت العاملين في التلفزيون، الّذين قرّروا تحدّي القرار بمتابعة عملهم من الميدان، لكن هذه الخطوة لم ترُق للاحتلال أيضًا فاستمرّ في ملاحقتهم، واعتقل عددًا منهم. ومن بين المعتقَلين مراسلة التلفزيون كريستين ريناوي، الّتي اعتُقلت من أمام «باب العمود»، حيث وصل جنود الاستعمار إلى المكان في أثناء البثّ المباشر؛ فاضطرّت إلى قطع البثّ، ومن ثَمّ اقتيدت للتحقيق قبل أن يُفرج عنها بشروط. 

تقول كريستين: "حقّقوا معي 6 مرّات في أقلّ من ستّة أشهر، وهُدِّدنا بالسجن الفعليّ إن قدّمنا أيّ خدمات للتلفزيون".

إغلاق مكتب التلفزيون في القدس، ومنع طواقمه من العمل قطعيًّا، جعلهم يبحثون عن خطط بديلة؛ إذ بدؤوا بالتصوير في ضواحي القدس، ولم تتوقّف برامج التلفزيون أو التغطية الإخباريّة الخاصّة بالقدس.

 

«الإرهاب»

يخوض أكثر من 130 مؤسّسة فلسطينيّة، ومنها ما يعمل في القدس منذ العام الماضي، جدالًا مع الاتّحاد الأوروبّيّ حول بند جديد أُضيف إلى شروط التمويل، تقول تلك المؤسّسات إنّه يمنع تقديم التمويل لأشخاص في جهات يعتبرها الاتّحاد الأوروبّيّ «إرهابيّة»!

على الأرض، أصدر «المركز الفلسطينيّ لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين – بديل»، مقرّه بيت لحم، قبل بضعة أشهر، بيانًا أكّد فيه إلغاء الاتّحاد الأوروبّيّ تمويله لمشروع «التحشيد لأجل العدالة في القدس»، وذلك على إثر رفض المركز التوقيع على العقد الّذي تضمّن ملحق الشروط العامّة فيه، شرط «محاربة الإرهاب»!

وفي الوقت الّذي وقّعت فيه مؤسّسات عدّة على العقد، رفض معظم المؤسّسات التوقيع، وحاولت جاهدة إلغاء الشرط الجديد.

لكنّ ذريعة تمويل الإرهاب أو تنفيذ أنشطة لها علاقة بمنظّمات إرهابيّة، ليست بالجديدة بالنسبة إلى المؤسّسات الفلسطينيّة؛ إذ أغلقت سلطات الاستعمار عام 2018 «مؤسّسة إيليا الإعلاميّة»، مقرّها شارع صلاح الدين في وسط القدس، لنفس الذريعة. ووصف ما يُسمّى وزير الدفاع حينذاك، أفيغدور ليبرمان، المؤسّسة بأنّها «إرهابيّة»!

وغرّد ليبرمان آنذاك عبر حسابه على تويتر حول المؤسّسة، مشيرًا إلى أنّها "تتظاهر بأنّ عملها اجتماعيّ شبابيّ، وفي الواقع هي مؤسّسة تعمل على تجنيد ناشطي الإرهاب [...] ودعم الأنشطة الإرهابيّة".

ذات الذريعة استخدمها الاستعمار حديثًا لدى اقتحامه في تمّوز (يوليو) «مركز يبوس الثقافيّ»، و«معهد إدوارد سعيد الوطنيّ للموسيقى»، اللّذَيْن عمل على تفتيشهما بدقّة ومصادرة الملفّات وأجهزة الحواسيب، قبل أن يعتقل مديرَيهما اللّذَيْن قضيا ساعات طويلة في التحقيق قبل الإفراج عنهما.

 

 

* تُنْشَر هذه المادّة ضمن ملفّ «العاصمة»، الّذي تخصّصه فُسْحَة - ثقافيّة فلسطينيّة لتسليط الضوء على الفعل الثقافيّ في مدينة القدس، والمتعلّق بها، وذلك بالتزامن مع الذكرى العشرين «لانتفاضة القدس والأقصى»، وفي ظلّ السياسات الحثيثة والمتزايدة لنزع فلسطينيّة وعروبة المدينة.

 

 

تعليقات Facebook